Skip to main content
معتزّ جعفر حمد بعد إطلاق سراحه. تصوير: اياد حداد ، بتسيلم ، 27.10.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

من يعترف مُدان حتى لو ثبتت براءته

معتزّ جعفر حمد شابّ في الـ25 من عمره من سكّان مخيّم قلنديا للّاجئين. اعتُقل في 5.5.19 في حاجز قلنديا وفي حوزته حقيبة في داخلها زجاجتين حارقتين كان يعتزم قذفهما نحو عناصر قوّات الأمن لكنّه تراجع في اللّحظة الأخيرة وسلّم نفسه. بعد اعتقاله اقتيد للتحقيق واعترف أثناءه بأنّه قذف في الماضي زجاجات حارقة نحو قوّات أمن دخلت المخيّم ورشقهم بالحجارة. عقب ذلك قدّمت النيابة العسكريّة لائحة اتّهام جرّاء مخالفات ارتكبها "قبل اعتقاله بنحو السّنة أو في وقت يقارب ذلك". في كانون الثاني 2020 وبعد مضيّ 8 أشهر على اعتقاله أدانته المحكمة بناءً على صفقة ادّعاء بتهمة قذف زجاجة حارقة وحكمت عليه بالسّجن لمدّة 20 شهراً (14 منها عقاباً على تلك المخالفة وستة أخرى تنفيذاً لعقوبة سجن سابقة) وسجن مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 2,000 شيكل.

إلى هنا - روتين معهود فالمحاكم العسكريّة "تنظر" في آلاف الحالات المشابهة كلّ سنة. لكنّ تطوّراً مفاجئاً جعل هذه الحكاية فريدة من نوعها: عندما وصل ملفّ معتزّ حمد إلى "لجنة الثلث" في سلطة السّجون لاحظت محاميته أسمهان عبد الهادي غرابة في تاريخ المخالفة التي أدين بها في المحكمة وسُجن جرّاءها - أي شهر أيّار 2018 إذ كان معتزّ في ذلك الوقت سجيناً أصلاً! كان يقضي عقوبة جرّاء إدانة سابقة.

قدّمت المحامية طلب إعادة محاكمة لكنّ النيابة في ردّها الذي قدّمته للمحكمة أصرّت على أنّ هذه المعلومات لا تؤدّي بالضرورة إلى إلغاء إدانة معتزّ حمد وأنّ عليه أن يمضي في عقوبة السّجن التي حدّدتها المحكمة. في 15.10.20 عقدت المحكمة جلسة للنظر في طلب إعادة المحاكمة قبلت خلالها النيابة - عقب اقتراح من القاضي - تقصير مدّة عقوبة معتزّ بحيث يُخلى سبيله في اليوم نفسه، ومع قبولها أوضحت النيابة أنّها تقبل بذلك لا موافقة على طلب الدّفاع وإنّما بسبب تبيُّن "إخفاقات عدّة" في الإجراءات.

يشكّل هذا التطوّر غير العاديّ في قضيّة معتزّ حمد فرصة لفحص طرق عمل النيابة والاعتبارات التي توجهها، لكنّه يؤكّد أساساً أنّ النيابة أو القضاة لا يعنيهم بتاتاً السّؤال هل ارتكب أم لم يرتكب متّهم فلسطينيّ المخالفة المنسوبة إليه في لائحة الاتهام - هو في نظرهم مُدان حتى لو ثبت العكس.

من الاعتقال إلى الإدانة

جرى التحقيق مع معتزّ حمد مرّتين بعد اعتقاله. جرى التحقيق الأوّل في 6.5.19 حيث شرح كيف حصل على الزجاجات الحارقة وكيف تراجع وقرّر ألّا يقذفهما. أثناء التحقيق سأله المحقّق "كم مرّة سبق أن قمت بإعداد زجاجات حارقة؟" فأجابه حمد أنّ هذا الأمر "حدث مرّة واحدة في المخيّم، كانت مواجهات، وهذا كلّ شيء". وعلى سؤال المحقّق متى وقعت الحادثة أجاب: "قبل سنة، لا أذكر في أيّ تاريخ" وردّاً على السّؤال نحو من قذف الزجاجات أجاب: "كانت مواجهات وكان الجيش في داخل [المخيّم]". قال إنّه لا يذكر كم زجاجة قذف ربّما واحدة وربّما اثنتين وأنّهما أصابتا الأرض.

بعد مضيّ يومين خضع معتزّ حمد لتحقيق آخر وقد تمحور التحقيق في هذه المرّة حول قذف الزجاجات الحارقة التي تحدّث عنها في التحقيق السّابق. قال معتزّ للمحقّق إنّ هذا الأمر كما يذكر قد حدث عندما جاء الجيش إلى المخيّم لكي يعتقل فلاناً - (يذكر الاسم) فقام هو وأشخاص آخرون من سكّان المخيّم برشق الحجارة نحو الجنود. فحص المحقّق في النظام المحوسب اسم الشخص الذي ذكره معتزّ وفي نهاية التحقيق ذكر في الملفّ أنّ هذا الشخص اعتُقل في 30.10.17 - أي قبل إجراء هذا التحقيق بسنة ونصف السّنة.

على أساس هذه المعلومات قدّمت النيابة العسكريّة في 20.5.19 لائحة اتّهام ضدّ معتزّ حمد تضمّنت تُهمتين هُما "قذف غرض حارق" و-"قذف أشياء نحو شخص أو ممتلكات" ارتكبهما "قبل اعتقاله بنحو السّنة أو في وقت يقارب ذلك". بعد تقديم لائحة الاتّهام جرى تمديد اعتقاله حتى انتهاء الإجراءات - كالمعتاد في المحاكم العسكريّة.

في 8.1.20 وبعد أن أمضى معتزّ حمد في السّجن ثمانية أشهر طُرحت أمام المحكمة صّفقة الادعاء والتي اتفق عليها الطرفان ووفقاً لها شُطبت من لائحة الاتّهام تهمة رشق الحجارة. وكالمتّبع دائماً استعرض ممثّل النيابة تفاصيل الصّفقة أمام المحكمة ثمّ أوضحت القاضية الرّائد ميراف هركوفيتش - يتسحاقي، للطرفين أنّها غير ملزَمة بالتسوية التي توصّلا إليها. قرأت القاضية على الأسماع لائحة الاتّهام المعدّلة وأوضح محامي الدّفاع أنّ معتزّ حمد يفهم ما قيل ويعترف بالتّهمة ثمّ أعلنت القاضية أنّها تدينه بناءً على اعترافه.

في قرار الحُكم كتبت القاضية أنّه "حوالي أيّار 2018" قذف معتزّ حمد زجاجة حارقة نحو عناصر قوّات الأمن وتبعاً للتفاهُم المسبق بين الطرفين حكمت على المتّهم بالسّجن الفعليّ لمدّة 14 شهراً جرّاء هذه التهمة. إضافة إلى ذلك قامت بتفعيل حُكم سابق بالسّجن مع وقف التنفيذ لمدّة سنة وقرّرت أنّ المتّهم سيمضي ستّة أشهر منها تراكميّاً (أي أنّها تُضاف إلى عقوبة السّجن الجديدة) وستّة أخرى تطابُقيّة (تُدمج في عقوبة السّجن الجديدة)، وبالمُجمل حُكم على معتزّ حمد بالسّجن الفعليّ لمدّة عشرين شهراً. إضافة إلى ذلك حُكم عليه بالسّجن 12 شهراً مع وقف التنفيذ لمدّة خمس سنوات وبدفع غرامة ماليّة بقيمة 2,000 شيكل أو استبدالها بالسّجن لمدّة شهر. بذلك انتهت الإجراءات.

 

طلب إعادة المحاكمة وردّ النيابة

لاحقاً تبيّن أنّه في أيّار 2018 الشهر الذي يُفترض أنّ المخالفة التي أدين معتزّ جرّاءها قد وقعت فيه كان معتزّ يقضي عقوبة سجن جرّاء مخالفة أخرى. بالنظر إلى قائمة الإدانات والعقوبات بحقّه - والتي تظهر في ملفّ التحقيق وكانت بيّنة أمام النيابة والقاضية - كان معتزّ سجيناً منذ 17.12.17 إلى 10.8.18 ثمّ مجدّداً من 27.9.18 إلى 12.11.18.

قدّمت المحامية أسمهان عبد الهادي إلى المحكمة العسكريّة طلب إعادة محاكمة بموجب البند 157 لأمر تعليمات الأمن حيث ظهرت أدلّة مهمّة من شأنها أن "تغيّر نتيجة المحاكمة لصالح المحكوم عليه" وحيث يُخشى أنّه قد "حصل إخفاق قضائيّ" حيث الأدلّة الموجودة في الملف لا تكفي لإسناد وإثبات إدانة. رغم هذا الاكتشاف المُحرج ارتأت النيابة أن لا تتراجع عن لائحة الاتّهام وعوضاً عن ذلك قدّمت للمحكمة ردّاً مطوّلاً ومفصّلاً تصرّ فيه على أنّ طلب إعادة المحاكمة باطل ويجب رفضه قطعاً لأسباب إجرائيّة أساساً، إذ ترى النيابة أنّه كان ينبغي تقديم استئناف لا طلب إعادة محاكمة وأنّه قد حدث "تباطُؤ" في تقديم الطلب.

ورغم اعتقاد النيابة أنّ هذه الأسباب الإجرائيّة كافية لرفض طلب إعادة المحاكمة إلّا أنّها تطرّقت إلى صُلب الموضوع أيضاً. ومن هذه الناحية ترى النيابة أنّه كان يكفي لإدانة معتزّ حمد اعترافُه بارتكاب المخالفة المنسوبة إليه في لائحة الاتّهام. أمّا حقيقة أنّه كان يمضي عقوبة سجن في التاريخ المشار إليه في قرار الحُكم على أنّه وقت ارتكاب المخالفة فليس لها - في هذه المرحلة -أيّ معنى. ترى النيابة أنّ "الإدانة نتاج اعترافه أمام المحكمة بما يُنسَب إليه. هذا الاعتراف قام به المتقدّم [بطلب إعادة المحاكمة] بإرادته الحرّة حين كان ممثّلاً في الإجراء [القضائيّ]". وتتابع النيابة في ردّها: نعم قد تكون هناك حالات - استثنائيّة جدّاً - يتراجع فيها شخص عن اعترافه لكنّ هذه الحالة ليست واحدة منها إذ "لم يعرض [مقدّم الطلب] أيّ دليل على خلل شاب اعترافه" كأن يثبت أنّه انتُزع منه رغم إرادته أو أنّه أدلى به في ظرف مخالف للقانون أو أنّ تمثيله شابه خلل". وتؤكّد النيابة: على أيّ حال اتّضاح وجود معتزّ حمد في السّجن في أيّار 2018 لا يعني تبرئته فليس ثمّة أدلّة جديدة (لأنّ مكوثه في السّجن في أيّار 2018 كان معلوماً له طوال الوقت) والأهمّ من ذلك أنّ هذا ليس دليلاً ذا "كتلة حَرجة" وبالتالي فليس ثمّة "أدلّة أو حقائق من شأنها أن ترجّح كفّة الميزان" كأن تكون ذات "وزن نوعيّ من شأنه أن يغيّر نتائج المحاكمة لصالح المحكوم عليه" - وهي الشروط المحدّدة قضائيّاً (في قرارات المحاكم) لقبول طلب إعادة محاكمة.

سبب استخفاف النيابة الرئيسي بهذه الحقيقة هو أنّها أساساً لا تصرّ على أنّ معتزّ حمد قد ارتكب المخالفة المنسوبة إليه في الموعد المشار إليه في لائحة الاتّهام والذي يؤكّد عليه قرار الحُكم. تقول النيابة في ردّها: "رغم أنّ شهر أيّار 2018 هو الوقت المحتمَل لكنّه ليس الوقت الوحيد" ومن الواضح أنّه "لا يمكن قبول نظريّة تقول إنّ وقت ارتكاب المخالفة كان ممكناً تحديدًا خلال شهر أيّار 2018 وفقط خلاله". وتدّعي النيابة: "هناك أوقات كثيرة خلال هذه السّنة لم يكن خلالها في السّجن بحيث أمكنه أن يرتكب أثناءها المخالفة".

يكاد المرء يحسب النيابة في ردّها تتذمّر من أنّ معتزّ حمد لم يذكر معلومات دقيقة عن وقت ارتكابه المخالفة التي نُسبت إليه، إذ نراها تشير إلى خضوعه مرّتين للتحقيق ورغم ذلك "لم يُدلِ في التحقيقين برواية يمكن أن يُستخلص منها متى بالضّبط ارتكب المخالفة" وإنّما أدلى "بإطار زمنيّ على وجه التقدير فقط"؛ كما تشير النيابة إلى أنّه قال في التحقيق الأوّل إنّ الحادثة كانت "قبل سنة، لا أذكر في أيّ تاريخ"، وقال في التحقيق الثاني إنّها وقعت أثناء عمليّة اعتقال شخص من سكّان المخيّم بينما أظهر الفحص أنّ هذا الشخص اعتُقل قبل نحو سنة ونصف السّنة من اعتقال معتزّ حمد. وعليه تؤكّد النيابة أنّ هذه المعلومات المتناقضة تدلّ بالضّبط على "أنّ لدى مقدّم الطلب إرباك يخصّ فقط وقت حدوث الشغب لا حدوثه وقذف الزجاجة الحارقة".

عقدت محكمة الاستئناف العسكريّة جلسة في 15.10.20 بحضور رئيس المحكمة القاضي العقيد نتانئيل بنيشو توصّل الطرفان خلالها إلى تفاهُم يتمّ بموجبه الإفراج عن معتزّ حمد - ولكن دون تبرئته، وكلّ هذا في إطار مسرحيّة يتّفق الطرفان فيها أنّه قد تمّ تقديم طلب لتمديد مُهلة الاستئناف وأن تتمّ الموافقة على الطلب وأن تقبل المحكمة في جلسة النظر في الاستئناف تخفيف العقوبة بحيث تنتهي مدّة سجن معتزّ حمد بالضّبط في يوم الجلسة. وقد أكّد ممثّل النيابة أنّ "اتّفاقنا لا ينجم عن قبول حجج الدّفاع بخصوص إعادة المحاكمة وإنّما عن عدّة إخفاقات حدثت خلال إجراءات التحقيق والمحاكمة".

تبعاً لهذا التّفاهُم قرّر القاضي العقيد بنشو ما يلي:

بعد أن استمعتُ إلى الحجج التي قدّمها الطرفان وعلى ضوء انطباع لديّ بأنّ التّفاهُم والموافقة عليه يخدمان على النحو الأمثل تحقيق العدالة ومصلحة مقدّم الاستئناف، وبالنظر إلى الإخفاقات التي حدثت خلال التحقيق والمحاكمة فإنّني أوافق على طلب تمديد مُهلة الاستئناف. وكذلك أقبل تفاهُم الطرفين بخصوص الاستئناف أي بدلاً من مجمل مدّة السّجن التي حُكم بها على المستأنف أن يمضي في السّجن مدّة تساوي الفترة التي أمضاها منذ يوم اعتقاله، أي سنة وخمسة أشهر وأحد عشرة يوماً… إضافة إلى ذلك على المستأنف أن يدفع غرامة قدرها 1,000 شيكل.

إنّه الرّوتين المعتاد

قضيّة معتزّ حمد فريدة من نوعها فقط لناحية أنّه يتبدّى من خلالها على نحوٍ صارخ الأداء الرّوتينيّ لجهاز المحاكم العسكريّة: ضحالة الموادّ التي تستند إليها النيابة والدّور شبه الهامشيّ الذي يقوم به القضاة والأهمّ: تنحية الحقيقة جانباً خلال سير إجراءات المحاكمة واستغناء النيابة والقضاة عن أيّة أدلّة لدى إدانة المتّهم.

في قضيّة معتزّ حمد لم يكن للنيابة أيّة معلومة مستقلّة عن ارتكاب مخالفة أصلاً. كلّ ما كان لديها بضعة جُمل متفرّقة - ومتناقضة - أدلى بها خلال جلستي تحقيق منفصلتين. لم تبذل النيابة أيّ جهد للحصول على معلومات إضافيّة - من قَبيل توثيق للحادثة على يد قوّات الأمن أو حتى تقاطُع أوقات سجنه مع أوقات ترى من المحتمل أن تكون المخالفة ارتُكبت خلالها. تحدث الأمور على هذا النحو لأنّ النيابة لا ترى أنّ هناك حاجة للحصول على أدلّة تثبت تورّط المتّهم بارتكاب المخالفة فهذا في نظرها مُثبت بدليل اعترافه. بعد الاعتراف تصبح المسألة مجرّد إجراءات: تقديم لائحة اتّهام وتقديم طلب اعتقال إلى حين انتهاء الإجراءات وصياغة تفاصيل صفقة الادّعاء.

أيضاً في المحاكم داخل إسرائيل يقيم القضاة وزناً كبيراً للاعتراف بالتهمة ومن بين أسباب ذلك الفرضيّة القائلة بأنّ الإنسان لا يحمّل نفسه وزر جناية لم يرتكبها. غير أنّ هذه الفرضيّة نالت انتقادات ثاقبة في قرارات المحاكم وفي الأدبيّات القانونيّة. على سبيل المثال في كانون الأوّل 1994 نُشرت توصيات لجنة جولدبرغ بخصوص إدانة شخص فقط على أساس اعترافه؛ ومن بين ما قرّرته اللّجنة أنّ "اعتبار اعتراف المتّهم في التحقيق معه ‘سيّد الأدلّة’ ينبغي قبوله بتحفّظ معيّن، والفرضيّة القائلة أنّه لا أحد يجرّم نفسه بمعنى أنّه لا أحد يحمّل نفسه وزر ذنب لم يرتكبه، لا يمكن قبولها كفرضيّة قانونيّة". بالنظر إلى ذلك تقرّر، قولاً على الأقلّ، أنّ وزن الاعتراف كوزن أيّ دليل آخر - أيضاً حين يُدلى به ضمن ملابسات قانونيّة - ولا يمكن إدانة متّهم على أساسه إلّا بوجود "شيء ما إضافيّ".

الاستناد إلى اعتراف معتزّ حمد في الحالة التي أمامنا يذهب حتى أبعد من المعتاد نظراً إلى أنّه قد عُرضت أمام النيابة حقائق تثبت أنّه ما كان يمكنه ارتكاب المخالفة في الوقت المشار إليه في لائحة الاتّهام وفي قرار الحُكم. لكنّها لم تسمح للحقائق أن تُربكها وواصلت التذرّع باعتراف معتزّ حمد، وفي خضمّ ذلك لم تتورّع حتى عن الادّعاء أنّ القاضية أخطأت في التاريخ الذي أشارت إليه في قرار الحُكم - ولم تكلّف النيابة نفسها عناء الاعتراض على ذلك. بل لقد ذهبت النيابة إلى حدّ الاعتراف - الخافت - بأنّه ربّما كان عليها أن تصيغ لائحة الاتّهام بشكل آخر وربّما حتى أن تقوم بإجراء تحقيقات إضافيّة؛ وأكّدت أنّ عدم قيامها بهذه الأمور لا يعني الإضعاف من اعتراف معتزّ حمد. بل إنّ النيابة لكي تبرّر الصّيغة التي رست عليها في لائحة الاتّهام تمادت إلى درجة الادّعاء أنّ دلالات كلمة "يقارب" واسعة بحيث يمكن القول إنّها تشمل شهوراً قبل أو بعد موعد معيّن وهذا يعني عمليّاً نطاقاً زمنيّاً غير محدّد يُفرغ الكلمة من أيّ معنى أو مضمون.

السّؤال متى ارتكب معتزّ حمد المخالفة وهل ارتكبها أصلاً - رغم أنّ الإجابة عليه من أهمّ ركائز الاتّهام - لا يُزعج بال النيابة فهي تعتبره تفصيلاً هامشيّاً. من ناحية النيابة اعتراف معتزّ حمد مهما كان باطلاً هو الدليل الوحيد المطلوب لأجل إثبات التّهمة - وهي عمليّاً لا ترى كيف يمكن أصلاً التصدّي له بل ولا يرمش لها جفن حتى أمام دليل قاطع على استحالة قيامه بما تزعمه لائحة الاتّهام.

أحداث هذه القضيّة لا تعني أنّنا أمام حالة شاذّة أو فريدة من نوعها بل على العكس: إنّها تؤكّد ما يحدث في آلاف الملفّات الأخرى كلّ سنة. هذه القضيّة تُظهر كيف يمكن الحُكم على شخص بالسّجن حتى في غياب أيّ دليل يُثبت تُهمته: في معظم الحالات يقرّر القضاة تبعاً لطلب النيابة تمديد الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات وتقريباً دون النظر في الأدلّة المتوفّرة. في أعقاب ذلك يضطرّ المتّهمون الفلسطينيّون إلى إدارة إجراءات محاكمتهم من وراء القضبان ممّا يدفع بمعظمهم إلى التوقيع على صفقة مع النيابة. من هنا يندر أن تجري في جهاز القضاء العسكريّ جلسات تقديم إثباتات. ثمّ إنّ المتّهمين يعلمون تمام العلم أنّهم إذا اختاروا أن يُحاكَموا ضمن جلسات إثبات (أدلّة) - حتى لو تمّت في نهايتها تبرئتهم، وهو أمر نادراً ما يحدث في هذا الجهاز، فسوف يقبعون وراء القضبان طوال فترة إجراءات المحاكمة وربّما تفوق هذه الفترة المدّة التي قد يتّفق عليها الدّفاع مع النيابة في إطار صفقة ادّعاء.

ما هو احتمال أن يحظى معتزّ حمد بمحاكمة عادلة في جهاز كهذا؟ قد يبدو للناظر من بعيد أنّ المُحاكمات فيه تجري كما في أيّة محكمة أخرى لكنّ المحاكم العسكريّة في الواقع من أشدّ أذرع الاحتلال ضراوة وتلعب دوراً كبيراً في تمكينه من السيطرة على الفلسطينيّين. إدانة معتزّ حمد زوراً وبُهتاناً وأداء النيابة العسكريّة والقضاة في جهاز المحاكم العسكريّة - كلّها تكشف إلى أيّ حدّ تفقد الحقائق معناها في هذا الجهاز وكم التعسّف الذي قد يتضمّنه قرار سجن أيّ فلسطينيّ على يد سلطات الاحتلال: الاتّهام والإدانة والسّجن أمور لا علاقة لها بتاتاً بالسّؤال هل ارتكب هذا الفلسطينيّ مخالفة/جناية وهل ثبتت أمام المحكمة أنّه ارتكبها. هي أمور تتعلّق فقط بالسّؤال هل قرّرت إسرائيل أن تسجن هذا الفلسطينيّ.

كلمات مفتاحية

المكان