Skip to main content
احد سكان جبل البابا بالقرب من انقاض بيته. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم. 16.10.17.
Menu
المواضيع

إسرائيل تنزع القناع الأخير عن سياسة التخطيط التي تطبّقها في الضفة الغربية

في 17.6.2018 دخل حيّز التنفيذ أمر عسكريّ جديد (رقم 1797) يمنع عن الفلسطينيّين أيّة إمكانية للاعتراض على أوامر هدم أصدرتها الإدارة المدنية في حقّ مبانٍ جديدة. ذلك يعني أنّ إسرائيل تستطيع منذ الآن هدم منازلهم فورًا.

بلغة قانونيّة منمّقة يحدّد الأمر أنّ كلّ مراقب من الإدارة المدنيّة مخوّل إصدار تعليمات بـ"إزالة" مبنًى جديد - بما في ذلك المباني التي لم ينتهِ العمل على إنشائها أو المباني التي انتهى العمل على إنشائها خلال نصف السّنة الأخير. أمّا بخصوص المباني السكنية فيستطيع أيّ مراقب إصدار تعليمات بهدمها إذا لم يتمّ الانتقال للسّكن فيها بعد أو إذا لم يمضِ بعد 30 يومًا على هذا الانتقال. وأمّا من يملك رخصة بناء تخصّ المبنى فبإمكانه تقديم طلب لإلغاء أمر الهدم خلال 96 ساعة وإذا لم يتمّ تقديم مثل هذا الطلب خلال الفترة المذكورة ولم يهدم المالك المبنى بنفسه يحقّ عندئذٍ للمراقب "إزالته عن الأرض وإزالة كلّ ما هو موصول به" بشرط أنّ المبنى "لا يقع ضمن حدود خريطة هيكليّة مفصّلة" وبعد استشارة المستشار القضائي أو من ينوب عنه.

ليست هذه المرّة الأولى التي تحاول فيها الدولة حرمان الفلسطينيّين من اللّجوء إلى الإجراء القضائي بموجب قانون التخطيط والبناء. قبل نحو السّنة استخدمت طريقة أخرى - استُحدثت في الأصل لأجل إخلاء بؤر استيطانيّة: أعلن الجيش منطقة تسكنها جماعة بأكملها "منطقة محدّدة" وأمر بإخلاء جميع الممتلكات القائمة عليها دون الحاجة إلى إصدار أوامر هدم لكلّ مبنًى على انفراد. حتى الآن أصدرت الدولة أوامر كهذه ضدّ ثلاثة تجمّعات وقدّمت هذه التجمّعات بدورها التماسًا لمحكمة العدل العليا لم يصدر فيه قرار بعد.

يشكّل الأمر الجديد في جوهره لبنة إضافية في سياسة التخطيط والبناء التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربية والتي تطبّق أساسًا لمنع أيّ تطوير فلسطينيّ تقريبًا، وسلب أراضي الفلسطينيّين وتخصيص أقصى مساحة ممكنة من الأرض لاحتياجاتها هي. بهذه الطريقة حدّدت إسرائيل مساحات شاسعة منذ البداية على أنّها ممنوعة للبناء الفلسطيني مصنّفة إيّاها كـ"أراضي دولة" و"مناطق إطلاق نار" أو "محميّات طبيعيّة". أمّا المساحات القليلة المتبقّية فلا يتعاطى معها جهاز التخطيط بتاتًا إذ ترفض إسرائيل كقاعدة عامّة إعداد خرائط هيكلية لها - علمًا أنّه لا يمكن إصدار رخص بناء في غياب هذه الخرائط. في هذه المرحلة وعندها فقط تتذكّر إسرائيل وجود جهاز تخطيط فتهبّ لإصدار أوامر الهدم للمباني باعتبارها "بناء غير مرخّص".

حتّى الآن شكّل إصدار أوامر الهدم محرّكًا للجوء السكّان إلى الإجراءات القضائية وقد تستمرّ هذه الإجراءات شهورًا طويلة أو حتّى سنوات. نتائج هذه الإجراءات معلومة سلفًا في كلّ الحالات تقريبًا: مختلف المستشارين القضائيّين ولجان الاعتراض وقضاة المحكمة العليا لا يتناولون بتاتًا سياسة إسرائيل وآثارها إذ يحصرون دورهم بفحص الأسئلة التقنيّة حيث يبحثون في مداولاتهم: هل يحقّ لمقدّمي الالتماس المكوث في أراضٍ مصنّفة "منطقة إطلاق نار" (وتتجاهل سؤال صلاحية تصنيفها كذلك أصلًا) هل لديهم رخصة بناء للبناء الذي صدر بحقّه أمر الهدم (ويتجاهلون حقيقة أنّ إسرائيل تتعمّد عدم إعداد خرائط هيكلية للبلدات الفلسطينية في مناطق C)؛ هل استنفدوا جميع الإجراءات قبل توجّههم إلى المحكمة أم أنّهم ماطلوا أكثر ممّا ينبغي. في معظم الحالات تكون الإجابة على هذه الأسئلة بالنفي وبناءً عليه ترفَض الالتماسات.

الإجراء القضائيّ لبحث الاعتراض على أمر هدم (الممنوع الآن بموجب الأمر الجديد) والذي يتمّ وفقًا لقانون التخطيط والبناء لا يمنع هدم المنزل ولا يتيح للسكّان تسوية مكانتهم والانتقال إلى تسيير حياتهم في مجرًى معقول. الفائدة الوحيدة التي يجنيها مقدّم الالتماس الذي يتهدّد منزله خطر الهدم هي استصدار أمر مؤقت لإرجاء الهدم وتجميد الوضع القائم حتّى صدور قرار المحكمة في شأن الهدم. ونظرًا لطول مدّة الإجراءات يستطيع الملتمسون البقاء في منازلهم وهم مطمئنّون إلى أنّه لن يُهدم خلالها. غير أنّ الأمر المؤقت في المقابل يمنعهم من إقامة مبانٍ جديدة بما يناسب احتياجاتهم كما يمنع ترميم المباني القائمة وتوصيل الموقع بالشبكات الحيويّة وبناء المباني العامّة - أي أنّ الأمر المؤقت يجمّد لفترة طويلة حياة مقدّمي الالتماسات ويلقي بهم إلى حالة من انعدام اليقين تجاه مستقبلهم.

المغزى الاساسيّ من الأمر الجديد هو إلغاء إمكانيّة المراجعة القضائيّة لأوامر الهدم وسياسة التخطيط والبناء التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربية - علمًا أنّه إجراء شكليّ لا أكثر لكنّ هذا لا تعني أنّه ينبغي الاستخفاف بتبعات الأمر الجديد إذا تذكّرنا أنّ المظهر الشكليّ جزء أساسيّ من نظام الاحتلال وأنّ إسرائيل تحرص كثيرًا على المحافظة عليه: من ذلك حرصها على وجود جهاز تطبيق القانون العسكري والمحاكم العسكريّة والإجراءات "القانونيّة" للاستيلاء على مئات آلاف الدونمات في الضفة الغربية. استعداد إسرائيل للتخلّي في هذه الحالة حتّى عن المظهر الشكليّ يدلّ على سعي منها لتسريع وتيرة ونطاق سلب الفلسطينيين في أنحاء الضفة كما على ثقتها بأنّها لن تضطرّ إلى تحمّل تبعات المسؤولية عن النتائج الوخيمة للخروقات الخطيرة - لا على المستوى المحلّيّ ولا على المستوى الدوليّ.