Skip to main content
م.م. على سطح منزله. تصوير: ريما عيسى، بتسيلم، 21.12.17.
Menu
المواضيع

يشبّون تحت وطأة الاحتلال: حياة محطمة في القدس الشرقيّة

"في الماضي كنت أقضي كثيرًا من الوقت مع أصدقائي، كنّا نتناول الفطور سويًّا، نذهب إلى المدرسة، نخرج ونتسلّى. الآن لا يوجد شيء كهذا. أنا لا ألتقي بأصدقائي مثلما في السابق". هذا ما قاله لبتسيلم الفتى م.م.، من سكّان العيساويّة في القدس الشرقية، ويبلغ اليوم السادسة عشرة من عمره.

قبل سنتين ونصف، في تمّوز 2015، عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، اقتحمت منزلهم قوّة من الشرطة في منتصف الليل واقتادته إلى التحقيق، بتهمة رشق الحجارة. بعد 22 يومًا أمضاها في المعتقَل تمّ الإفراج عنه بشرط إبعاده إلى إقامة جبرية في منزل عمّته في بيت حنينا، لمدّة استمرّت أكثر من سنة. هكذا وصف م.م. الفترة التي قضاها بعيدًا عن منزله وأسْرته:

م.م. في منزله. تصوير: ريما عيسى، بتسيلم، 21.12.17.

كانت تلك أسوأ فترة في حياتي. منعوني من اللّعب خارج المنزل، ولم يأت أحد للّعب معي هناك. عمّي رجل مسنّ ولا يتحمّل حركة أولاد في المنزل. كنت أمضي الوقت نائمًا أو أشاهد التلفزيون مع عمّتي. أحيانًا كانت عمّتي تطلب من أبناء الجيران أن يشتروا لي كعكة. كان أفراد أسرتي يأتون لزيارتي كلّ يومين أو ثلاثة. كنت أشتاق لأسرتي، وفي الليالي أبكي بصمت لئلّا يسمعني أحد. لم أرغب في مضايقة عمّتي وزوجها، رغم أنّني كنت أنام في غرفة خاصّة بي. أصعب الأوقات عليّ كانت حين يأتي ضيوف لزيارة عمّتي. أناس كبار في السنّ، لا أعرفهم، وكنت مجبرًا على الجلوس معهم. أنا مجرّد فتى، أردت أن ألعب. كان الأمر مملًّا ومرهقًا.

والدته، دينا، قالت:

ابني كان معتقلاً في "المسكوبية" طيلة 22 يومًا بتهمة رشق الحجارة. كان ممنوعًا أن نزوره. لم نرَه أنا وزوجي سوى في المحكمة. كلّما حاولنا أن ننقل له نقودًا ليشتري ما يحتاجه من "الكافتيريا" رفض أفراد الشرطة أن يأخذوا النقود من زوجي. في المحكمة كان وجهه شاحبًا وبدا متعبًا. طيلة هذه الأيام الـ22، تمكّنت من رؤيته أربع مرّات في المحكمة، وكان ممنوعًا أن أكلّمه، أن ألمسه أو حتى أن أقترب منه. رأيت الدّموع في عينيه كلّما نظر إليّ أو إلى أبيه.

بعد اعتقال دام 22 يومًا وافقوا على الإفراج عنه بشرط الإقامة الجبرية، لكن ليس في منزلنا نحن. الإمكانيّة الوحيدة كانت منزل عمّته في بيت حنينا؛ وهي امرأة مسنّة، فوق الستّين عامًا، وزوجها فوق الثمانين عامًا. تضايق ابني من ذلك جدًّا. لا يريد أن يعيش في بيت غريب، ناهيك عن أنّهم منعوه من الخروج من المنزل، حتى إلى الدكّان. زوج عمّته رجل مسنّ، يريد سوى الهدوء وراحة البال، ويزعجه تجوال فتية في منزله. هذا الأمر قيّد حركة م. حتّى داخل منزل عمّته، فكان يمضي وقته كلّه في مشاهدة التلفزيون أو في النوم.

في آب 2016 حكمت المحكمة على م.م. بالسجن الفعليّ لمدّة ثلاثة أشهر بتهمة رشق الحجارة. رفع محاميه التماسًا إلى المحكمة العليا، وبذلك تأجّل بدء تنفيذ الحكم وتمكّن م. من العودة إلى منزله. ولكن حين طلب م. العودة إلى المدرسة، قيل له أنّ عليه أن يعيد السنة الدراسية التي خسرها بسبب الإقامة الجبرية لمدّة طويلة. رفض م. ذلك وترك المدرسة.

م.م. في منزله. تصوير: ريما عيسى، بتسيلم، 21.12.17.
م.م. في منزله. تصوير: ريما عيسى، بتسيلم، 21.12.17.

في نهاية تشرين الثاني، قبل أن تصدر نتيجة الاستئناف الذي قدّمه، اعتُقل م.م. مجدّدًا، بتهمة رشق الحجارة في هذه المرّة أيضًا. جرى التحقيق معه، وأنكر التهم، وبعد اعتقال دام 19 يومًا نُقل إلى سجن "مجيدو". حُكم عليه وأمضى في السجن مدّة خمسة أشهر ونصف. هكذا يصف م. تلك الفترة:

في 29.11.2016 اعتقلوني مجدّدًا في منزلنا. اقتحمت عناصر الشرطة المنزل وأجرت تفتيشًا. احتجزوا كلّ أفراد الأسرة في غرفة. بعد نصف ساعة تقريبًا، كبّلوا يديّ واقتادوني خارج المنزل. في الليلة نفسها أجرى الجيش حملة اعتقالات كبيرة في العيساويّة - احتجزوني مع معتقلين آخرين قبالة معسكر الجيش قرب العيساويّة. ربطوا عينيّ بقطعة قماش ثمّ أعادوني إلى سيّارة الاعتقال وأخذوني إلى محطة الشرطة في شارع صلاح الدين. لم يضربوني ولا أهانوني. حققوا معي طيلة ثلاث ساعات تقريبًا، ويداي في القيد. مجدّدًا اتّهموني برشق الحجارة. أردت الذهاب إلى الحمّام، وكنت عطِشًا وجائعًا ولكنّهم لم يقدّموا لي شيئًا إلى أن انتهى التحقيق. وحتّى حينذاك، لم يقدّموا لي سوى الماء.

نقلوني إلى سجن مجيدو، بعيدًا عن القدس. لم يتمكّن أهلي من زيارتي سوى مرّة كلّ أسبوعين، في زيارة ينظمها الصليب الأحمر. في كلّ مرّة اقتادونا فيها إلى المحكمة، كانوا ينقلوننا بـ"البوسطة" (مركبة لنقل المعتقلين)، فيها مقاعد من حديد. كان السفر فيها صعبًا. كانوا يأخذوننا باكرًا في الصباح وكانت المقاعد الحديديّة باردة. كانوا يمرّون على جميع السجون ويجمعون المعتقلين - بعضهم أمنيّون وبعضهم جنائيّون. في سجن الرملة كانوا يوزّعون المعتقلين حسب أعمارهم ويضعونهم في غرف نتنة. حين كنت هناك لم أستطع النوم، لأنّني كنت أقرف من الفرشات. كانت عفنة ونتنة. في صباح اليوم التالي كانوا ينقلونني إلى المحكمة في القدس. لا أذكر كم مرّة نقلوني هكذا، ولكنّي أذكر أنّ الجلسات جرت في الأشهر كانون الأوّل وكانون الثاني وشباط. في نهاية الأمر حكموا عليّ بالسجن حتى تاريخ 8.5.2018.

في بداية شهر أيّار عاد م. م. إلى منزله، وبعد أربعة أشهر رُفض الاستئناف الذي رفعه إلى المحكمة العليا اعتراضًا على الحكم الذي صدر بحقّه في آب 2016. قرّرت المحكمة انّ عليه البدء في تمضية محكوميّته في بداية تشرين الثاني 2017. ولكنّه قبل ذلك - في تشرين الأوّل 2017 - أصيب برصاصة اسفجنيّة أطلقها عليه أفراد الشرطة وهو يمشي في الشارع أثناء مواجهات اندلعت في العيساوية. أُخلي م.م. الجريح إلى مستشفى "شعري تصِدق" حيث أجريت له عمليّة لاستئصال الطحال. في أعقاب إصابته، تأجّل دخوله السجن إلى 1.1.2018. في هذه الأثناء استُدعي م. م. للتحقيق في محطة الشرطة يوم 18.12.2017، بتهمة رشق الحجارة، وأخلي سبيله إلى منزله بشرط الإقامة الجبرية طيلة خمسة أيّام.

بعد ما مرّ على م. م. خلال سنتين من تحقيقات واعتقالات ليليّة وسجنًا لفترة طويلة وإصابة بجراح بليغة برصاص قوّات الأمن، بعد هذا كلّه، ينتظره في الأيّام القريبة حكم آخر بالسجن لمدّة ثلاثة أشهر. م. م. ليس وحيدًا على هذا الحال. في كلّ سنة يجري انتزاع مئات الفتية من سكّان القدس الشرقية من فراشهم في دجى الليل، واعتقالهم وسجنهم؛ وضمن ذلك تُنتهك حقوقهم منهجيًّا وباستهتار مطلق بظروف حياتهم والآثار المدمّرة التي يتركها اعتقالهم وسجنهم، من جانب جميع السلطات المسؤولة التي تتعامل معهم.

من ناحية سلطات الدولة، م. م. ليس أكثر من موضوع للقمع، في إطار الإدارة الجارية لمنظومة السيطرة الإسرائيلية على سكّان القدس الشرقية. الاعتقالات والتحقيقات والسجن كلّها جزء من صورة هذا الواقع العنيف؛ وهذا تلازمه أحيانًا -كما في حالة م.م.- إصابات بليغة بنيران قوّات الأمن. لا يوجد نظام قمعيّ دون مقاومة له، وقمع المقاومة يرافقه العنف حتمًا. عندما يحدث كلّ هذا لشابّ في القدس الشرقية طيلة سنوات نموّه، فإنّ آثاره تبقى ملازمة له حتمًا طيلة حياته.