Skip to main content
افراد من الشرطة في باحة الأقصى. تصوير: معمر عواد، رويترز، 27.7.17
Menu
المواضيع

الشرطة تعتقل بعُنف عشرات المصلّين في المسجد الأقصى، بينهم فِتيَة

مساء يوم الخميس، 27.7.2017، بعد انتهاء صلاة المغرب في المسجد الأقصى، بقي هناك نحو 120 فلسطينيًّا، بعضهم من مواطني إسرائيل، بهدف المبيت في المكان، خشية ألّا يُسمح لهم بالدخول إلى محيط المسجد في اليوم التالي لأداء صلاة الجمعة. أقيمت هذه الصلاة بعد مضيّ أسبوعين جرى خلالهما تقييد دخول المصلّين إلى محيط المسجد، وبعد إزالة البوّابات الإلكترونية التي نُصبت عند المدخل في أعقاب عمليّة نفّذها ثلاثة فلسطينيين من مواطني إسرائيل، حيث أطلقوا النيران وقتلوا شرطيّين في باحة الأقصى، يوم 14.7.2017.

نحو الساعة 20:45 انقطعت الكهرباء في المسجد واقتحم افراد الشرطة والقوّات الخاصّة أحد الأبواب رغم أنّه كان مقفلاً. ألقى أفراد الشرطة قنابل الصوت وأطلقوا الأعيرة الإسفنجية وهجموا على المصلّين ضربًا بالعصيّ وركلاً بأقدامهم، ثم كبّلوهم. بعد قرابة نصف السّاعة اعتقلت الشرطة جميع المصلّين واقتادتهم حُفاة الأقدام إلى إحدى بوّابات الأقصى، وهناك أجبروهم على الركوع مدّة ساعة تقريبًا. من هناك، اقتادتهم الشرطة إلى حيث كانت تنتظرهم حافلات وسيّارات تابعة لسلطة السجون ("بوسطة")، وأدخلتهم جميعًا إليها بحيث كان الاكتظاظ شديدًا. في محطة الشرطة، أُجبر المعتقلون مجدّدًا على الركوع لفترة طويلة - وفي بعض الحالات طيلة ساعات، لم يقدّم لهم خلالها طعام أو شراب، ولم يسمح لهم أفراد الشرطة بدخول المرحاض لقضاء حاجاتهم.

إنّها حادثة استثنائيّة من حيث خطورتها: عشرات من أفراد الشرطة يقتحمون مكانًا مقدّسًا عند ساعات متأخرة من الليل، يعتقلون بعُنف ودون أيّ سبب أكثر من مائة شخص؛ وفي محطّة الشرطة يهينونهم ويُجبرونهم على الركوع بوضعيّة موجعة طيلة ساعات. بعض المعتقلين جرى إخلاء سبيلهم دون إجراءات، بعد أقلّ من يوم.

صحيح أنّ هذه الحادثة جرت قبل بضعة أشهر، ولكن في إطار مشروع بتسيلم لتقصّي حقائق اعتقال الفتية في القدس الشرقية، ارتأينا أن نتقصّى اعتقال الفتية في تلك الليلة. تبيّن الإفادات صورة روتينيّة قاسية كانت بتسيلم ومنظمات حقوق إنسان أخرى قد نشرت عنها بتوسّع: في القدس الشرقية، يكاد اعتقال الفتية الفلسطينيين يكون دائمًا الوسيلة الأولى التي تلجأ إليها الشرطة، خلافًا لأحكام القانون التي تقتضي أن تفعل الشرطة ذلك فقط كملاذ أخير، بعد استنفاد جميع الوسائل؛ كما تُداس حقوق الفتية طيلة فترة اعتقالهم. يبقى هؤلاء الفتية المعتقلين وحيدين تمامًا طيلة فترة الاعتقال، دون حماية من الأهل أو أيّ بالغ آخر يثقون به ويطمئنّون إليه. دفعة واحدة تنقطع صلتهم بعائلاتهم وبحياتهم المعتادة، دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عمّا سيؤول إليه مصيرهم. كل هذا تفعله الشرطة متذرّعة بحرْفيّات القانون الشكليّة واستثناءات يتيحها القانون، بحيث تُفرغه من جوهره وتجرّده من الحمايات التي يفترض أن يوفّرها للمعتقلين الصغار. هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة تهدف إلى تمكين السلطات الإسرائيلية من الاستمرار في التعامل على هذا النحو مع الفتية الفلسطينيين - سياسة تهدف -تحت غطاء الشكلانيّة- إلى إتاحة انتهاك حقوق الإنسان الأساسيّة لمئات الفتية بشكل منهجيّ، واسع النطاق وموثّق، كلّ سنة طيلة عشرات السنين.

هذا الواقع هو لبنة أساسيّة في بُنية السيطرة الإسرائيلية على السكّان الفلسطينيين في القدس الشرقية. وطالما استمرّت هذه السيطرة فمن المتوقّع أن تواصل السلطات الإسرائيلية التعامل مع السكّان الفلسطينيين كشريحة سكّانية غير مرغوب فيها وكأناس يساوون أقلّ - بكلّ المعاني التي ينطوي عليها ذلك. التغيير الحقيقي لهذا الواقع يقتضي تغيير الواقع في القدس تغييرًا جذريًّا.

جميع الإفادات أدناه أدلى بها الفتية أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عامر عاروري.

ن.ع. (17 عامًا) من سكّان بيت حنينا، أفاد في 6.9.2017 بما يلي:

يوم الخميس، 27.7.2017، أزالوا البوّابات الإلكترونية التي نصبوها عند مداخل المسجد الأقصى. ومثل كثيرين غيري، دخلت إلى المسجد لكي أصلّي ولكنّي - خلافًا للعادة - لم أغادر المسجد بعد الانتهاء من أداء الصلاة، قرابة الساعة 20:15. في هذه المرّة قرّر بعض الحاضرين البقاء في المسجد لأنّهم اعتقدوا أنّهم (الإسرائيليون) لن يسمحوا في يوم الغد، الجمعة، لجميع الشرائح العمريّة بالدخول. بعد انتهاء صلاة المغرب بنصف ساعة انقطعت الكهرباء في المسجد. قرّرت أن أصلّي، وبدأت في أداء الطقوس. وبينما كنت أصلّي سمعت أشخاصًا يتحدّثون بالعبرية، وعندها رأيت كثيرًا من أفراد قوّات الاحتلال (شرطة وقوّات خاصّة) وقد اقتحموا المسجد. لا أدري كيف نجحوا في الدخول فالمصلّون كانوا من قبل قد أقفلوا الباب دونهم.

أطلق الجنود قنابل الصوت داخل المسجد. أنا خفت. كانوا يهاجمون الناس بالعصيّ، يوقعونهم أرضًا ويلوون الأذرع. توقّفت عن الصلاة وبقيت واقفًا في مكاني. لم أعرف إلى أين يمكنني أن أذهب. فجأة، ألقاني عدد من أفراد القوّات الخاصّة أرضًا بعُنف، أمسكوا بيديّ الاثنتين وجرّوني إلى إحدى زوايا المسجد. أخذوا بطاقة هويّتي وكبّلوا يديّ إلى الخلف بأصفاد بلاستيكية. سمعت أناسًا يصرخون ويئنّون من الألم. حاولت ألّا أصرخ، لأنّي خشيت إن صرخت أن يضربوني أكثر.

بعد مضيّ نصف ساعة تقريبًا، اقتادونا كلّنا، المعتقلين، في صفّ إلى خارج المسجد. كنت حافيًا، مثل الجميع، لأنّهم لم يسمحوا لنا بانتعال أحذيتنا. أخرجونا عبر باب المغاربة، وأجسلونا على ركبنا طيلة مدّة لا تقلّ عن ساعة. بعد ذلك اقتادونا إلى حافلتين.

عندما وصلت إلى الحافلة، أجبروني على فشق رجليّ وأجروا تفتيشًا على جسدي. بعد ذلك أخذوا منّي كلّ أغراضي الشخصية بما فيها هاتفي النقّال، وصوّروني. جرّني أفراد الشرطة بالقوّة نحو الحافلة وألقوا بي على أحد المقاعد داخلها. بعد قرابة عشرين دقيقة تحرّكت الحافلة، ثمّ توقّفت بعد وقت قصير.

بدأ الجنود في إنزالنا من الحافلة وأدخلونا إلى المسكوبيّة. عدد من أفراد القوّات الخاصّة جرّوني من يديّ إلى خارج الحافلة. أدخلوني إلى غرفة فيها عدد كبير من المعتقلين، راكعين على رُكبهم ووجوههم إلى الحائط. أجبروني على الانضمام إليهم والجلوس مثل البقيّة. ظللت هكذا، على رُكبتيّ، مدّة طويلة دون شراب أو طعام ودون أن يسمحوا لي بدخول المرحاض. صار ظهري يؤلمني؛ وكلّما هممت بالوقوف لكي يسترخي ظهري ورجلاي قليلاً من وضعيّة "الضفدع"، ضربوني وركلوني بأقدامهم إلى أن يوقعوني على الأرض، فأعود لأجلس كما كنت - على رُكبتيّ ووجهي إلى الحائط.

الغرفة، وتوجّه إليّ شخص قائلاً إنّه محامٍ، وطلب منّي تفاصيلي الشخصيّة. سألته "ما الساعة؟" فأجابني إنّها الآن 4:00 قبَيل الصبح. ثمّ غادر المحامي، وأخذوني إلى غرفة كان يجلس فيها شخص بلباس مدنيّ. قال لي - باللّغة العربيّة - إنّني متّهم برفض الانصياع لأوامر الشرطة ومغادرة المسجد الأقصى بعد الصلاة. قلت له إنّ يدي تؤلمني بسبب الأصفاد. بعد ذلك قلت للمحقّق: "لم أسمع أيّ شرطي يطلب من المصلّين مغادرة المسجد، ولم أرَ أفراد الشرطة قبل أن يقتحموا المسجد ويبدأوا في اعتقال المصلّين".

استمرّ التحقيق معي رُبع ساعة، ثمّ وقّعت على ورقة مكتوب فيها باللغة العبرية، قال لي المحقّق إنّه مَحضر أقوالي. طبعوا بصمات أصابعي، وعندما خرجت من غرفة التحقيق قلت للشرطي: "إذا لم أذهب الآن إلى المرحاض فسوف أبول في ثيابي". أخرجني الشرطي من البناية، أخذني حيث شجرة، وقال لي يمكنك أن تبول هنا، وهكذا فعلت.

بعد ذلك أدخلني الشرطي إلى غرفة كان فيها قرابة ثلاثين شخصًا يجلسون على كراسي. كبّلوا إحدى يديّ بأصفاد معدنيّة إلى يد معتقل آخر، لا أعرفه من قبل. ناول أفراد الشرطة لكل معتقلَين اثنين مكبّلَين معًا زجاجة ماء، قطعة خبز، قطعة جبنة صفراء وعلبة لبن صغيرة. بعد أن انتهيت من تناول الطعام طلبت مجدّدًا دخول المرحاض. أخذوني إلى المرحاض مع المعتقل الذي كنت مكبّلاً إليه، دون أن يزيلوا الأصفاد. دخلت المرحاض وهو معي، وهكذا فعل هو أيضًا. كان ذلك مهينًا - أن تبول أمام شخص غريب، ولكن لم يكن لدينا خيار آخر، فالشرطي رفض إزالة الأصفاد عن يدينا. نحو الساعة 14:00 أخذوا كلّ زوج من المعتقلين إلى غرفة كان فيها عدد كبير من الأحذية. يبدو أنّهم جلبوا أحذيتنا من المسجد. أتاح الشرطي لكلّ معتقل خمس دقائق يبحث خلالها عن حذائه. هذا الوقت لم يكن كافيًا بالطبع، فانتقيتُ حذاءًا كان يبدو إلى حدّ ما ملائمًا لمقاسي وانتعلته، وفعل المعتقل الثاني الشيء نفسه.

بعد ذلك، أخلوا سبيل كلّ شخص وجد حذاءه. في الخارج كان أفراد عائلتي في انتظاري. قالوا لي إنّ هناك أمر من الشرطة يمنعني من الاقتراب من البلدة القديمة طيلة 15 يومًا، وأنّه يُسمح بوجودي فقط في بيت حنينا وشعفاط؛ وإذا خالفت شروط الإفراج عنّي فسوف تدفع أسرتي غرامة ماليّة قدرها عشرة آلاف ش.ج.

 

وهكذا حدّث ص.ش (17 عامًا) من سكّان البلدة القديمة، التي أدلى بها يوم 13.9.2017:

خفت جدًّا عندما رأيت الشرطة تقتحم المسجد، وخاصّة لأنّني كنت قد اعتُقلت في السابق ولا أريد العودة إلى مثل هذه التجربة. أخذوا يهاجمونني. أحدهم لطمني وركلني وحتّى دفعني إلى الأرض وكبّل يديّ إلى الخلف بأصفاد من البلاستيك. بعد ذلك أجلسني على رُكبتيّ. بعد مضيّ ساعة تقريبًا، تمكّنوا من السيطرة على كلّ الذين كانوا في المسجد، وكبّلوهم جميعًا. اقتادوني حافيًا نحو ساحة حائط البُراق (الحائط الغربيّ - حائط المبكى). وأثناء ذهابنا إلى هناك كانوا يدفعونني بأعقاب البنادق. كانت هناك حافلتان وسيّارة "بوسطة" لنقل المعتقلين. وضعوني في "البوسطة" ثمّ أقلّوني مع معتقلين آخرين إلى المسكوبيّة.

عندما وصلنا إلى المسكوبيّة جرّوني بالقوّة إلى خارج السيّارة، حتّى أنّي كدت أن أقع على وجهي. في الداخل، أجلسوني على الأرض راكعًا على رُكبتيّ، مع معتقلين آخرين كانوا في الغرفة. أبقوني هكذا طيلة سبع ساعات، حتى الساعة 5:00 قبَيل الصبح، وتوجّعت كثيرًا. كانت لديّ أوجاع في الظهر، في الرّكبتين وفي الرقبة. الفرصة الوحيدة التي ارتحت خلالها من هذه الأوجاع كانت عندما ذهبت إلى المرحاض، بعد مضيّ ثلاث ساعات تقريبًا، حيث أزالوا الأصفاد، ثمّ عادوا وكبّلوني من جديد ويداي إلى الخلف. عندما طلبت الذهاب مرّة ثانية، رفضوا. طلبت شربة ماء، ولكنّهم لم يجلبوا لي. ورغم أنّني كنت جائعًا جدّا لم أطب طعامًا، لأنّني خفت من أفراد الشرطة. أثناء جلوسي رأيت معتقلين آخرين يتعرّضون للضرب واللّطم والركل، فقط لأنّهم حاولوا الوقوف أو تغيير وضعيّتهم ليخفّفوا الآلام.

أخرجني شرطيّ من الغرفة، وجاء محامٍ عربيّ للتحدّث معي. سألته "ما الساعة" فأجابني إنّها الخامسة قبَيل الصّبح. سجّل المحامي اسمي ورقم هاتف والدي. أثناء حديثي معه جاء شرطيّ واقتادني إلى حيث مدخل الغرفة التي كنت جالسًا فيها بوضعيّة "الضفدع". لم يسمح لي بمتابعة التحدّث مع المحامي. بعد ذلك أدخلني إلى غرفة أخرى كان يجلس فيها محقّق بلباس مدنيّ. من لحظة دخولي إلى هناك رفضت التكلّم حتّى يزيلوا الأصفاد عن يديّ، فوافق المحقّق وأزالها.

سألني المحقّق، باللّغة العربية: "لماذا لم تغادر المسجد الأقصى بعد انتهاء الصلاة، في الساعة 8:45 تقريبًا؟". أجبته: "لأنّ الناس هناك أقفلوا الباب ولم يسمحوا لي بالخروج". قال المحقق: "أنت متّهم بعدم الانصياع لأوامر الشرطة حين أمرت الناس بمغادرة المكان". قلت له: "لم أسمع هذا الأمر". استمرّ التحقيق معي نصف ساعة. أراد المحقّق أن أعترف بانّي خالفت أوامر الشرطة، ولكنّي لم أوافق. أخذ يصرخ ويضرب الطاولة بيده. لديّ خبرة سابقة مع الاعتقالات، وعليه لم أتنازل. عند انتهاء التحقيق وقّعت على محضَر أقوالي، التي كانت مكتوبة باللّغة العبريّة، ثمّ أعادوني إلى الغرفة التي جلست فيها أوّلاً بوضعيّة "الضفدع"، إلى جانب معتقلين آخرين.

في الساعة 6:30 صباحًا، جاء شرطيّ واقتادني إلى غرفة أخرى كانت فيها أحذية كثيرة. قال لي: "انتقِ لك حذاء يناسبك". بصعوبة تمكّنت من العثور على حذاء مناسب. ثمّ قال لي الشرطي: "إفراج"، أي أنّه تقرّر إخلاء بيلي دون قيد أو شرط.

بعد عودتي إلى البيت عانيت أوجاعًا طيلة أسبوعين تقريبًا - في الرّقبة والظهر والرجلين، بسبب الجلوس بوضعيّة "الضفدع" لمدّة طويلة. تناولت أدوية مسكّنة للأوجاع.

ب.ش. (17 عامًا) من سكّان العيساويّة، أدلى في إفادته من يوم 7.9.2017، بما يلي:

كنت جالسًا داخل المسجد ورأيت أفراد الشرطة يطلقون على الناس قنابل الصوت والأعيرة الإسفنجيّة. إنّه مسجد كبير، وقد أخذ الناس يتراكضون في أنحائه هاربين. رغم أنّني حاولت الهروب من هناك، وصل إليّ أفراد القوّات الخاصّة وأمسكوا بي. أوقعوني على الأرض وكبّلوا يديّ. لا أذكر كم كان عدد الذين هجموا عليّ. كبّلوا يديّ إلى الخلف بأصفاد بلاستيكيّة، ومن حين لحين كان يأتي أحد أفراد الشرطة ويضربني أو يركلني. بقيت هكذا نحو نصف ساعة تقريبًا، إلى أن تمكّنت الشرطة من السيطرة على الوضع واعتقال جميع الأشخاص الذين كانوا داخل المسجد.

بعد ذلك، رفعوني عن الأرض واقتادوني إلى الخارج، حافيًا. رأيت عددًا من المصلّين قد جُرحوا في الرأس أو الوجه، وكانت الدماء تسيل من جراحهم. أخذونا جميعًا عن طريق باب المغاربة نحو ساحة حائط البراق (الحائط الغربي، حائط المبكى)، وهناك أجلسونا على رُكبنا قرب باب المغاربة. بعد مضيّ ما يقارب الساعة، اقتادونا إلى حافلتين متوقّفتين هناك في المنطقة. عندما صعدت إلى الحافلة لم أجد مقعدًا لأجلس عليه، وقفت عالقًا بين المعتقلين الآخرين المكتظّين داخل الحافلة.

وصلت الحافلة إلى المسكوبيّة، وبعد بضعة دقائق جرّني أفراد من القوّة الخاصّة إلى الخارج. وضعوني في غرفة في قسم التحقيقات، حيث كان آخرون من الذين اعتُقلوا معي. قيل لي إنّها "الغرفة رقم 4". كانت يداي تؤلمانني جدًّا، بسبب الأصفاد. رأيت بضعة شبّان يحاولون أن يمزّقوا بأسنانهم الأصفاد البلاستيكية من على يدي معتقلين آخرين. في مرحلة ما، انتبه أفراد القوّة الخاصّة فأخذوا في ضرب أولئك المعتقلين ولطمهم.

بعد ذلك، قام أفراد القوّة الخاصّة بتكبيل الرجلين أيضًا. كبّلوا رجليّ بأصفاد معدنيّة. طلبت الذهاب إلى المرحاض، ولكنّ أفراد الشرطة لم يسمحوا لي بذلك. كنت أشعر بالعطش، وكلّما طلبت أن أشرب الماء من أفراد القوّة الخاصّة كانوا يقولون لي: "اذهب إلى أمّك، اشرب عندها". جلست هناك راكعًا على رُكبتيّ ويداي مكّبلتين طيلة ساعة تقريبًا، وعندها أخذوني مع شخصين آخرين إلى غرفة فيها كثير من الأحذية. قالوا لنا أن نختار حذاءً ملائمًا. لم أجد الحذاء الذي تركته في الخزانة داخل المسجد، فاخترت عشوائيًّا أحد الأحذية. طلبت من الشرطي أن يفكّ القيود عن يديّ ورجليّ لكي أتمكّن من انتعال الحذاء، ففعل ذلك. بعد ذلك كبّل يديّ ورجليّ مجدّدًا واقتادني، مع الشابّين الآخرين، إلى سيّارة شرطة. أقلّتنا السيّارة من محطة الشرطة في المسكوبيّة إلى شرطة القشلة، في البلدة القديمة.

عندما وصلنا إلى هناك أدخلونا إلى غرفة كان فيها أربعة معتقلين. وكان فيها مرحاض. جلبوا لنا وجبة احتوت الدجاج والأرزّ، ولكن رائحة الطعام كانت مقرفة فلم آكل. في تلك الليلة أزالوا الأصفاد، ومن ثمّ ذهبت لأنام.

في صباح اليوم التالي، قبل أن يجلبوا وجبة الإفطار، أخذوني إلى غرفة أخرى، وهناك كبّلوا يديّ إلى الأمام بأصفاد معدنيّة. من هناك أخذوني إلى غرفة كان يجلس فيها شخص بملابس مدنيّة. قال لي باللّغة العربيّة إنّني متّهم برشق الحجارة على قوّات الاحتلال. قلت له إنّ هذا غير صحيح، وأنّني كنت داخل المسجد حين اعتُقلت. بقيت في التحقيق وقتًا كثيرًا، واتّهمني المحقّق بأنّي كنت أحمل سكّينًا، وأنّني شكّلت خطرًا على حياة أفراد قوّات الأمن. أنكرت جميع التّهم، ووقّعت على محضر أقوالي - التي كانت مكتوبة باللّغة العبرية.

بعد ذلك أعادوني إلى الغرفة التي بتّ فيها. لم آكل وجبة الغداء أيضًا، وقد احتوت الأرز والدجاج ذاتهما، برائحتهما المقرفة. فقط شربت ماءً. في صباح اليوم التالي قال لي الشرطي إنّهم سيقتادونني إلى المحكمة، لكنّ هذا لم يحصل، وبقيت في الغرفة نفسها مع بقيّة المعتقلين. في وقت لاحق، جاء شرطيّ وأخذني من الغرفة، وعندها أخلوا سبيلي. كان أفراد عائلتي ينتظرونني في الخارج. كان ذلك بعد ظهر يوم السبت، في الساعة 15:00.

أخلوا سبيلي بشروط مقيّدة - الابتعاد عن البلدة القديمة طيلة شهر. وإضافة إلى ذلك، إذا جرى اعتقالي مرّة أخرى خلال نصف السنة القادم فسوف يُحكم عليّ بالسجن لمدّة سنتين. بعد إطلاق سراحي انطلقت إلى مستشفى هداسا العيساويّة، لأنّني عانيت أوجاعًا في أجزاء مختلفة من جسدي، جرّاء الضرب الذي تلقّيته وأيضًا بسبب الإنهاك. كانت لديّ أيضًا أوجاع في البطن، لكنّ الفحوصات الطبّية بيّنت أنّي أعاني فقط من رضوض سطحيّة.