Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

الجيش الاسرائيلي يقتحم بيوت عشرات العائلات الفلسطينيّة في منطقة نابلس في ساعات الليل المتأخّرة، ويُرهب أفراد البيت ويشوّش روتين حياتهم من دون تبرير

يتّضح من إفادات جمعتها منظمة بتسيلم أنّ قوات عسكريّة اسرائيلية قامت أثناء شهري نيسان وأيار 2015، باقتحام بيوت عشرين عائلة في ساعات الليل المتأخرة، 16 عائلة منها في قرية عورتا وأربع عائلات في قرية مادما، وكلتاهما في منطقة نابلس. ويشير الاستقصاء الذي أجرته باحثة بتسيلم في منطقة نابلس، سلمى الدبعي، إلى نهج عمل كرّره الجنود في كلّ البيوت: مع دخولهم إلى البيت طالبوا بإيقاظ كل أفراد العائلة، بمن فيهم الأولاد، ثم سجّلوا أسماءهم وأعمارهم وأرقام هويّاتهم. وتنقّل الجنود بين غرف البيت وأجروا مسحًا لها من خلال تسجيل عدد الغرف وأحجامها وتفاصيل عن الأثاث الموجود فيها. ثم التقط الجنود صورًا لداخل البيوت ولواجهاتها ومداخلها. وفي غالبيّة الحالات كان بعض الجنود ملثّمين. ولا تعرف بتسيلم عن حالات اعتقال أثناء اقتحامات الجيش الاسرائيلي للقرى أو في أعقابها.

مهى قواريق مع زوجها وبناتها. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 27/4/2015.
مهى قواريق مع زوجها وبناتها. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 27/4/2015.

يتّضح من الاستقصاء أنّ جنودًا اسرائيليون حضروا بين 8 و25 نيسان إلى قرية عورتا عدّة مرات، ودخلوا ما مجموعه 16 بيتًا. مهى قواريق، (26 عامًا) متزوّجة وأم لثلاث بنات، تحدّثت مع بتسيلم حول اقتحام الجنود لبيتها يوم 8/4/2015:

قرابة الساعة 1:30 ليلًا استيقظتُ على صوت ضرب قويّ على الباب. استيقظت ابنتاي، جنان (4) وحلا (1.5) وبدأتا بالبكاء خوفًا. توجّهت إلى غرفتهما ووجدتهما إلى جانب باب الغرفة. حملتهما على يديّ كي أهدئ من روعهما. في تلك الأثناء فتح زوجي باب البيت ودخل منه عدّة جنود اسرائيليون. أمرنا أحدهم، الذي يرتدي قناعًا قماشيًّا أسود على وجهه، بإحضار كلّ الأولاد. قال زوجي إنّ لنا ثلاث بنات صغيرات فقط. أصرّ الجنديّ وقال "ليأت الجميع ويجلس هنا".

طلب أحد الجنود أن نخرج من البيت إلى الساحة، لكنّ زوجي رفض وسأله "لماذا تريدون إخراجنا من البيت بهذا البرد، ألا ترون أنّ بناتنا صغيرات؟". أمرنا الجنود بالجلوس على أرض الصالون وطلبوا منّا بطاقات الهويّة. أحضر لهم زوجي بطاقات الهويّة، لكنّه لم يعثر على بطاقتي. فطلب منهم الاكتفاء برقم هويّتي، الذي يظهر في ملحق بطاقة هويّته، لكنّ الجنود لم يوافقوا وأصرّوا على إحضار بطاقة هويّتي. أمسكت البنات بي ولم يسمحن لي بالقيام. في النهاية تنازل الجندي عن مطلبه، بسبب بكاء البنات على ما يبدو.

بدأ أحد الجنود بطرح الأسئلة على زوجي. كان يحمل ورقة مكتوب عليها بالعبريّة. سأل زوجي عن اسمه وعن مهنته وكم ابنة لنا، وطلب أسماءهنّ وتواريخ ميلادهنّ ورقم هاتف زوجي، ورغب أيضًا بمعرفة مساحة البيت وعدد الغرف فيه. في تلك الأثناء تجوّل الجنود في البيت ودخلوا كلّ الغرف.

قرية عورتا. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 26/4/2015
قرية عورتا. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 26/4/2015

في مساء يوم السبت، 25/4/2015، دخل جنود اسرائيليون –حسب الاستقصاء- بيت أربع عائلات في عورتا، وفي 28/4/2015 دخلوا بيت إحداها أيضًا، بعد أن فشلوا في مساء السبت بالتواصل مع نساء العائلة اللاتي كُنّ في البيت لأنهنّ لا يتحدّثن العبريّة. تحدّثت شمعة عواد (57 عامًا) مع بتسيلم حول الجنود الذين دخلوا بيتها مرتيْن، وهو البيت الذي تقطنه مع زوجها وإحدى بناتها:

في يوم الثلاثاء 28/4/2015، وقرابة الساعة 1:00، استيقظت على صوت قرع قويّ على الباب. استيقظ زوجي ونهض ليفتح، وأنا توجّهت إلى غرفة ابنتي أيمان (23 عامًا)، وأيقظتها. بدا الأمر غريبًا لأنّ الجنود سبق ودخلوا بيتنا يوم السبت، حين كان زوجي يعمل في ورديّة الليل. وعندما حضروا يوم السبت شعرنا أنا وابنتي بالخوف الشديد لأنّنا كُنّا وحدنا في البيت، ولم نفهم ما قاله الجنود لأنّ أحدًا منهم لم يتحدّث العربيّة.

عندما عادوا يوم الثلاثاء ليلًا، نزل زوجي إلى طابق المدخل كي يفتح للجنود، ثم صعد ثانيةً إلى الطابق الثاني حيث غرف النوم والصالون والمطبخ. صعد معه خمسة جنود ملثّمين، وصوّبوا أسلحتهم باتجاهنا. تحدّث معهم زوجي بالعبريّة. طلب الجنود منه بطاقات هويّتنا ورقم هاتفه وهاتف البيت. ثم صوّروا كلّ الغرف ووضعوا رسمًا تخطيطيًا لمبنى البيت على ورقة ثم انصرفوا.

ووثقت بتسيلم أيضًا اقتحامات ليليّة للبيوت في قرية مادما، ليلة 13/5/2015. ويتّضح من الاستقصاء أنّ قوّة عسكريّة اسرائيلية حضرت إلى القرية بعد منتصف اللّيل، واقتحمت أربعة بيوت لعائلة نصّار الموسّعة، أحدها ما يزال قيد البناء. وقد تطابق نهج عمل هذه القوّة العسكريّة مع ذلك الموثّق في عورتا: فقد سجّل الجنود أسماء كل أفراد البيت وتفاصيل بطاقات هويّاتهم، وأمروا الوالديْن بإيقاظ الأولاد، وأجروا مسحًا للبيت، وصوّروه ووثقوا مساحته ومحتوياته. ووثّق الجنود أيضًا الاقتحامات إلى البيوت والمباني المختلفة الواقعة في ساحاتها. وخلافًا لعورتا، سأل الجنود في مادما سكّان البيوت عن رشق الحجارة. وتقع قرية مادما بجوار شارع يصل إلى مستوطنة يتسهار، وتقع البيوت التي اقتحمها الجنود بجوار هذا الشارع، وأيضًا بجوار مدرسة للبنات كان يستخدمها في تلك الفترة في ساعات ما بعد الظهيرة طلاب مدرسة للبنين تخضع للترميمات.

عبير اشتيّة (33 عامًا)، تحدّثت عن اقتحام الجنود الاسرائيليون لبيتها، الذي تقطنه مع زوجها باسل نصّار وأولادهم الخمسة:

دخل ستة أو سبعة جنود بيتنا. طلبوا بطاقات الهويّة. جلبنا لهم البطاقات وسجّلوا تفاصيلنا على ورقة وطلبوا منا أن نحضر الأولاد. قال زوجي لهم إنّ الأولاد نائمون، وإنّهم سيشعرون بخوف شديد إذا ما أيقظناهم. قال الجنديّ إنّ هذا لا يعنيه، وإنّه يريد رؤية كلّ أفراد العائلة. بعد أن أيقظنا الأولاد أجرى الجنود تفتيشًا في البيت وصوّروه. بعدها خرجوا من البيت وداروا حوله ثم نادوا زوجي. بعد أن رحلوا قال لي زوجي إنهم أخذوه إلى حظيرة المواشي في الساحة وصوّروا كلّ المنطقة المحيطة بالبيت. وعندما رحل الجنود قالوا لزوحي إنّه إذا واصل طلاب مدرسة القرية رشق الحجارة على شارع يتسهار فإنّهم سيأتون كلّ ليلة لإزعاج السكّان.

يتّضح من إفادات السكّان ومن أنّ الجنود لم يتعقلوا أحدًا في هذه الحالات، ولم يحتجزوا أيّ شخص من سكّان البيت للتحقيق معه، أنّ هناك اشتباهًا بأنّ هذه الاقتحامات الليليّة للقوات العسكرية في قرية مادما تهدف لترهيب العائلات، ودفعها للعمل على وقف رشق الحجارة على الشارع.

وتشير تجربة بتسيلم في الماضي إلى أنّ الأحداث الموصوفة أعلاه هي جزء من نهج عمل يسمّيه الجيش "رسم خرائط"، وقد وُثّق أيضًا في مناطق أخرى من الضفّة الغربية، مثل الخليل والنبي صالح . وفي إطار هذه النشاطات، يقتحم الجنود البيوت ويقومون بعمليّات توثيق -بالصور في بعض الأحيان- لأفراد العائلة وللمبنى الذي يقطنونه، بما في ذلك مساحته وعدد الغرف ومداخله. وقد وُثقت نهج الجيش هذا بتوسّع في شهادات جمعتها منظمة "شوفريم شتيكاه" من جنود، يتّضح منها أنّ الغاية من وراء ذلك جمع المعلومات المتعلّقة بسكّان فلسطينيّين غير مشتبهين بارتكاب أيّ مخالفات.

في يوم الأربعاء، 20/5/2015، نُشر خبر في اذاعة "غالي تساهل" حول حول تدريب ليليّ أجرته قوّات الاحتياط الاسرائيلية في قرية عورتا. وأفاد الخبر بأنّ الجنود حضروا إلى القرية بعد أسبوع من التدريبات بغية فحص جاهزيّتهم، وتنقّلوا في القرية وعثروا على أهداف ومواقع حُدّدت لهم سلفًا، ودخلوا البيوت لأغراض استخباراتيّة. وقال المقدّم (احتياط) "إلعيزر جيطلمن" الذي تحدّث في التقرير، إنّ "قوّة تقوم برسم خرائط حقيقيّة دخلت الآن أحد البيوت وهي تقوم الآن بإجراء مسح له، فيتفحص المداخل ومن يسكن في البيت ومن لا يسكن فيه، في إطار خطة واسعة". واُقتبس ضابط آخر في ضمن التقرير، كان يرافق الحملة وعُرّف على أنّه "ضابط السكّان". وفي تطرّقه إلى المسّ بسكّان القرية، قال الضابط: "مع مضيّ الوقت فإنّ الجنود يدركون الحاجة من وراء التعامل مع المُركّب المدنيّ في القتال، إذ يوجد مدنيّون في المنطقة في نهاية المطاف، وهم يولون ذلك أهميّة ويهتّمون جدًّا بعدم إلحاق الأذى غير اللازم بهم".

خلافًا لأقوال الضابط حول جهود الجيش الاسرائيلي للامتناع عن المسّ بالسكّان، فإنّ الاقتحامات الليليّة لبيوت العائلات في ساعات الليل المتأخرة، هي أفعال غير معقولة وهي تثير الترهيب والإزعاج، من دون أيّ مبرّر. ويكتسب الأمر خطورة خاصّة عندما نتحدّث عن جنود مُلثّمين يُصوّبون أسلحتهم باتّجاه أفراد العائلة. ولم تنجح بتسيلم بتأكيد المعلومات الخاصّة بدخول الجيش إلى البيوت في الموعد المذكور في التقرير أو في الليلة السابقة لذلك. ومع ذلك، فإنّ التشابه الكبير بين نهج العمل الموصوف في التقرير وبين الإفادات التي جمعتها بتسيلم حول دخول القوّات إلى البيوت في أوقات أخرى، يثير الاشتباه بأنّ الجنود اقتحموا بيوت السكان في الحالات الموصوفة أعلاه، أيضًا، لغرض التدريب أو لغرض رسم الخرائط الذي لم نعرف الغاية من ورائه. لم يستجب المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي على رسالة بتسيلم عن الموضوع.

وكما أسلفنا، فإنّ بتسيلم لا تملك معلومات أكيدة بخصوص الحاجة الكامنة من وراء هذه العمليّات، ولكم من المرجّح أنّها تهدف لأحد هذه الأهداف الثلاثة، وكلّها غير شرعيّة، أو لدمج ما بينها: جمع المعلومات حول كلّ السكّان الفلسطينيّين من خلال اقتحام حياة وخصوصيّة غير المشتبهين بأيّ شيء؛ إجراء التدريبات التي تُحوّل بلدات وبيوت الفلسطينيّين إلى ديكور، وتجرّد الفلسطينيّين من إنسانيّتهم فيصبحون ممثلي كومبارس رغمًا عنهم؛ وترهيب الكسان بغية إجبارهم على الضغط على أولاد البلدات للتوقف عن رشق الحجارة.

تشير الأحداث الموصوفة أعلاه إلى أنّ الجيش الاسرائيلي يسيء استغلال صلاحيّاته وقوّته من أجل انتهاك روتين حياة عائلات بأكملها، مع أولادها الصغار، وانتهاك خصوصيّتهم. ويأتي ذلك كلّه من خلال دبّ الذعر والخوف في أناس لم يفعلوا شيئًا وليسوا مشتبهين بشيء. وبهذا، يُكرّس الجيش واقعًا يكون كلّ بيت فلسطينيّ فيه مقتحمًا ومعرّضًا لاقتحام القوّات العسكريّة في كلّ وقت، ومن دون قيد، حتى إذا لم يكن ثمة أيّ سبب لذلك. إنّ توثيق أربعة حوادث منفصلة ومتشابهة في مميّزاتها خلال شهر واحد، يقتحم الجيش فيها عشرين بيتًا، يشير إلى أنّ الحديث يدور عن سياسة عسكريّة ممنهجة، تعكس استخفافَ الجيش السّافر بكرامة الفلسطينيّين وبحقّهم بإدارة شؤون حياتهم من دون مضايقة. هذه سياسة لاغية ولا يمكن تبريرها بأيّ توسيغ يتعلّق بضرورة أمنيّة ما.

كلمات مفتاحية

المكان