Skip to main content
Menu
المواضيع

الإدارة المدنيّة هدمت نحو نصف بيوت التجمّع السكانيّ إدعيس بجوار الجفتلك في غور الأردن

جرافات الادارة المدنية تهدم مباني في التجمع السكاني ادعيس. تصوير: يوسف بني عودة. 21/5/2014.
جرافات الادارة المدنية تهدم مباني في التجمع السكاني ادعيس. تصوير: يوسف بني عودة. 21/5/2014.

في صبيحة يوم 21/5/2014 حضرت خمس جرافات تابعة للإدارة المدنيّة، بمرافقة قوّات كبيرة من الجيش وحرس الحدود، إلى التجمّع السكانيّ إدعيس، الذي تقطنه 23 عائلة بجوار قرية الجفتلك في مجموعتيْ خيام. توجّهت القوات إلى المجموعة الجنوبيّة في التجمّع السكانيّ، التي تقطنها عشر عائلات، وفيها 53 نسمة، من بينهم 28 طفلاً، وتملك نحو 4,500 رأس ماشية. أمرت القوات سكان مجموعة الخيام بإخلاء جميع المباني من محتوياتها خلال نصف ساعة، وفور ذلك هدمتها كليّة. وشملت المباني التي هُدمت 14 خيمة سكنيّة ونحو 25 مبنًى كانت تستخدم لتربية المواشي التي بملكية العائلة. إلى جانب ذلك، دمّرت الجرافات أيضًا نحو 45 مترًا من الأنابيب المخصّصة لنقل المياه إلى التجمّع السكانيّ من البئر المجاورة، التي كانت في مرحلة الترميم. ونتيجة للإنذار القصير، لم يستطع السكان إخلاء المعدات وغذاء المواشي من الحظائر، التي دُمّرت كليةً.

نعمة إدعيس، عمرها 56 عامًا وأم لأربعة أولاد، من سكان التجمّع السكانيّ، روت في إفادتها أمام باحث بتسيلم عاطف أبو الرُّب يوم 25/5/2014 ما حدث أثناء الهدم:

سدّوا الأراضي من حولنا، الكثير من الجنود، الجرافات الكبيرة، شرطة وسيارات. أمرونا بإخراج أغراضنا من البيوت، وخلال أقل من نصف ساعة هدموا لنا كلّ شيء. لم يتركوا شيئًا، الأولاد الصغار والحملان وقفوا في الشمس أو تحت الأشجار. كل الأغراض الشخصيّة ظلت في الخارج وقامت الجرافات بجرف وهدم كل مبانينا. لم يتركوا شيئًا إلا وهدموه، لم يخلفوا لنا مأوى أو سقفًا. ظللنا في الخارج بلا شيء. حتى الطابون الذي أحضر فيه الخبز للأولاد جرفوه. طلبت منهم أن يُبقوه لنا كي نستطيع أن نأكل، ولكن لا حياة لمن تنادي.

خلال ساعات تحوّل المكان إلى خراب، أقسم لك، مثل الحرب. الجيش والجرافات تركوا المكان، وعندها جاء الصحافيون وجميعهم أرادوا التقاط الصور.

احدى سكان ادعيس تحاول انقاذ الممتلكات من الانقاض. تصوير: عاطف ابو الرب، بتسيلم. 21/5/2014.
احدى سكان ادعيس تحاول انقاذ الممتلكات من الانقاض. تصوير: عاطف ابو الرب، بتسيلم. 21/5/2014.

في الليلة التالية للهدم نام سكان المجموعة الجنوبيّة في العراء. في الغداة، عندما حاولوا إعادة بناء عدد من الخيام، عاد الجيش إلى الموقع وهدّد بمصادرتها وبمصادرة معدّات أخرى ظلت في الموقع بعد الهدم. وفي نهاية المطاف لم يصادروا شيئًا. حصل أبناء التجمّع السكانيّ على تسع خيام صغيرة وبسيطة وفراش من الصليب الأحمر. وهم يعيشون اليوم في هذه الخيام وسط ازدحام كبير ويضطرّ الرجال للنوم في الخارج. واستخدم أبناء التجمّع السكانيّ الذين يملكون المواشي ما تبقى من الحطام من أجل إقامة حظائر مؤقتة إلى حين العثور على حلّ آخر.

افادت نعمة إدعيس ايضا:

حضر إلينا مسؤولون من السلطة ولكن ها أنت ترى بنفسك، لم يُعطنا أحد شيئًا باستثناء هذه الخيام الصغيرة. إنها بالكاد تكفي لوقاية الأولاد والنساء في الليل من الحشرات والحيوانات الضارّة والأفاعي والقوارض. الخيام صغيرة جدًا ولذا يضطرّ الرجال للنوم خارجها، وكل عائلتين بأطفالهما ونسائهما، تنامان سويّة في خيمة واحدة. كانت لدينا في المنطقة السكنيّة قبل الهدم عدة مراحيض، ولم يكن أحد مضطرًّا لانتظار دوره لدخول الحمام.

قبل أن يهدموا المباني والأكواخ قاموا بقطع كابل الكهرباء وتركونا من دون تيار كهربائيّ. الحياة من دون كهرباء صعبة ومخيفة. كانت لدينا ثلاجات وأجهزة تلفاز وغسّالات، وكنا نرى المكان الذي نسير فيه ليلاً. اليوم ربطنا كابلاً من الجيران، ونحن نشغل به ثلاجة واحدة كي تتوفر لنا المياه الباردة لنشربها. المياه في الحاويات التي خارج الثلاجة حارّة مثل النار. لدينا غسّالة واحدة ومصباح في الليل. الحياة من دون إنارة في الليل ليست سهلة، خصوصًا بعد الهدم، حين لا يدري المرء أين يدعس. أنا لا أنجح بالنوم إلا عندما أكون منهكة تمامًا. أنا أفكر طيلة الوقت. في الأيام الثلاثة الأولى لم يستطع أيّ أحد من الأولاد الاستحمام. هل ترى الحر؟ ماذا فعل الأولاد ليستحقوا عدم قدرتهم على الاستحمام؟ اليوم وأمس فقط قامت النساء بتحميم الأولاد، وشغلنا المغسلة، وكل شيء بالتدريج.

تلقّى التجمّع السكانيّ أوامر بوقف العمل للمرة الأولى قبل نحو أربع سنوات، ومن وقتها وأبناؤها يديرون إجراءات قضائيّة مقابل الإدارة المدنيّة بواسطة المحامي توفيق جبارين. قُدّم الالتماس الأخير بهذا الشأن يوم 26/5/2013، ورُفض يوم 30/4/2014. وقال القضاة في قرارهم إنّ الالتماس رُفض لأنّه شمل ملتمسين مختلفين لهم مسائل مختلفة، ولأنّهم قبلوا موقف الملتمس ضدّهم –اللجنة الفرعيّة لمراقبة البناء في الإدارة المدنيّة، قائد قوات الجيش في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) والمستشار القضائيّ في "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) - القائل بأنّ الطلبات التي قدّمها الملتمسون للحصول على تصاريح بناء لم تكن صحيحة، ولم تشمل مستندات تثبت ارتباطهم بالأرض. وقال قضاة العليا في قرارهم إنهم أخذوا بالحسبان ادّعاء الملتمس ضدّهم بأنّ الحديث "يدور عن التماس كاذب كلّ ما يسعى له هو "المماطلة" فيما تنبني المباني غير القانونية التي يشيّدها الملتمسون"، وقالوا "حقًا لا يجب السماح بوضع غير قانونيّ تحت غطاء المحكمة". وإلى جانب رفض الالتماس فرضت "العليا" على الملتمسين مصاريف المحكمة وأتعاب المحامي بقيمة 15 ألف شيكل.

في صبيحة يوم 21/5/2014، هدمت الإدارة المدنيّة كلّ المباني في المجموعة الجنوبيّة التابعة للتجمّع السكنيّ. في يوم 27/5/2014 التمس المحامي جبارين المحكمة العليا ثانية مطالبًا بالامتناع عن هدم المباني القائمة في المجموعة الشمالية-الغربية ثانية، أو أيّ مبنى سيُقام مجدّدًا في المكان. وفي اليوم نفسه أصدرت العليا أمرًا مؤقتًا يجمّد أوامر الهدم، وأمرت الدولة بتقديم ردّ تمهيديّ حتى يوم 31/7/2014.

خلفيّة

تمكث جماعة إدعيس في الموقع منذ عام 1982. ويعود منشأ أبناء التجمّع السكانيّ إلى منطقة الخليل، وهم يعتاشون على تربية المواشي. بدأوا بالتنقّل في غور الأردن قبل نحو أربعين عامًا، باحثين عن مناطق رعي. ومنذ أن توطّنوا في هذه البقعة فإنهم يسكنونها طيلة أيام السنة.

يصل تعداد أبناء التجمّع السكانيّ إلى 23 عائلة، وإلى جانب العائلات العشر اللاتي تعيش في المجموعة الجنوبيّة، والتي هُدمت كلّ مبانيها، ثمة 13 عائلة أخرى تعيش في المجموعة الشماليّة-الغربيّة وقد أصدرت الإدارة المدنيّة أوامر هدم ضدّ مبانيها أيضًا. ويبلغ عدد أفراد هذه العائلات 75 نسمة، من بينهم 44 طفلا، وهم يعيشون في 15 مبنًى سكنيًا. وتملك العائلات 17 منشأة وحظيرة على الأقل تُستخدم لتربية نحو 3,500 رأس ماشية بملكيّتهم.

أفراد هذا التجمّع السكانيّ غير مرتبطين بشبكة المياه، ولذلك يضطرّون لاستخدام البئر المحليّة ولشراء المياه من قرية الجفتلك المجاورة. ويدرس الأولاد في مدرسة الجفتلك، الواقعة على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من الخيمة وهم يصلون المكان بواسطة نقليّات أو سيرًا على الأقدام.

إنّ محاولات إخلاء سكان التجمّع السكانيّ من منطقة سكنهم تشكّل جزءًا من الجهود التي تبذلها السلطات الإسرائيليّة لطرد آلاف الفلسطينيين من بيوتهم بادعاءات مختلفة، وهم الذين يعيشون في عشرات التجماعات السكانيّة المنتشرة في منطقة C. وباستثناء التجمّع السكانيّ إدعيس، يعيش في غور الأردن نحو 2,700 شخص في نحو عشرين تجمّع سكانيّ تحاول الإدارة المدنيّة منعهم من مواصلة العيش في الموقع، ومن ضمن الوسائل التي تستخدمها الهدم المتكرّر لبيوتهم، وإخلاؤهم لفترات قصيرة لأغراض التدريبات ومصادرة حاويات المياه

تخطط الإدارة المدنيّة لنقل كلّ التجمّعات السكانيّة المنتشرة في منطقة C إلى "مواقع دائمة" تخطط لإقامتها لصالحهم. وتدّعي الإدارة المدنيّة أنّ الغاية من وراء المخطط تحسين مستوى حياة هذه التجمّعات السكانيةّ وتوفير ظروف سكنية ملائمة لهم. لكنّ المخطط الذي جُهّز وَضع من دون أيّ تشاور مع السكان، رغم أنه يفرض تغييرًا كبيرًا جدًا على نهج حياتهم وإمكانية كسب أرزاقهم: فوفق ما نُشر في الإعلام تتطرّق هذه المخططات إلى بلدات مدينيّة فقط ستُصعّب على السكان مواصلة كسب رزقهم من الزراعة والرّعي.

يجب على إسرائيل كقوة احتلال في الضفة الغربيّة، أن تسمح للسكان بمواصلة نهج حيواتهم، ومن ضمن ذلك يجب عليها أن تسمح لهم ببناء بيوتهم بشكل قانونيّ. إنّ طرد السكان من بيوتهم في منطقة محتلة غير مسموح إلا في ظروف استثنائيّة، عندما يكون الأمر ضروريًّا لغرض عسكريّ طارئ أو لغرض الحفاظ على أمن السكان المحليّين. وحتى إذا تحقق ذلك، فيجب على الطرد أن يكون مؤقتًا، ويجب خلاله توفير بديل سكنيّ ملائم، قدر الإمكان. من الواضح أنّ طرد السكان من بيوتهم في هذه الحالة لا يستوفي أيّ شرط من هذه الشروط، وعلى كلّ حال لم تهتمّ أيّ جهة بتوفير حلّ بديل لهم يُمكّنهم من مواصلة نهج حياتهم، وإذا طُردوا فإنهم سيظلون مشرّدين ومن دون إمكانيّة لكسب أرزاقهم. بتسيلم يدعو السلطات المسؤولة للسماح للتجمّع السكانيّ إدعيس بالبقاء في مكان سكنهم ورعي ماشيتهم هناك، كما فعلوا في السنوات الثلاثين الأخيرة.