Skip to main content
البؤرة الاستيطانية بالقرب من خربة تل الحمة. تصوير: سريت ميخائيلي، بتسيلم
Menu
المواضيع

مُجريات السّلب، نسخة الأغوار الشماليّة: بؤر الاستيطان الجديدة كجزء من عمليّة الاستيلاء على الأراضي

في نهاية عام 2016 أقيمت بؤرتا استيطان جديدتان في الأغوار الشمالية. التقنيّة المستخدمة في الحالة أمامنا تشمل خطوات مشابهة طبّقتها إسرائيل في عمليّات سلب ونهب سابقة في أنحاء الضفّة: تُبنى البؤر الاستيطانية نفسها على مساحة لا تتجاوز عشرات الدونمات لكنّ وقْعها أبعد بكثير من ذلك بحيث تمهّد الأرضيّة لاستيلاء إسرائيل على آلاف الدونمات. السياسة التي تتّبعها إسرائيل في هذه المنطقة منذ سنين طويلة وتسعى من خلالها إلى تهجير التجمّعات الفلسطينية عن المنطقة، تطبّق بالجمع بين الأوامر العسكريّة والوسائل الإداريّة والتنظيميّة والعمليات العسكرية. تستخدم الدولة المستوطنين في البؤر الاستيطانية الجديدة كذراع طويلة للدولة: من خلال استغلالهم لمكانتهم كمواطنين إسرائيليين في منطقة تحتلّها إسرائيل يهاجم المستوطنون الرّعاة الفلسطينيين ويمنعونهم من الوصول إلى الأراضي التي تشكّل مصدرًا أساسيّا لمعيشة هذه التجمّعات منذ عشرات السنين.

البؤرة الاستيطانية الجديدة الأولى من بين الاثنتين أقيمت في الأغوار الشمالية في أيلول 2016. في البداية أقيمت على قسيمة أرض بمُلكية فلسطينية خاصّة تبعد بضع مئات من الأمتار عن بؤرة "جڤعات سلعيت" التي أقيمت عام 2001 وبؤرة "محولا" التي أقيمت عام 1968. في كانون الثاني 2017 أي بعد مضيّ بضعة أشهر نقل المستوطنون أبنية البؤرة إلى رأس تلّة مجاورة للقسيمة مسجّلة في الطابو مُلكيّة دولة منذ ما قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية. تستولي إسرائيل على الأراضي المصنّفة كـ"أراضي دولة" والمعدّة بوصفها كذلك لخدمة السكّان المحلّيين- لتكرّسها لاحتياجاتها حصرًا. نقل البؤرة الاستيطانية إلى قسيمة مصنّفة ضمن "أرضي الدولة" هو علامة على أنّ هذه الخطوة جرت بتنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

Thumbnail

ارطة المنطقة. لتكبير الخارطة انقروا هنا.

تمتدّ مساحة البؤرة اليوم على نحو 50 دونمًا أقيمت عليها بركسات للسكن وبضعة خيام وحظيرة للأغنام والأبقار وصهريج ماء كبير. يقدّر ناشطون إسرائيليون أنّه يسكن اليوم في البؤرة نحو عشرة شبان. من موقعها على رأس التلّة تشرف البؤرة على وادي خلّة حمد الذي يقع فيه أحد المضارب التي تشكّل تجمّع الرّعاة القديم خربة تلّ الحِمّة والذي يضمّ قرابة مائتي نسمة. تحيط بالبؤرة آلاف الدونمات من المراعي التابعة لهذا التجمّع، لتجمّع الفارسيّة الذي يعدّ نحو 300 نسمة في الشتاء و-100 نسمة في الصيف ولقرية كردلة التي تعدّ نحو 450 نسمة.

البؤرة الثانية أقيمت بعد الأولى بشهرين تقريبًا في تشرين الثاني 2016، على بُعد ثمانية كم إلى الجنوب من الأولى وقرابة 300 متر فقط من معسكر "مجمات نيتسَح يهودا". في بداية كانون الثاني 2017 جلب مستوطنو البؤرة إلى المكان قطيعًا يضمّ بضعة عشرات من الأبقار وبنوا حظيرة ومبانيَ زراعية. في نيسان 2017 وثّقت ناشطات "محسوم واتش" (لا للحواجز) أنبوب مياه يصل من المعسكر إلى البؤرة. الكشف عن تزويد الدولة لبؤرة استيطانية بالمياه تعرّفها الدولة نفسها أنّها غير قانونية، يبدو أنّه هو الذي أدّى إلى إبعاد البؤرة في أيار 2017 إلى مكان يدعى خربة السويدة على بُعد نحو أربع كم من المعسكر - إلى أرض كان الجيش قد أعلنها "منطقة إطلاق نار" وفي هذه المرّة أيضًا إلى قسيمة مسجّلة في الطابو بمُلكيّة دولة منذ ما قبل الاحتلال.

Thumbnail
البؤرة الاستيطانية بالقرب من خربة تل الحمة. تصوير: سريت ميخائيلي، بتسيلم

تمتدّ البؤرة اليوم على نحو 40 دونمًا وفيها خيام وعرائش ومنشآت زراعية وحظيرة أبقار وألواح شمسيّة وصهريج مياه كبير وتراكتور. وفقًا لتقديرات ناشطين إسرائيليين يستوطن هذه البؤرة نحو عشرة شبان. وهذه البؤرة أيضًا تحيطها آلاف الدونمات من المراعي التابعة لثلاث تجمّعات فلسطينية قديمة: خربة سمرة التي تعدّ نحو 40 نسمة في الشتاء وتبقى خالية طيلة ثلاثة أشهر في الصيف وخلّة مكحول التي تعدّ نحو 40 نسمة وعين الحلوة التي تعدّ نحو 55 نسمة.

تأثير البؤر الاستيطانية يتجاوز بكثير مساحة البناء فيها: المستوطنون هناك يبذلون جهودًا كبيرة في منع وصول الرّعاة الفلسطينيين إلى أراضيهم. لأجل ذلك يخرج أولئك في دوريّات ترهيب وهم يعتلون الخيول والتراكتورات الصغيرة مسلّحين بالعصيّ والبنادق ليطردوا رعاة الأغنام الفلسطينيين. لقد وثّقت بتسيلم مستوطنين يندفعون مقتحمين قطعان الأغنام لأجل تشتيتها ويدهسون المواشي ويرشقونها بالحجارة ويعتدون جسديًّا على الرّعاة أنفسهم أو يهدّدونهم.

حين ينجح المستوطنون في إبعاد الرّعاة الفلسطينيين عن المراعي الفلسطينيّة يأخذون في جلب قطعان الأغنام والبقر خاصّتهم لترعى هناك. بذلك هم يستغلّون المراعي لاحتياجاتهم هم ويمسّون بقدرة القطعان الفلسطينية على الرّعي.

إزاء هذا العُنف الذي بات روتينًا يوميًّا يسود حياتهم تقدّم سكّان التجمّعات بشكاوى للجيش والشرطة غير أنّ جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي يواصل باستمرار الامتناع عن اتّخاذ أيّة إجراءات ضدّ المستوطنين. يقول السكّان الفلسطينيون أنّه حتى بوجود الجنود في المنطقة أثناء الاعتداءات يقف هؤلاء ضدّهم في صفّ المستوطنين.

إقامة البؤر الاستيطانية والعنف الذي يمارسه المستوطنون ضدّ السكّان الفلسطينيين كلاهما يجري برعاية الدولة فهو لا يأتي من فراغ. هذه البؤر جزءٌ لا يتجزّأ من سياسة تتّبعها إسرائيل في الأغوار منذ العام 1967 مستخدمة العديد من الوسائل - الرسميّة وغير الرسميّة - بهدف تقليص الوجود الفلسطيني في الأغوار وتعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة. بذلك تمنع إسرائيل الفلسطينيين من استخدام نحو 85% من مساحة الأغوار وشمال البحر الميت وتستغلّ هذه المساحة لاحتياجاتها هي. إنّها تمنعهم من المكوث في تلك الأراضي والبناء فيها ورعي أغنامهم وفلاحة أراضيهم الزراعية. تستند إسرائيل في ممارساتها هذه إلى ذرائع قانونية مختلفة: أعلنت إسرائيل منذ العام 1967 بعد أشهر قليلة من بدء الاحتلال جميع الأراضي التي كانت مسجّلة أراضي دولة في العهد الأردني (وتشكّل نسبة 53% من مجمل مساحة منطقة الأغوار وشمال البحر الميت) كـ"مساحات مغلقة". إضافة إلى هذا التصنيف أعلن الجيش في نهاية الستينيّات وبداية السبعينيّات 45.7% من أراضي الغور كـ"مناطق إطلاق نار" ومنع الفلسطينيين من دخولها أو المكوث فيها. كذلك أعلنت إسرائيل نحو 20% من أراضي الغور كـ"محميّات طبيعيّة" و"حدائق وطنيّة" وخصّصت أراضٍ أخرى للمستوطنات التي أقيمت في الأغوار بعد الاحتلال بوقت قصير (بعض هذه الأراضي يقع تحت أكثر من تصنيف واحد من التصنيفات أعلاه).

فوق هذا كلّه هنالك المنع الشامل الذي تفرضه الدولة على بناء المنازل أو المباني العامّة في هذه التجمّعات الفلسطينية وبالتالي رفض إصدار تراخيص البناء ورفض ربط التجمّعات بمرافق أساسيّة مثل شبكة المياه والكهرباء؛ والامتناع عن شقّ شوارع تؤدّي إليها. وعندما يجد السكّان أنّه لا خيار لديهم سوى البناء دون ترخيص تصدر الإدارة المدنيّة أوامر الهدم. وسواء جرى تنفيذ تلك الأوامر أم لا يحوم في الواقع شبح الهدم فوق السكّان وهم يعيشون تحت التهديد المستمرّ بتنفيذ الأمر وهدم منازلهم ومرافقهم في كلّ لحظة. في بعض التجمّعات هدمت الإدارة المدنيّة منازل السكّان أنفسهم أكثر من مرّة.

منذ عام 2006 وحتى 30.11.2017 هدم الجيش 205 مبانٍ في التجمّعات الفلسطينية التي أقيمت في جوارها بؤر استيطانية جديدة: في تجمّع خلّة مكحول هدم الجيش 25 مبنًى سكنيًّا و-37 مبنىً آخر. في تجمّع خربة سمرة هدم الجيش 4 مبانٍ سكنيّة و-6 مبانٍ أخرى. في تجمّع عين الحلوة هدم الجيش 15 مبنىً سكنيًّا وسبعة مبانٍ أخرى. في تجمّع خربة تلّ الحِمّة هدم الجيش 17 مبنىً سكنيًّا و-12 مبنىً آخر. في تجمّع الفارسيّة هدم الجيش 61 مبنًى سكنيًّا و-21 مبنًى آخر. بالمجمل بلغ عدد السكّان الذين فقدوا منزلهم في الفترة المذكورة 391 شخصًا ومن بينهم 157 ولدًا وفتًى.

هذا الواقع الذي لا يطاق والذي يبعث اليأس في النفوس تفرضه إسرائيل على سكّان هذه التجمّعات بهدف دفعهم إلى الرّحيل عن منازلهم - كأنّما بمحض إرادتهم. إنشاء هذا الواقع يماثل في جوهره عمليّة تهجير سكّان منطقة محتلّة عن منازلهم وأراضيهم أي النقل القسريّ لسكّان محميّين وهو ما يصنّف كجريمة حرب. جميع المتورّطين في ارتكاب هذه الجريمة يتحمّلون عواقب ذلك شخصيًّا - وبضمنهم رئيس الحكومة ووزير الأمن والقضاة الذين يصادقون على خطوات مآلها التهجير وقائد المنطقة الذي يوقّع على الأوامر.

إقامة البؤرتين الاستيطانيّتين الجديدتين تعزّز مساعي الدولة لتحقيق غايتها الأساسية في الضفة الغربية: سلب السكّان الفلسطينيين أراضيهم ومنازلهم والسيطرة على ممتلكاتهم. كلّ قيد من القيود التي فرضتها الدولة على السكّان الفلسطينيين مكّن المستوطنين من غزو أراضيهم وإقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية والاستيلاء على مساحات شاسعة حولها. صحيح أنّ الدولة تصرّح أنّ وجود البؤر الاستيطانية في المنطقة "غير قانوني" وأنّ الأمر أتى "بمبادرة خاصّة" من المستوطنين؛ لكنّ امتناعها عن اتّخاذ أيّة إجراءات تغيّر هذا الواقع يُظهر كم أنّ تصريحاتها تلك هي كلام فارغ. رفْض الدولة إخلاء هذه البؤر ومستوطنيها ورفضها منع الهجمات والاعتداءات التي أصبحت روتينًا جاريًا وعدم محاكمة المجرمين - يدلّ على أنّ الدولة تستخدم سلوك المستوطنين الإجراميّ لأجل تثبيت سيطرتها على المنطقة وتتنصّل منه رسميًا ببعض تصريحات خاوية لرفع العتَب. هذه الممارسات تكمّل عمليّة النهب والسلب الرسمية التي تقوم بها إسرائيل في هذه المنطقة (مثلما في مناطق أخرى من الضفة الغربية) وتلعب دورًا مركزيًّا في تطبيق سياسة دولة إسرائيل.

 

عبد ضراغمة (80 عامًا) راعي أغنام من سكّان خربة سمرة ومتزوّج وأب لتسعة، قال في إفادة أدلى بها يوم 20.12.2017 أمام الباحث الميداني لبتسيلم عارف ضراغمة:

أنا أعمل في تربية المواشي. إنّها مهنة نتوارثها في عائلتنا من جيل إلى جيل. نحن نعتاش ونربّي أولادنا من ذلك. توفّيت زوجتي الأولى قبل بضعة سنوات وجميع أولادي قد تزوّجوا وغادروا للبحث عن رزقهم في أماكن أخرى. عند ذلك تزوّجت ثانية. أردت أن أستمرّ في حياتي.

قبل الاحتلال كنا نتنقّل في أراضينا: في خربة سمرة وخربة السويدة وخربة المزوقح. كانت حياتنا ممتازة - لا احتلال ولا معسكرات جيش ولا مستوطنين. كانت أغنامنا تتحرّك بحرّية في المراعي وكانت لنا أراضٍ واسعة فسيحة. كان رزقنا جيدّا وكنّا مرتاحين في حياتنا. طيلة عشرات السنين سكنت في خربة السويدة مع أسَر أخرى من عائلتنا الموسّعة.

بعد حرب 1967 انقلبت حياتنا إلى جحيم. جاء الجيش وطردنا من منطقة خربة السويدة. اعتدوا علينا جسديًّا وصادروا مواشينا وقتلوا الكثير من الأغنام. هربنا وتركنا كلّ شيء وراءنا فقط لكي نحافظ على حياتنا وحياة أولادنا. منذ ذلك الحين والمصائب تلاحقينا واحدة تلو أخرى ولم نعد إلى حياتنا الطبيعية. لقد سلبنا الاحتلال رزقنا وكلّ ما كان يجلب لنا السعادة. أصبحت حياتنا صعبة جدًّا.

بعد أن هربنا من خربة السويدة ومن خربة المزوقح انتقلنا للسكن في خربة سمرة. في البداية كانت تسكن هنا معنا عشرات الأسَر، أمّا اليوم فلم يبق سوى نحن وأسَر معدودة، لأنّ الحياة هنا أصبحت جحيمًا. قبل بضعة سنوات جاءت إلى هنا جرّافات وهدمت خيامي وخيام أولادي وخيام الجيران. قالوا لنا إنّ سبب ذلك أنّنا لا نملك تصاريح بناء لتلك الخيام. ولكنّهم في الوقت نفسه يبنون بيوتًا في المستوطنات.

وهكذا ظلّت حياتنا تتدهور وساءت الأحوال بشكل خاصّ في السنة الأخيرة. فجأة جاء مستوطنون وأقاموا خيامًا على رأس تلّة خربة المزوقح. نحن نملك في تلك المنطقة أراضٍ طردتنا منها "سلطة حماية الطبيعة" بادّعاء أنّه ممنوع الرّعي فيها. اليوم يرعى المستوطنون أبقارهم في تلك الأراضي نفسها في الوقت الذي لا يُسمح لنا بجلب مواشينا إلى تلك المراعي. نحن نخافهم لأنّهم مسلّحون والجيش يقف إلى جانبهم ضدّنا. الجيش يطردنا من المنطقة بحجّة أنّها منطقة عسكرية ولكنّ الأوامر العسكرية التي تسري علينا لا تسري على المستوطنين.

قبل نصف سنة انتقل المستوطنون من خربة المزوقح إلى خربة السويدة وأقاموا هناك خيامًا لهم. بالنسبة إلينا كانت هذه كارثة. السويدة هي أراض أجدادي ومساحتها تمتدّ على آلاف الدونمات. الآن أغلقها المستوطنون ونحن لا قدرة لنا ولا قوّة لتغيير الوضع. جلب المستوطنون أبقارًا وأغنامًا وهي ترعى في مراعينا أمام أعيننا في الوقت الذي نُمنع فيه من دخولها والسكن فيها.

يتجوّل المستوطنون طيلة الوقت في المراعي ترافقهم كلاب شرسة. هم يهدّدون بأنهم سيقتلون أولادي وأسرتي ويهدّدون الرّعاة الآخرين بالقتل - إذا دخلنا إلى تلك المراعي. عدّة مرّات توجّهنا إلى الجيش بالشكاوى ولكن الجيش يقف إلى جانب المستوطنين. إنّه يقيّد رعاة الأغنام ويجبرهم على العيش في مناطق بعيدة. حياتنا أصبحت علقمًا وفوق ذلك بدأت تتراكم علينا الديون. كانت المراعي تزوّد الأغنام بطعامها وكذلك كنّا نجمع لطعامنا الأعشاب الصالحة للأكل. ولكن اليوم أصبحت حركتنا محصورة في مساحة ضيّقة جدًّا وأصبحنا مضطرّين لشراء الأعلاف لمواشينا وهذه أسعارها عالية جدًّا. لقد اضطررت لبيع عدد من أغنامي لأجل شراء الأعلاف وهكذا فعل بقيّة الرعاة في المنطقة. يصعّب هذا الأمر حياتنا بشكل كبير - اقتصاديًّا ونفسيًّا. نحن لا ندري ماذا سنفعل.

في السنوات الأخيرة أخذنا ننتقل في الصيف إلى مناطق بعيدة لأنّهم يقيّدون حركتنا ولم يبق لمواشينا مكان ترعى فيه. نضطرّ إلى ترك خيامنا والسكن قرب مراعٍ في منطقة طوباس وهذا يضيف معاناة فوق كلّ ما نلاقيه من صعوبات. حياتنا صعبة أصلاً وعندما جاء المستوطنون تحوّلت حياتنا إلى جحيم. نحن نعيش في خوف وقلق دائمين بسببهم خوف على أنفسنا وعلى أولادنا ومواشينا. هذه أراضينا نحن فبأيّ حقّ يستولون عليها؟

 

Thumbnail
البؤرة الاستيطانية بالقرب من خربة تل الحمة. تصوير: سريت ميخائيلي، بتسيلم

زهرة أيّوب (63 عامًا) من سكّان خربة تل الحِمّة، تعمل في تربية المواشي ومتزوّجة وأمّ لثلاثة عشر. في إفادة أدلت بها يوم 20.12.2017 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم سلمى الدّبعي، قالت زهرة ما يلي:

منذ زواجنا أسكن مع زوجي في خربة تل الحِمّة في منطقة الأغوار. لقد اضطررنا عدّة مرّات إلى الانتقال هنا من منطقة لأخرى بسبب الجيش والإدارة المدنية. كانت المرّة الأخيرة في السنة الماضية حين هدموا البركسات التي كنّا نسكنها وحظائر الأغنام - لم يبقوا لنا شيئًا. كان ذلك بحجّة أنّنا بنينا دون ترخيص. ولأنّه ليست لنا قدرة على تحمّل تكاليف بناء البركسات لأنّها تكلّف كثيرًا استعضنا عنها بإقامة خيام.

أصبحت حياتنا صعبة بشكل خاصّ منذ أن أقاموا البؤرة الاستيطانية الجديدة قبل سنة تقريبًا. المستوطنون يلاحقوننا حتى بيوتنا يصرخون علينا ويصوّروننا ويطالبوننا بمغادرة المكان ويقولون إنّ هذه الأرض لهم - مع أنّهم مستوطنون أصلاً. إنّهم يصوّرون حظيرة الأغنام حتّى! عندما يخرج أبنائي مع المواشي إلى المرعى يلاحقهم المستوطنون. وكثيرًا ما رشقوا مواشينا بالحجارة حتّى أنّ عددًا من الغنمات أجهضت بسبب مطاردة المستوطنين لها ورشقها بالحجارة.

بسبب صعوبة الخروج مع أغنامنا إلى أراضينا لترعي فيهان أصبحنا مضطرّين لشراء العلف لكي نطعمها وهذا عبء ثقيل علينا، اقتصاديًّا. لقد تراكمت علينا الديون من شراء الأعلاف وأضيف همّ آخر فوق همومنا. نحن نعيش بصعوبة والأرباح من تربية المواشي بالكاد تكفي لمعيشتنا. لا نستطيع شراء العلف طيلة أيام السنة لأنّ هذا يحمّلنا خسائر كبيرة لا قدرة لنا عليها. نحن نعيش بلا كهرباء وليس لدينا مياه جارية. في شهر تمّوز جاء موظّفو الإدارة المدنية وصادروا الألواح الشمسية التي تبرّعت لنا بها منظمة إغاثية في شهر آذار. إنّنا نضطرّ إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج من منطقة عين البيضا. وفي المقابل تجد أنّ المستوطنين منذ أن جاءوا وصولوهم بالمياه والكهرباء بسرعة مدهشة بل إنّهم غرسوا أشجار الزيتون أيضًا. لو أنّنا نحن الذين غرسنا أشجارًا لجاء الجيش والإدارة المدنيّة واقتلعوها.

 

Thumbnail
الإدارة المدنية تصادر صهاريج مياه في خربة تل الحمة. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم 17.7.2017

أنا لا أعرف ماذا أفعل. لا تغمض عيناي في الليالي ولا شيء يطمئن بالي. أخاف على أولادي وأخشى أن يصيبهم سوء وأتساءل كيف يمكنهم أن يقضوا حياتهم هنا. أنا أصبحت مسنّة ولا أخاف على نفسي ولكنّي أخشى على مصير أولادي ومصير أولادهم.

لا أفهم ماذا يريدون منّا. نحن لا نضايقهم في شيء. هم الذين يضايقوننا ويلاحقوننا إلى كلّ مكان. قلت لأولادي "دعونا نغادر إلى مكان آمن. لا يهمّ أيّ مكان". ولكنّه قالوا لي "لا يوجد مكان آمن ولا يوجد مكان يخلو من المستوطنين. لقد سيطروا على كلّ الأراضي". قلت لهم "لنذهب إذن إلى نابلس" ولكنّهم قالوا لي "حتّى نابلس سيطر المستوطنون على كلّ أراضيها. لم يبق شيء".

أنا أفكر طيلة الوقت إلى أين نذهب؟ نحن لا نريد شيئًا سوى الأمن وأن نعيش بهدوء. رضينا بهذا العمل الشاقّ ورضينا بالحياة الصعبة مع الغنم وتربية المواشي في ظروف قاسية كهذه ولكن ماذا يمكننا أن نفعل بالمستوطنين؟ إنّه شعور يصعب تحمّله - أن يعيش الإنسان وهو يشعر بأنّه في حرب لأجل لقمة عيشه وأنّه مهدّد طيلة الوقت والشعور بالخوف يلازمه. هذا أمر لا يُطاق. لو كان هناك مكان يمكن الانتقال إليه وفيه مراعٍ ومكان لبناء بيت لنا لما فكّرت مرّتين، لانتقلت فورًا.