Skip to main content
زيارة لأهالي الأسرى في سجن جلبوع في 5 آذار 2016. تصوير: حجاي أهرون /AFP/Getty Images
Menu
المواضيع

انتقام مصدّق قانونيًّا: محكمة العدل العليا أقرّت منع زيارة العائلات عن الأسرى من قطاع غزّة المنتسبين إلى حركة حماس

تفيد المعطيات أنّ إسرائيل تحتجز في سجونها (حتى نهاية نيسان 2019) المقامة داخل حدودها السياديّة، 303 أسرى فلسطينيّين من سكّان قطاع غزّة ومن ضمنهم قاصران اثنان.

يواجه سكّان القطاع الرّاغبون في زيارة أقربائهم الأسرى داخل إسرائيل مشقّات لا تُحتمل تفرضها عليهم إسرائيل خلافًا لأحكام القانون الدّولي: بين السّنوات 2007 و-2012 منعت إسرائيل هذه الزيارات تمامًا؛ وعندما جدّدت الزيارات - في تمّوز 2012 - وضعت شروطًا مشدّدة بحيث سمحت بالزيارة فقط لوالدي الأسير وزوجته ثمّ أخذت بالتدريج تسمح بالزيارة للأبناء أيضًا مع تقييد ذلك لمن هم تحت سنّ الـ16.

منذ 1.7.17 تمنع إسرائيل الزيارة عن الأسرى سكّان القطاع المنتسبين لحركة حماس وعددهم نحو 100 أسير. فُرض هذا المنع في أعقب قرار حكوميّ يجيز فرض قيود على سكّان القطاع، وبضمنها تشديد ظروف الأسر، بدعوى أنّ هذا سوف يشكّل ضغطًا على حماس التي تحتجز لديها كورقة مساومة، خلافًا لأحكام القانون ومبادئ الأخلاق، مواطنين إسرائيليّين هما أبره منغيستو وهشام السيّد وجثماني الجنديّين هدار جولدين وأورون شاؤول.

في أعقاب منع الزيارات رفع أربعة أسرى من سكّان قطاع غزّة المنتسبين لحركة حماس التماسًا إلى محكمة العدل العليا في شهر آب 2017. مؤخّرًا، في حزيران 2019 أي بعد مضيّ سنتين على تقديم الالتماس ردّ القاضي نيل هندل الالتماس في قرار حُكم وافق عليه القاضيان عنات بارون ويوسف إلرون.

يُفترض أن توفّر المحكمة العليا الحماية لسكّان محرومين من أيّ تمثيل ويعيشون تحت حُكم عسكريّ يديره احتلال أجنبيّ. إلّا أنّ قرارات المحكمة على مرّ السنين - في هذا الالتماس كما في التماسات أخرى قدّمها فلسطينيّون من الأراضي المحتلّة - أضفت مرّة تلو الأخرى طابع الشرعيّة القانونيّة على انتهاك حقوق الفلسطينيّين وضمن ذلك هدم المنازل والاعتقالات المديدة دون محاكمة وطرد تجمّعات سكّانيّة بأكملها والتعذيب أثناء التحقيق وإغلاق الطرق وانتهاك حقوق المشتبه فيهم والحقّ في إجراء منصف. إضافة إلى أنّ القضاة بهذه الممارسات يخلّون بواجبات وظيفتهم هم فوق ذلك يلعبون دورًا رئيسيًّا في ترسيخ وتعزيز نظام الاحتلال.

قرار محكمة العدل العليا في القضية 6314/17, نمنم ضدّ حكومة إسرائيل:

منذ بداية نصّ القرار يذكر القاضي هندل المبدأ الأعلى الأخلاقيّ - الدستوريّ المرتبط بالموضوع: السّجناء لا يفقدون حقوقهم مع دخولهم إلى السّجن و"عقوبة السّجن الواقعة على أيّ إنسان لا تسلبه في حدّ ذاتها كرامته ولا تحرمه من حقوقه الأساسيّة". ولكنّه يحدّد فورًا بعد ذلك أنّ هذا المبدأ لا يسري في الحالة التي أمامه لأنّ زيارة السّجين - حتى زيارة الأقارب من الدّرجة الأولى- ليست حقًّا وإنّما هي امتياز "منفعة" ومن صلاحيّة السّجن أن يمنحها للسّجين أو يمنعها عنه:

قد يرى أحدهم أنّ القطع التامّ لعلاقة السّجين بالعالم الخارجيّ عمومًا وبأسْرته على وجه الخصوص تشكّل انتهاكًا لحقوق دستوريّة تكفل حقّ العلاقة مع العالم خارج جدران السّجن وحقّ الحياة الأسَريّة… ولكن ما دام السّجين يملك أدوات اتّصال أخرى ينتهي منذ المرحلة الأولى النقد الدستوريّ لمنع الزيارات - حيث أنّ هذا الفعل [المنع] لا يرقى إلى المسّ بحقوق دستوريّة، ولا حاجة لفحصه على محكّ فقرة التقييد.

وينوّه القاضي هندل مشدّدًا: حقيقة أنّ الأمر عبارة عن تنفيع للأسرى "ليس فيها ترك الأخيرين لتعسّف الإدارة" وقرار إلغائها يجب أن يتمّ وفقًا للقانون وتبعًا لأحكام القانون الإداري وبالتالي أن "يقوم على تعليلات موضوعيّة" وأن "يستوفي شرطَي المعقوليّة والتناسبيّة".

يحلّل القاضي هندل أحكام القانون السّارية على زيارات الأسرى ويحدّد أنّ وزير الأمن الدّاخلي مخوّل الإيعاز إلى مصلحة السّجون بمنعها، لاعتبارات موضوعيّة "تشمل، إلى جانب الحفاظ على الإدارة السّليمة في السّجون، اعتبارات عامّة تخصّ الحفاظ على أمن الدولة". وهكذا "حماية أمن الدّولة، بمعناها الواسع، يُنظر إليها إذن كجزء لا يتجزّأ من الإدارة السّليمة في السّجون - ومن الاعتبارات التي ينبغي للمسؤولين أن يأخذوها في الحسبان".

الحقّ أنّ القاضي هندل يدرك أنّ منع الزيارات في الحالة المطروحة أمامه هدفه الضغط على حماس وأنّه "لا ينجم عن خوف معيّن من سوء استغلال الزيارات على يد أيّ من السّجناء". لكنّه لا يرى في ذلك أيّة مشكلة، فمنع الزيارة من حيث أنّه ليس عقوبة وإنّما إلغاء امتياز لا يحتاج إلى "ذنْب" يرتكبه السّجين. ويقول، بعد الإقرار بأنّ حماية أمن الدّولة تقع ضمن غايات القانون أنّ "السّؤال المركزيّ على مستوى الصّلاحيّة هو هل يعزّز قرار الوزير هذه الغاية - أيًّا كان التحدّي الأمني الذي جاء القرار ليعالجه".

يواصل القاضي محدّدًا أنّه "لا مبرّر للتأويل الذي يُخرج من نطاق الغاية الأمنيّة ذات الصّلة اعتبارات أمنيّة خارجة عن السّجين". لأجل ذلك يجلب اقتباسًا من قرار القاضي حنان ملتسر في شأن منع السّجناء الأمنيّين برمّتهم من الدّراسة في الجامعة المفتوحة ليحدّد من ثمّ أنّ مثل هذا التأويل يمسّ "بقدرة دولة إسرائيل على ’مكافحة الإرهاب بوسيلة إلغاء الامتيازات وضمن ذلك تفعيل ضواغط ضروريّة وشرعيّة ضدّ عمليّات تنفّذ لأجل المساومة تبادر إليها منظمات إرهابيّة لتحرير سجناء أمنيّين منسوبين إليها’ - كما قال زميلي ح. ملتسر، نائب رئيسة المحكمة".

قرار الحكومة منع الزيارات عن أسرى حماس ينسجم أيضًا مع أحكام القانون الإداري - يقول القاضي هندل. هو يرى أنّه قرار معقول حيث "ينشأ انطباع أنّ مواقف مهنيّة مختلفة طُرحت أمام وزير الأمن الدّاخلي غير أنّه لا سبب يوجب التدخّل في قراره تبنّي موقف منسّق الأسرى والمفقودين - الذي ينسب إليه المدّعى عليهم ’المعرفة والفهم والأدوات الأكثر مناسبة لتقييم تأثير وقف الزيارات على تنظيم حماس’. وفي غياب أساس للتدخّل في هذا القرار المهنيّ، لم أجد أنّ الموازنة التي اجراها وزير الأمن الدّاخلي تتجاوز نطاق المعقول".

ويضيف القاضي هندل أنّ المسّ بالأسرى في كلّ الأحوال "محدود" وشدّته "مقلّصة" - سواء لناحية عددهم أو لناحية الضرر اللّاحق بهم:

ينبغي أن نتذكّر أنّ قرار الوزير يمسّ بمجموعة صغيرة جدًّا من الأسرى - نحو 100 شخص من مجمل 6,000 سجين أمنيّ واكثر من 800 سجين لحماس. شدّة الضرر مقلّصة هي أيضًا حيث لم تفقد هذه المجموعة الصغيرة من الأسرى صلتها بالعالم الخارجيّ تمامًا؛ يُسمح لهم التواصل مع عائلاتهم بواسطة الرّسائل وحتى مقابلة رجال دين ومندوبي منظمة الصليب الأحمر الدّولي ومحامين وغيرهم.

يتابع القاضي هندل محدّدًا أنّ القرار تناسبيّ أيضًا:

على خلفيّة موقف منسّق الأسرى والمفقودين المذكور أعلاه، من السّهل تبيّن أنّ هناك رابط منطقيّ بين قرار الوزير والغاية الجوهريّة منه - الضغط على حماس سعيًا لإعادة المواطنين وجثامين شهداء جيش الدّفاع الإسرائيلي إلى إسرائيل… وفي غياب حقّ مكتسب في الزيارة، ونظرًا إلى وجود وسائل تواصُل بديلة متاحة للسّجناء تقلّل من شدّة المسّ المحتمل بالحقوق العامّة - الحق في العلاقة مع العالم الخارجي والحق في الحياة الأسريّة، يكفي ذلك.

لاحقًا يقول: "الفائدة الأمنيّة والإنسانيّة التي يمكن جنيها من سياسة منع الزيارات أي استرداد مواطني إسرائيل (ولنذكرهم بأسمائهم: أبره منغيستو وهشام السيّد) وجثامين شهداء جيش الدّفاع الإسرائيلي المحتجزين لدى حماس تربو على المسّ المحدود بمقدّمي الالتماس".

في نهاية القرار يكتب القاضي هندل أنّه "لم يبق إذن سوى التعبير عن الأمل بأن يساعد قرار الوزير - الذي يستوفي في الوقت الحاليّ شرطي المعقوليّة والتناسبيّة كما ذُكر - فعلًا في إعادة مواطني إسرائيل المحتجزين لدى حماس سالمين وأن يتيح جلب الرّاحة الأبديّة لشهداء جيش الدفاع الإسرائيلي، الملازم ثاني هدار غولدين والملازم أوّل أورون شاؤول، عليهما الرّحمة".

منع الزيارات يلحق ضررًا فادحًا بالأسرى وعائلاتهم

في قرار الحُكم قبل القاضي هندل حجج الدّولة كلّها تقريبًا وحدّد أنّ قرار حرمان أسرى حماس المقيمين في قطاع غزة من زيارة أسرهم جاء وفقًا للقانون وأنّه يلبّي شرطي المعقوليّة والتناسبيّة. لكنّ الكثير من حيثيّات قرار الحكم تثير عددًا من التساؤلات الجدّيّة:

أ. الأسرى من سكّان القطاع أصبحوا "ورقة مساومة" ووسيلة لنيل هدف خارج عنهم

يتعامل القاضي هندل مع الأسرى على أنّهم "ورقة مساومة" ضمن مفاوضات مع حماس وكأنّه من الشرعيّ استخدامهم كوسيلة لنيْل هدف خارج عنهم. المسّ بهم لا يتمّ بسبب سلوك أو تصرّف بدر عنهم أو عن أفراد عائلاتهم، ولذلك هم لا يملكون وسيلة للتأثير على القرار أو تغييره.

بذلك يتجاوز القاضي هندل ما كان متّبعًا حتى حينه في القرارات الصّادرة عن المحكمة. القرارات السّابقة التي تناولت قضايا مشابهة كانت تتأسّس على مخاوف عينيّة تتعلّق بالأسرى أنفسهم - وإن كانت تصريحيًّة فقط وتفتقر إلى مبرّر. في التماس رفعه سجناء أمنيّون مطالبين بإلغاء المنع الجارف للمحادثات الهاتفيّة، ادّعت الدّولة - وقبلت المحكمة حجّتها في ذلك - أنّ المنع ناجم عن الخوف من أنّ السّجناء "يقيمون صِلات هاتفيّة مع جهات معادية، وهذا من شأنه أن يمسّ بأمن الدّولة". وفي التماس رفعه سجناء حين منعتهم مصلحة السّجون من الدّراسة في الجامعة المفتوحة، حدّدت المحكمة أنّ المنع مبرّر لأنّ التنظيمات هي التي تدفع تكاليف الدراسة "مكافأة لهم على المخالفات التي ارتكبوها وأيضًا لتحفيزهم على مواصلة النشاط الأيديولوجي ضدّ الدّولة" وهذا من شأنه أن يشكّل خطرًا على أمن الدّولة. في حالة أخرى رفع عدد من الأسرى التماسًا إلى محكمة العدل العليا مطالبين بالسّماح لهم بلقاء أقربائهم ممّن ليسوا بدرجة قرابة أولى. وهنا أيضًا أشارت المحكمة إلى أنّ هناك احتمالات معقولة لاستخدام هذه الزيارات كوسيلة "لنقل رسائل" تمسّ بأمن الدّولة.

من الواضح أنّ تذرّع المحكمة العليا بـ"أمن الدّولة" في مثل هذه الحالات هو الطريقة المريحة لشرعنة المسّ بحقوق الأسرى - أيضًا في غياب الأدلّة على أنّهم قد يشكّلون خطرًا أيًّا كان. لكنّ القاضي هندل في الحالة الأخيرة قد أظهر الزيف حين نزع عن وجه المحكمة حتّى هذا القناع الرّقيق: الدولة والمحكمة على خُطاها يعترفان بملء الفم أنّهما يستخدمان الأسرى وأبناء عائلاتهم كأداة للضغط على حماس.

يقارن القاضي هندل قراره مع قرار سابق صدر عن المحكمة العليا كان قد حدّد أنّ احتجاز مدنيّين لبنانيّين رهن الاعتقال الإداري كـ"ورقة مساومة" في إطار المفاوضات لأجل استعادة رون أراد عملٌ مخالف للقانون. هنالك، وفقًا لتصوّره "هوّة شاسعة" بين الحالتين إذ إنّ هذا القرار يتحدّث عن اعتقال لفترة غير معروفة بينما في الحالة التي أمامه "لم يُنتهَك حقّ دستوريّ مكفول، حيث لا حقّ مكتسبًا للأسرى ولأبناء عائلاتهم في الزيارات ومن هنا لا مبرّر للتأويل الذي يُخرج من نطاق الغاية الأمنيّة ذات الصّلة اعتبارات أمن ’خارجة’ عن السّجين".

لكنّ أوجه الشبه بين الحالتين تربو على الفرق بينهما: في الحالتين يجري التعامل مع الإنسان كوسيلة لنيْل غاية ما. "هذه ليست نقلة ’كمّية’. إنّها نقلة ’نوعيّة’ - كما جاء على لسان القاضي أهرون براك في القرار الذي تناول المدنيّين اللّبنانيّين. التعامُل الأداتيّ مع الإنسان واستخدامه كورقة مساومة في لعبة أكبر منه - سواءٌ تعلّق الأمر باعتقاله أم بقطع صّلته مع عائلته - يسلبه كرامته كإنسان مستقلّ مسؤول عن مصيره.

يهدّد القاضي هندل أنّه لو اتّخذ قرار بأنّ منع الزيارات غير ممكن فعندها سوف "تتضرّر قدرة الدولة على مكافحة الإرهاب بواسطة الحرمان من الامتيازات". غير أنّ المنع "بواسطة الحرمان من الامتيازات" نتيجة مرغوب فيها بالذات: التعامُل مع إنسان كأداة لنيْل غاية لا قدرة له على التأثير فيها أمرٌ باطلٌ من أساسه ومن الحقّ أن تمتنع الدّولة عنه.

ب. إلغاء الزيارات انتهاك لحقوق الأسرى

يجري حبس السجناء الأمنيّين في ظروف تعزلهم عن العالم وعن عائلاتهم: إنّهم يُمنعون من إجراء محادثات هاتفيّة ومن العطل ومن الانفراد بالزوجـة وكلّها أمور تتيحها الدّولة للسّجناء الآخرين. والحالة هذه، كلّ ما تبقّى لهم - قبل منع الزيارات في 2017 - إمكانيّة لقاء جزء صغير من أبناء العائلة مرّة كلّ عدّة أسابيع لفترة زمنيّة قصيرة ومن خلف حاجز زجاجيّ.

يقلّل القاضي هندل من قيمة الانتهاك الناجم عن منع الزيارات دون أن يقدّم تفسيرًا مقنعًا، ويشدّد على أنّه "انتهاك محدود" مستندًا إلى حقيقة أنّ هؤلاء الأسرى "لم يفقدوا تمامًا الصّلة مع العالم الخارجي؛ يُسمح لهم التواصل مع عائلاتهم بواسطة الرّسائل وحتى مقابلة رجال دين ومندوبي منظمة الصليب الأحمر الدّولي ومحامين وغيرهم". من الصّعب أن نتصوّر كيف يعتقد القاضي أنّ إرسال الرّسائل للعائلة أو مقابلة مختلف أصحاب الوظائف قد يشكّلان بديلًا عن لقاء الأحبّة وجهًا لوجه.

إسرائيل هي التي اختارت - ضمن خرْق أحكام القانون الدوليّ - احتجاز هؤلاء الأسرى داخل حدودها ومن هنا يقع عليها أن تتيح الزيارات دون أيّة قيود تعسّفيّة من منطلق الإدراك أنّ الحفاظ على العلاقة مع العائلة هو أحد الحقوق الأساسيّة لكلّ إنسان حتى لو كان سجينًا. زيارات العائلات لأبنائها السّجناء تتمّ بشكل روتينيّ لدى عموم السّجناء في إسرائيل وكذلك السّجناء الأمنيّين الذين من الضفة الغربيّة. لا تُمنح الزيارة مكافأة على سلوك جيّد وإنّما كحقّ للسّجناء في الصّلة مع العالم الخارجيّ وحقّهم في مواصلة الحفاظ على حدّ أدنى من العلاقة الأسريّة.

حتّى قضاة المحكمة العليا نفسها الذين يقتبس القاضي هندل من قراراتهم اعترفوا بأهمّية الحفاظ على العلاقات الاسريّة بالنسبة للسّجناء - علمًا أنّهم رفضوا في نهاية المطاف اعتباره حقًّا مكتسبًا واكتفوا بالتعامُل معه كـ"مكافأة" أو منفعة يمكن بالتالي سحبها أو إلغاؤها. هكذا، في قرار تناول حقّ السّجناء الأمنيّين في زيارات من أقارب لا تربطهم بهم قرابة من درجة أولى حدّد القاضي دنتسيجر:

الحقّ في الحفاظ على الخليّة الأسريّة هو حقّ يفوق في قوّته حقّ التواصُل والعامل مع أطراف أخرى لا تشكّل جزءًا من الخليّة الأسريّة للسّجين وذلك بسبب قوّة الحقّ في الأسرة والقدرة على ممارسة إلى حدّ ما حقّ حرّية التعبير في إطار الحفاظ على العلاقة مع أبناء الأسرة… لا يمكن التقليل من أهمّية مقابلة السّجين وجهًا لوجه مع زوّار فهذا الأمر لا يستوي مع رسالة أو محادثة هاتفيّة من ناحية مستوى العلاقة ونوعيّتها".

في القرار نفسه تحدّد القاضية فروكاتشيا ما يلي:

يمكن النظر إلى العطل والزيارات الممنوحة للأسرى على أنّها جزء من حقوق الإنسان المكفولة لهم، حتى وهم في السّجن، والتي لا يجبّها بالضرورة سلب حرّيتهم الناجم عن الأسر بموجب العقوبة. الخروج في عطلة أو الزيارة يشكّلان جزءًا من لبنات بناء علاقة الإنسان-السّجين مع العالم ومع محيطه القريب. إنّه يحتاجهما من أصل خلقه. إنّهما جزء من تجربته كإنسان؛ إنّهما جزءٌ من كرامته كإنسان. هما يسهمان إسهامًا هامًّا في رفاهيّته وتأهيله خلال فترة سجنه.

جـ. إلغاء الزيارات انتهاك لحقوق عائلات الأسرى

يتجاهل القاضي هندل تمامًا المسّ الخطير بأفراد العائلات الذين فُرض عليهم معاناة القطيعة التامّة عن أعزّائهم المحتجزين في سجون إسرائيل داخل حدودها السياسديّة - أي أنّه لا يمكنهم الوصول إليهم دون موافقة صريحة من إسرائيل. ثمّ أنّ يوم الزيارة - حين كانت الزيارات تتمّ - كان جلّه سفر مُضنٍ ولقاء لوقت قصير حيث يخرج الزّائرون من منزلهم قبل طلوع الفجر، يخضعون لتفيشات مهينة قبل الزيارة ولا يعودون إلى منازلهم إلّا وقد حلّ المساء. الزيارة نفسها كانت قصيرة، ولم يُسمح لهم خلالها حتى بمعانقة أحبّائهم. ومع ذلك كانت الزيارات هي سبيل الوصْل الوحيد بين العائلات والأسرى.

في الإفادات التي أدلى بها أمام بتسيلم بعض من أبناء الأسر في قطاع غزّة يظهر كم هي شاقّة وغير محتملة القطيعة المفروضة عليهم قسرًا. على سبيل المثال، في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، وصفت آمنة الزّوارعة البالغة من العمر 39 عامًا وهي متزوّجة وأمّ لخمسة أولاد شوقها لزوجها إبراهيم المعتقل منذ نهاية عام 2009:

في بداية عام 2013 (بعد تجديد الزيارات) صرت أزور إبراهيم في سجن نفحة. كنت أزوره مرّة كلّ ثلاثة أشهر، وجميع الزيارات كانت صعبة جدًّا بسبب التفتيش ومنع إدخال الملابس والأكل والماء. حتى عندما كان يأتي معي أولادي الصّغار كانوا يمنعون إحضار الأكل والشرب لأجلهم. كانت مدّة الزيارة 45 دقيقة فقط، وهذا لم يكن كافيًا أبدًا. حتّى أنّهم كانوا يمنعون أولادي من الدّخول إلى أبيهم ومعانقته. كانوا فقط يتحدّثون إليه عبر الحاجز الزجاجيّ. أحيانًا، في الدقائق العشر الأخيرة من الزيارة، كانوا يسمحون لمحمد ابني بالدخول والجلوس إلى جانب والده ومعانقته.

الصّلة الوحيدة لي مع زوجي هي الرّسائل والصّور التي يرسلها بواسطة الصّليب الأحمر. الأولاد مشتاقون إليه كثيرًا، يريدون سماع صوته ورؤيته. إنّهم يسألونني دائمًا متى يمكنهم الذهاب لزيارة آبيهم في السّجن. ابني فراس، وهو اليوم في الـ16 من عمره، نسي ملامح وجه والده. أحسّ بأنّه لا يعنيه سماع شيء عنه.

ليلى الطناني الممنوعة من زيارة ابنها منذ العام 2016. تصوير: الفت الكرد، بتسيلم، 25.6.19

ليلى الطناني البالغة من العمر 53 عامًا وهي أمّ لسبعة أولاد ووالدة الأسير ممدوح (32 عامًا) المعتقل في إسرائيل منذ شهر آب 2007. في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، وصفت ليلى الصعوبات التي تواجهها جرّاء منع الزيارات:

طيلة خمس سنوات تقريبًا لم أتمكّن من زيارة ممدوح. فقط في عام 2012 صرت أزوره. في تلك الفترة كانت الرّسائل التي يرسلها إليّ وسيلة التواصل الوحيدة معه. كانت رسائله تذيب حتى قلبًا من حجر. كنت أبكي شوقًا كلّما قرأتها. لم يكن بمقدوري التحدّث معه عبر الهاتف، والرّسائل لم تكن لتكفي.

في عام 2012 سُمح لعائلات الأسرى من قطاع غزّة بزيارة أبنائهم في السّجون الإسرائيليّة. كدت أطير فرحًا لأنّني سأرى ممدوح للمرّة الأولى بعد خمس سنوات. في الزيارة الأولى - إلى سجن ريمون - لم أصدّق أنّني قد وصلت. ذهبت إلى السجن وحدي. عندما رأيت ممدوح أجهشت ببكاء شديد فطلب منّي أن لا أبكي. قلت له هذه دموع فرح، الفرح برؤيته. استمرّت الزيارة 45 دقيقة فقط، أحسست أنّها لا تكفي للجلوس قبالته ومشاهدته. ومع ذلك عدت إلى المنزل سعيدة. واصلت زيارة ممدوح مرّة كلّ ثلاثة أشهر - وحدي، لأنّ الجيش لم يسمح لوالده وإخوته وأخواته بزيارته. في عام 2014 سمحوا أخيرًا لزوجي بزيارته. داومنا على الزيارة إلى أن منعوا زيارة أسرى حماس.

في عام 2016، خلال شهر أيلول، قصدنا أنا وزوجي لزيارة ابني ولكن عندما وصلنا إلى حاجز إيرز أخذنا الجيش الإسرائيلي للتحقيق ولم يسمح لنا بالصّعود إلى الحافلة مع بقيّة العائلات. احتجزنا في إيرز طوال اليوم، حتى المساء، ثمّ عدنا إلى المنزل دون أن نذهب لزيارة ممدوح. عندما انطلقت الحافلة من حاجز إيرز دوننا مع بقيّة عائلات الأسرى أحسست أنّ قلبي سافر معهم لشدّة ما تمنّيت لو أنّني في الحافلة. منذ ذلك اليوم لم نتمكّن من زيارة ابني.

إنّها فترة صعبة أقضيها في التحسّر والبكاء على ممدوح وعلى حياته التي تذهب هباءً في السّجن. أحسّ أنّ قلبي يحترق فعلًا وأحيانًا أحبس دموعي لئلّا يراني زوجي وأولادي أبكي.

في إحدى زياراتي لممدوح سمحت لي إدارة السّجن بالتقاط صورة معه. صرت أصرخ من شدّة الفرح. دخلت إليه وعانقته وبكيت من السّعادة. لقد كانت تلك لحظات لا تُنسى. ليتها تتكرّر.

اسعد أبو صلاح مع أحفاده منى ومصطفى الممنوعين من زيارة والدهم في السجن. تصوير: الفت الكرد، بتسيلم، 26.6.19

أسعد أبو صلاح البالغ من العمر 56 عامًا وهو أب لـ12 ولدًا اثنان منهم أسيران في سجون إسرائيل وهو نفسه أسير محرّر كان قد أطلق سراحه ضمن صفقة شاليط في تشرين الأوّل عام 2011 - لهذا السّبب تمنعه إسرائيل من زيارة ولديه في السّجن، حتى في الفترة التي كانت تسمح فيها بزيارة أسرى حماس. في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، قال:

أنا أتواصل مع ولديّ عبر الرّسائل. هم يكتبون إليّ، يسألونني كيف حالك، وكيف حال العائلة. لكنّ الرّسائل لا تكفي. أنا أشتاق لولديّ كثيرًا. أريد أن أسمع صوتهما، أن أشاهد شكل وجههما وأحسّ نبرة صوتهما. أتمنّى أن أراهما وقد تحرّرا في القريب العاجل.

د. إلغاء الزيارات لا ينجم عن "اعتبارات أمنيّة" بل عن رغبة في الانتقام لا غير

لكي يبرّر القاضي هندل إلغاء الزيارات يلجأ إلى "اعتبارات أمنيّة عامّة" من ضمنها "الحاجة الأمنيّة" إلى استرداد المواطنين الإسرائيليّين وجثامين الجنود. لكنّ هذه الاعتبارات لم تردْ مطلقًا في النقاش العامّ الذي جرى خارج جدران المحكمة حول ظروف سجن الأسرى الأمنيّين. عوضًا عن ذلك، ركّز هذا النقاش أساسًا على الرّغبة في الانتقام من حماس التي تمنع زيارة مواطنين إسرائيليّين تحتجزهم كرهائن وفي الرّغبة في مساواة ظروف السّجناء المحتجزين في إسرائيل لتلك التي تفرضها حماس على المواطنين الإسرائيليّين الذين تحتجزهم.

مشروع القانون الذي قدّمه عضو الكنيست السّابق أورن حزان - والذي حظي بدعم الحكومة ومرّ في القراءة التمهيديّة - يحدّد أنّه يجب منع زيارات عائلات أسرى حماس. لقد طرح مشروع القانون بصريح العبارة الحاجة إلى إجراء "موازنة" في العلاقة: إذا كانت حماس تمنع الزيارات فنحن أيضًا لن نسمح بها:

إذا احتجز تنظيم إرهابيّ أو تنظيم معرّف كإرهابي مواطنًا إسرائيليًّا مخطوفًا أو أسيرًا ومنع عنه زيارة مندوب حكومة إسرائيل أو مندوب أيّة منظمة إنسانيّة متّفق عليها أو زيارة فرد من عائلته، لا تحقّ عندها الزيارة لسجين أمنيّ منتسب لذاك التنظيم الإرهابيّ أو يتماثل معه، ما عدا زيارة محامٍ أو مندوب منظمة الصّليب الأحمر الدوليّ.

في فقرة شرح مبرّرات القانون جاء:

لقد نشأ وضع لا يُحتمل حيث منظمات الإرهاب، كاستراتيجيّة، تخطف وتحتجز مواطنين إسرائيليّن دون الاكتراث إلى ظروفهم ودون السّماح بزيارتهم، ممّا يمسّ كثيرًا بالمعنويّات والمناعة القوميّة لدولة إسرائيل. وفي المقابل، تسمح دولة إسرائيل بزيارة السّجناء الأمنيّين الأعضاء في منظّمات الإرهاب. جاء مشروع القانون لكي يعالج انعدام التلاؤم بين الظروف التي تحتجز فيها إسرائيل الإرهابيّين الذين يُلحقون بها الأذى، وبين الظروف التي تحتجز فيها منظمات الإرهاب المختطفين الإسرائيليّن: أبره مانغيستو، هدار غولدين وأورون شاؤول.

لدى مناقشة مشروع القانون في الكنيست، في تشرين الأوّل 2018، حاول وزير الأمن الدّاخلي، جلعاد أردان، الادّعاء أنّ هدف منع الزيارات "أن نزيد عليهم الضغط"، لكي "يريدوا هم أيضًا أن يعود أسرانا إلى بيتهم". لكنّه سارع إلى التوضيح بأنّ الهدف الحقيقيّ للقانون هو إتاحة وضع حدّ "لعبثيّة انعدام التناظُر بين ظروف مواطني إسرائيل الأسرى لدى حماس بدون محاكمة وظروف المخرّبين هنا، لدينا". تعقيبًا على قرار القاضي هندل في هذا الملفّ سارع الوزير أردان إلى الترحيب بالقرار منوّهًا أنّه "ليس من المنطق ولا من الأخلاق أن نتيح الزيارات العائليّة للمخرّبين حقيرين ما دامت حماس تحتجز جثامين جنودنا ومواطنين إسرائيليّين".

وهذا هو مختصر الحكاية كلّها: لا "اعتبارات أمن عامّة" ولا "شرط التناسبيّة" ولا الموازنة بين "منافع" وبين اعتبارات جدّية هي الأمور التي قام عليها قرار منع زيارات العائلات عن أسرى حماس سكّان قطاع غزة. في نهاية الأمر ما أدّى إلى هذا القرار هو "عبثيّة اللّاتناظُر" وبعبارة أقل فذلكة: مجرّد انتقام.

 

المكان