Skip to main content
ناصر مصبح، 11 عامًا، مع شقيقتيه المسعفتين اللّتين تطوّع معهما في الهلال الأحمر. قتل بنيران قوّات الأمن في 28.9.18. تصوير أحمد النجار.
Menu
المواضيع

المظاهرات في قطاع غزة: تحقيق حول ملابسات مقتل أربعة قاصرين بنيران إسرائيلية

פארס א-סרסאווי. התמונה באדיבות המשפחה
فارس السّرساوي. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

منذ أن كان فارس رضيعًا وغزّة تنوء تحت الحصار الإسرائيليّ. لقد شهد حروبًا ثلاثة. لم تكن طفولته لتشبه طفولة أطفال العالم الآخرين. لقد رأى الدبّابات الإسرائيليّة وسمع قصف الطائرات وطلقات الرّصاص الحيّ… كما أنّه ترعرع في عتمة انقطاعات الكهرباء. في يوم الثلاثاء الموافق 5.10.18 ونحو الساعة 18:0 جاء شبّان إلى باب منزلنا وأخبروني أنّ فارس أصيب بجراح طفيفة في الكتف. ظننت أنّ إصابته ليست خطيرة ولكن فجأة رأيت تجمّعًا كبيرًا من الأقارب والجيران قرب المنزل. قالوا لي إنّ إصابة فارس ليست خطيرة ولكن أخذ ينتابني القلق فطلبت من أبناء إخوة زوجي أن يقولوا لي الحقيقية وأن يخبروني إن كان فارس قد استُشهد، فقالوا لي نعم.  

الأقوال أعلاه أدلت بها والدة فارس، فاطمة السّرساوي البالغة من العمر 43 عامًا، في إفادة أدلت بها يوم 1.11.18 أمام الباحثة الميدانيّة لدى بتسيلم ألفت الكرد. السيّدة فاطمة متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد، وقد أدلت بإفادتها في أعقاب مقتل ولدها فارس ابن ال13 عامًا بنيران قوّات الأمن خلال مظاهرة جرت في 5.10.18 قرب الشريط الحدودي شرقيّ مدينة غزة. 

لم يكن السّرساوي الضحيّة الوحيدة. هناك على الأقل 31 قاصرًا قُتلوا منذ بدأت مظاهرات "مسيرات العودة" قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة يوم 30.3.18. من هؤلاء الضحايا هناك 21 تحت سنّ الـ16 وثلاثة لم يتجاوز عمر الواحد منهم 11 عامًا. في شهر تشرين الأوّل نشرنا نتائج تحقيق أجرته بتسيلم حول ملابسات مقتل أربعة قاصرين وفي ما يلي نتائج تحقيق حول ملابسات مقتل أربعة قاصرين آخرين. 

عدد المشاركين في المظاهرات الاحتجاجيّة العارمة التي تجري منذ ذلك الحين يتراوح بين مئات وعشرات الآلاف في كلّ مظاهرة. خلال هذه المظاهرات، التي تجري عادة في أيّام الجمعة، يحاول جزء من المتظاهرين برشق الحجارة وتخريب الشريط وبعضهم تجاوزه كما يلقى بعضهم القنابل اليدوية والعبوات محلية الصنع والزجاجات حارقة نحو عناصر قوّات الأم المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. في الجهة الأخرى من الشريط ينتشر عناصر قوّات الأمن ويطلقون من خلف تحصيناتهم الغاز المسيل للدّموع والرصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. منذ بدأت موجة المظاهرات الحاليّة قُتل بنيران عناصر قّوات الأمن أكثر من 180 متظاهرًا بينهم 31 قاصرًا على الأقلّ وجُرح أكثر من 5,800 متظاهر. الغالبية العظمى من القتلى والجرحى لم تشكّل أيّ خطر على عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. هذه الأعداد الهائلة من القتلى والجرحى هي نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المنطقة المتاخمة للشريط الذي يعزل قطاع غزّة، وفي المظاهرات التي تجري قربه. ومع أنّ النتائج الفتّاكة لهذه السياسة الإجراميّة معروفة سلفًا، ترفض السلطات الإسرائيليّة تغيير تعليمات إطلاق النار، ممّا يؤكّد استهتارها بحياة الفلسطينيّين وعدم اكتراثها بموتهم. عوضًا عن ذلك، يدعم رئيس الحكومة ووزرائه مواصلة تطبيق هذه التعليمات، ويواصل الجيش العمل بموجبها - بل هو يعزّزها عبر منظومة الطّمس التي يديرها والتي تضمن ألّا يحاسَب أحد على قتل الفلسطينيّين، سوى في حالات نادرة جدًّا. 

أدناه، جزء من الإفادات المعلّقة بأربع من القاصرين الـ31 الذين قتلتهم إسرائيل حتى تاريخ 5.11.18: ناصر مصبح البالغ من العمر11 عامًا وفارس السّرساوي البالغ من العمر 13 عامًا وأحمد أبو حبل البالغ من العمر 15 عامًا وصهيب أبو كاشف البالغ من العمر 16 عامًا. 

مقتل ناصر مصبح البالغ من العمر 11 عامًا شمالي بلدة خزاعة في 28.9.18

Thumbnail
ناصر مصبح، 11 عامًا، يشارك في إحدى المظاهرات. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.

في يوم الجمعة 28.9.18 نحو الساعة 16:00 حضر إلى مظاهرة جرت شماليّ خزاعة ثلاثة أشقاء من سكّان خان يونس من عائلة مصبح: مسعفتان متطوّعتان هما إسلام ابنة ال19 عامًا ودعاء ابنة ال17 عامًا وشقيقهما ناصر ابن ال11 عامًا وهو متطوع في الهلال الأحمر. 

تقدّمت الشقيقتان نحو الشريط لأجل إسعاف المتظاهرين المصابين وأبقيتا أخاهما الصغير في منطقة الخيام على بُعد نحو 300 متر من الشريط. بعد مضيّ ساعتين نحو الساعة 17:54 أصيب ناصر بالرصاص برأسه عندما كان على بُعد نحو مائة متر من الشريط.


المسعف عبد الرحمن أبو طعيمة البالغ من العمر 24 عامًا من سكّان عبسان الكبيرة وهو متطوّع في طاقم مسعفين يحمل اسم المسعفة رزان النجّار والذي يتطوّع ضمنه أبناء عائلة مصبح أيضًا. كان عبد الرحمن في المظاهرة نفسها حيث يقدّم الإسعاف للمصابين.


في إفادة أدلى بها يوم 1.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وصف عبد الرحمن كيف أصيب الفتى ناصر مصبح:

Thumbnail
عبد الرحمن أبو طعيمة. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 1.10.18

عند الساعة 17:30 بعد أن أسعفت متظاهرًا أصيب قرب الشريط عدت متوجّهًا نحو الخيام لكي أستريح قليلًا. في طريق عودتي إلى هناك رأيت ناصر مصبح يجلس تحت شجرة زيتون مع المسعفة إسلام عوكل وهي مديرة طاقم المسعفين الذي اتطوّع ضمنه. كان ذلك على مسافة نحو عشرة أمتار شماليّ شارع جكر. كان ناصر يلبس ملابس سوداء. قلت لإسلام أنّني أريد أن أستريح قليلًا. بعد أن استرحت بضعة دقائق عدت إلى منطقة المظاهرات. في الطريق التقيت دعاء مصبح شقيقة ناصر، على بُعد نحو ثمانين مترًا من السّلك اللّولبيّ الموضوع على مسافة نحو 15 مترًا من الشريط العازل. سألتني دعاء إن كنت قد رأيت أخاها ناصر. قلت لها إنّه مع إسلام عوكل. اتّصلت دعاء مع إسلام وطلبت منها أن ترسل معدّات طبّية مع أخيها. جلب ناصر المعدّات وسلّمها لدعاء وعندها بقي واقفًا قربنا لبضعة دقائق. طلب المسعف بكر قديح ابن ال 29 عامًا من ناصر أن يبتعد إلى الوراء لأنّنا كنّا في منطقة خطرة. عاد ناصر إلى الوراء. أنا غادرت المكان إلى موقع آخر ولكن بقيت على نفس المسافة من الشريط. 

عند الساعة 17:45 رأيت شخصًا يقترب من الشريط. أطلقوا نحوه طلقات تحذيريّة فتراجع هو إلى الوراء. بعد ذلك مباشرة سمعت طلقتين ورأيت شخصًا يقع على الأرض وكان على بُعد 90 مترًا من الشريط. كان أمامي وعلى بُعد بضعة أمتار منّي. تقدّمت نحوه فرأيت أنّه مصاب في كلتي رجليه. قدّمت له الإسعاف الأوّلي. ثمّ سمعت شبّانًا على بُعد بضعة أمتار منّي يقولون: "شهيد شهيد". تركت المصاب وقد أخلاه شبّان آخرون. عدت إلى الخلف نحو الشبّان والشهيد فرأيت أنّهم يتحلّقون حول ناصر - الذي كان ملقًى على الأرض وعلى بُعد نحو 70 مترًا من السّلك اللولبيّ. كان مصابًا برصاصة في رأسه. عندما رأيت ناصر ينزف من الرأس انتابتني الصّدمة ولم أتمكّن من فعل شيء. كنت على يقين بأنّه قُتل لأنّه لم يتحرّك. 

بعد ذلك حمله بعض الشبّان وركضوا به إلى سيارة الإسعاف وركضت أنا خلفهم. صعدت إلى سيارة إسعاف أخرى، كان في داخلها المصاب الذي أسعفته من قبل عندما أصيب ناصر. توجّهت سيّارتا الإسعاف إلى العيادة الميدانيّة وتقع على بُعد نحو 700 متر غربيّ الخيام. أخذ الأطبّاء يحاولون إنقاذ ناصر. ذهبت لأطمئن عن حال الشابّ الذي أسعفته من قبل وأيضًا صوّرته بكاميرا فيديو. قالت لي إحدى المسعفات أنّ ناصر قد نُقل إلى المستشفى الأوروبي.

أ. ط. البالغ من العمر 27 عامًا وهو مسعف متطوّع من سكّان عبسان الكبيرة، إدلى بإفادته يوم 7.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وروى ما يلي:

نحو الساعة 17:45 أطلق الجنود النار نحو المتظاهرين - وكان هناك الكثير من المتظاهرين في ذلك اليوم. رأيت فتًى يقف وينظر نحو الخيام. كان على بُعد نحو 70-80 مترًا من السّلك اللولبيّ. وقع الفتى على الأرض. كنت أبعد عنه مسافة عشرة أمتار تقريبًا. ركضت إليه وعندما وصلت وجدته ملقًى على ظهره، وفي رأسه جُرح وجزء من دماغه خارج الجمجمة. حملناه وركضنا به نحو سيارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر. لم أميّزه ولم أعرف أنّ المصاب هو ناصر مصبح. بعد ذلك عدت إلى منطقة المظاهرات وتابعت عملي.

كان ناصر يشارك في مسيرات العودة في كلّ يوم جمعة وكان يجلب المعدّات الطبّية من العيادة الميدانيّة إلى منطقة المظاهرات. ولكن لأنّ وجه الفتى المصاب كان مليئًا بالدّماء، وكلّ شيء جرى بسرعة، لم أدرك أنّه ناصر. 

المسعفة دعاء مصبح البالغة من العمر 17 عامًا - شقيقة ناصر أدلت بإفادتها يوم 8.10.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، حيث تحدّثت عن أخيها:

عندما كنت منشغلة بإسعاف مصابي الغاز المسيل للدّموع بالقرب من الشريط لاحظت أنّ أخي ناصر ليس موجودًا إلى جانبي خلافًا للعادة. أخذت في البحث عنه وسألت شقيقتي إسلام عنه وإذا به يأتي ويناولني محلولًا ويغادر المكان. 

عند الساعة 18:30 قلت لإسلام أنه قد حان وقت العودة إلى المنزل وأنّ علينا البحث عن ناصر. بحثت عنه ولم أجده وكذلك المسعفون الذين سألتهم عنه لم يعرفوا أين هو. توجّهت إلى مراكز الإسعاف في الموقع وسألت عنه فقالوا إنّ هناك فتًى أصيب وحالته خطيرة. ذهبت إلى منطقة الخيام وعلى وجه التحديد - إلى خيمة العيادة الميدانيّة لكي أبحث عنه هناك. راجعت السجلّات الطبّية بحثًا عن اسمه ولكن لم أجده. انتظرت في العيادة الميدانيّة. في هذه الأثناء هاتفتني والدتي وقالت لي إنّ ناصر لم يعد إلى المنزل بعد. 

جاء رجل أمن إلى العيادة الميدانية وهاتف المستشفى الأوروبي فأرسلوا له صورة لفتًى استُشهد. نظرت فعرفت فورًا أنّه ناصر. إسلام لم تصدّق. قالت أنّ هذا ليس هو. 
توجّهنا فورًا إلى المستشفى أنا وإسلام وذهبنا إلى غرفة ثلّاجات الموتى لأجل التعرّف على الجثّة. عندما رأيته عرفت فورًا أنّه هو. أخذنا أنا وإسلام في البكاء والصراخ. كنّا في صدمة. الأشخاص الذين كانوا هناك أخذونا إلى الخارج ونحن نبكي ونصرخ. لم نصدّق أنّ هذا يحدث لنا. كيف يمكننا استيعاب ما حدث؟ ناصر أتى معنا إلى المظاهرة وعدنا بدونه، كيف يمكن استيعاب ذلك؟ لقد سقط أخي الصغير شهيدًا. 

في اليوم التالي، يوم السبت، ودّعنا أخي الصغير ناصر في منزلنا وصلّينا لأجله مع جميع أفراد العائلة. كان الافتراق عنه صعبًا جدًّا. احتضنته وقبّلته وبكيت كثيرًا. لم أصدّق أنّ هذا قد حدث له. لقد كان فتًى صغيرًا ولم يفعل شيئًا. لم يحمل سلاحًا ولا قنابل ولا رصاصًا. لقد أطلقوا النار عليه دون أيّ سبب.

ناصر لم يكن أخى فقط. لقد كان كلّ شيء بالنسبة إليّ. كان ينام إلى جانبي، يأكل معي، ولم يكن يفارقني. حتى في المظاهرات لم يكن يفارقني، كان يريد مرافقتي طيلة الوقت. كان يجلب المعدّات الطبية ليساعدني ويساعد شقيقتي إسلام. كان يعرف اللغة الانجليزية بمستوى يجعله يتعرّف على أسماء التجهيزات الطبّية وقد درس دورة إسعاف أوّلي من 30 ساعة في مؤسّسة الهلال الأحمر الفلسطيني ولكنّه لم يحصل على شهادة نظرًا لصغر سنّه. ناصر كان يحلم أن يصبح طبيبًا ولذلك كان يحبّ المجيء معنا إلى المظاهرات كمسعف متدرّب. أدعو الله أن يتغمّده بواسع رحمته وأن يصبّرنا على فراقه.

مقتل فارس السّرساوي البالغ من العمر 13 عامًا شرقي مدينة غزة في 5.10.18

في يوم الجمعة 5.10.18 نحو الساعة 16:00 استقلّ فتيان اثنان من سكّان مدينة غزّة - فارس السّرساوي البالغ من العمر 13عامًا وقريبه محمد وجيه السّرساوي البالغ من العمر 12 عامًا درّاجة "توك توك" واتّجها إلى مظاهرة جرت شرقيّ مدينة غزّة وكانا يحملان معهما إطاران سيّارات. عندما وصلا إلى منطقة المظاهرة تقدّم الاثنان نحو الشريط أشعلا الإطارات وألقيا بأحدها إلى الجهة الأخرى من الشريط كما رشق كلاهما الحجارة. قُتل فارس السّرساوي حين كان ينقل إطارًا نحو الشريط وكان على بُعد نحو خمسة أمتار منه. 

محمد السّرساوي أدلى بإفادته أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، يوم 7.10.18، محدّثًا بما يلي:

מוחמד וג'יה א-סרסאווי. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 7.10.18
محمد وجيه السّرساوي. تصوير: محمد صباح, بتسيلم, 7.10.18

عندما وصلنا، دحرجنا الإطارات إلى جوار الشريط ثمّ أشعلناها. بعد ذلك دحرجنا إطارًا عبر ثغرة في الشريط كان أحدهم قد فتحها من قبل ثمّ رشقنا الحجارة. في مرحلة معيّنة تسلّق فارس الشريط الرئيسي وألقى إطارًا نحو الجهة الأخرى منه. بعد ذلك بينما كنّا ننقل إطارًا إلى جوار الشريط وقع فارس فجأة على الأرض على بُعد بضعة مترات من الشريط. رأيت دماءً تسيل من جهة صدره اليمنى. أمسكت به وأجهشت في البكاء عليه. 
جاء شابّ يلبس جلبابًا أسود، حمل فارس وأخذه إلى سيارة الإسعاف. وبينما أنا أركض خلفه جاء ابن عمّي محمد أسعد السّرساوي فأخبرته أنّ فارس قد أصيب، وعندها أخذ فارس ووضعه بمساعدة المسعفين على نقّالة وتابعوا طريقهم إلى سيارة الإسعاف. ركضت من منطقة الخيام نحو منزلنا، لكي أخبر عائلتي أنّ فارس قد استُشهد ولكنّهم لم يصدّقوني. توجّهت نحو المستشفى وهناك تبيّن لي أنّ فارس قد توفّي. بكيت عليه كثيرًا وكنت حزينًا جدًّا لفراقه. لقد كانت تربطنا الصداقة والقرابة العائليّة أيضًا واعتدنا الذهاب معًا إلى مسيرات العودة لكي نرشق بضعة حجارة نحو الجنود. فارس لن يكون معنا بعد اليوم ويصعب عليّ أن أصدّق ذلك. أفكّر فيه طوال الوقت ولا أعرف كيف سأعيش بدونه. 

محمد أسعد السّرساوي البالغ من العمر 21 عامًا من سكّان غزّة أدلى بإفادته يوم 7.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، محدّثًا عمّا حدث في ذلك اليوم: 

عندما وصلت إلى المظاهرة نحو الساعة 16:00، رأيت الناس متجمّعين. بعض المتظاهرين بدأوا في إشعال إطارات ورشق حجارة وكان الجيش يردّ بإطلاق الرّصاص الحيّ وقنابل الغاز المسيل للدّموع. وقفت على بُعد نحو مائة متر من الشريط. شاهدت ابناء عمومتي، فارس ومحمد السّرساوي ينقلان إطارات ويقتربان من الشريط. كان هناك فتية وشبّان يشعلون إطارات ويرشقون حجارة. اقترب فارس من الشريط حتى أصبح على بُعد خمسة أمتار منه وأشعل الإطار. 

نحو الساعة 17:50 رأيت فارس يقع على الأرض، على بُعد نحو مائة متر من الشريط. كان محمد إلى جانبه. عندما اقتربت منهما، قال لي محمد أنّ فارس قد أصيب. كان شابّ يرتدي جلبابًا أسود يحمل فارس. أخذت فارس منه وتقدّمت به نحو سيارة الإسعاف ووضعه مسعفون على نقّالة ثم أخلوه إلى العيادة الميدانيّة ومن هناك نُقل فارس إلى مستشفى الشفاء. 

في مستشفى الشفاء، لم تفلح محاولات إحياء فارس السّرساوي، الذي أصيب في عيار ناري بصدره واضطرّ الأطبّاء إلى إعلان وفاته. 

فاطمة السّرساوي البالغة من العمر 43 عامًا متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد من بينهم فارس، أدلت بإفادتها يوم 1.11.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، محدّثة عن مشاعرها اليوم في أعقاب استشهاد ولدها:

منذ أن كان فارس رضيعًا وغزّة تنوء تحت الحصار الإسرائيليّ. لقد شهد حروبًا ثلاثة. لم تكن طفولته لتشبه طفولة أطفال العالم الآخرين. لقد رأى الدبّابات الإسرائيليّة وسمع قصف الطائرات وطلقات الرّصاص الحيّ، كما أنّه ترعرع في عتمة انقطاعات الكهرباء. عندما اندلعت حرب 2014 كان فارس في التاسعة من عمره. قُصف منزلنا وقُتل عدد من أقاربنا. كان يخيفه جدًّا هجير الطائرات وأصوات القصف المدفعي. ومثل جميع الأولاد الذين ينشأون في القطاع المحاصر، كانت حياته ملؤها الخوف والقلق. كنت طوال الوقت أطلب من فارس ألّا يذهب إلى المظاهرات لأنّني خفت أن يصاب جرّاء إطلاق النيران. وقد سبق أن أصيب في هذه المظاهرات أخوه محمد (18 عامًا) وأخوه عبد العزيز (16 عامًا). 

في يوم الثلاثاء الموافق 5.10.18 نحو الساعة 18:00 حضر شبّان إلى باب منزلنا وأخبروني أنّ فارس أصيب بجراح طفيفة في الكتف. ظننت أنّ إصابته ليست خطيرة ولكن فجأة رأيت تجمّعًا كبيرًا من الأقارب والجيران قرب المنزل. قالوا لي إنّ إصابة فارس ليست خطيرة، ولكن أخذ ينتابني القلق فطلبت من أبناء إخوة زوجي أن يقولوا لي الحقيقية، أن يخبروني إن كان فارس قد استُشهد، فقالوا لي نعم. بكيت وأغمي عليّ ولم أرغب في التحدّث مع أيّ شخص من أبناء الأسرة. لم أذهب مباشرة إلى المستشفى لأنّني تجنّبت رؤية ولدي ميتًا. لم أذهب حتى أصبحت الساعة 11:00 ليلًا. رأيته في ثلّاجة الموتى. بكيت بكاءًا مريرًا، احتضنته وقبّلته. كنت أردّد "هو الآن بين يدي ربّه فليتغمّده بواسع رحمته وليصبّرني". أحسست أنّني أتمزّق وأنقسم إلى نصفين. عدت إلى المنزل وأنا أبكي - لقد تركته في ثلّاجة داخل غرفة الموتى. 

كان فارس يحبّ كرة القدم وركوب الدرّاجة ومشاهدة الصّور المتحرّكة. كان دائمًا يطلب منّي أن أعدّ له أكلة "المفتول". حتى اليوم أبكي كلّما رأيت أصدقاء فارس يذهبون إلى المدرسة أو يلعبون في الحيّ وفارس ليس معهم. لقد كان فارس صبيًّا صغيرًا ولم يشكّل خطرًا على جيش إسرائيل. لماذا أطلقوا النار على ابني بهذه الطريقة؟ ما الذي فعله لهم أصلًا؟ 

مقتل أحمد أبو حبل البالغ من العمر 15 عامًا قبالة حاجز إيرز في 3.10.18

أحمد أبو حبل. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
أحمد أبو حبل. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الأربعاء الموافق 3.10.18 نحو الساعة 16:00 استقلّ الصّديقان أحمد أبو حبل ومحمد دوّاس من سكّان بيت لاهيا وكلاهما في الخامسة عشرة من عمره، المواصلات المنظّمة للمشاركة في مظاهرة جرت قبالة حاجز إيرز، شمال بلدة بيت لاهيا. خلال المظاهرة، حين كان الاثنان يجلسان على جانب الطريق، بعيدين نحو مائتي متر على الأقلّ من الشريط، أطلق جنود قنبلة غاز أصابت أحمد أبو حبل في رأسه مباشرة وأردته قتيلًا. 

 

محمد دوّاس أدلى بإفادته يوم 4.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، واصفًا ما حدث في ذلك اليوم:

מוחמד דוואס. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 4.10.18
محمد دوّاس. تصوير: محمد صباح, بتسيلم, 4.10.18

منذ أن بدأت المظاهرات عند حاجز إيرز كلّ يوم اثنين وأربعاء اعتدنا أنا وصديقي أحمد أبو حبل المشاركة فيها ونرشق الحجارة نحو الجنود. نحن نشارك أيضًا في فعاليّات "التشويش اللّيلي". نصل إلى هناك عند غروب الشمس ونرشق الحجارة ونشارك في المظاهرة طيلة ساعة ثمّ نعود إلى منازلنا. 

في يوم الأربعاء 3.10.18 نحو الساعة 16:00 ذهبنا أنا وأحمد في حافلة تقلّ المتظاهرين إلى حاجز إيرز. عندما وصلنا كانت الساعة 17:00 تقريبًا، وكان هناك بعض المتظاهرين قرب الحاجز. كان الجيش يطلق قنابل الغاز المسيل للدّموع وبعض المتظاهرين يرشقون الحجارة نحو الجنود. امتلأ الجوّ بالغاز واستنشقنا كميّات كبيرة من الغاز حتى أنّنا لم نعد قادرين على المشي أو الوقوف. ابتعدنا أنا وأحمد عن الحاجز كثيرًا وجلسنا على جانب الطريق لكي نكون بعيدين عن الغاز. 

جلسنا متجاورين مدّة عشر دقائق تقريبًا ثمّ فجأة وقع أحمد على الأرض والدخان يتصاعد من رأسه. لقد أصابته قنبلة غاز مباشرة في الرأس. هربت من المكان خوفًا من أن أًصاب. ناديت المسعفين فورًا، لكي يسعفوا أحمد. لقد أخرجوا القنبلة من رأسه. كانت الدّماء تسيل من رأسه بغزارة. حمله المسعفون وأخلوه إلى سيارة الإسعاف التي أقلّته بدورها إلى المستشفى الإندونيسي وكنت أرافقه. بعد وصولنا إلى المستشفى بدقائق معدودة أعلنوا أنّه قد توفّي.

المسعف أحمد أبو فول البالغ من العمر 31 عامًا من سكّان بيت لاهيا وصف في إفادة أدلى بها يوم 9.10.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، ما رآه في تلك المظاهرة: 

אחמד אבו פול. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 9.10.18
أحمد أبو فول. تصوير: ألفت الكرد. بتسيلم, 9.10.18

في يوم الأربعاء الموافق 3.10.18 نحو الساعة 17:30، عندما كنت في مظاهرة قرب حاجز إيرز سمعت فتًى يقارب الـ15 من عمره يقول للمتظاهرين: "أننا أخاف قنابل الغاز لأنّني أصبت بقنبلة غاز في ظهري في مظاهرة سابقة". قلت له: "إذا كنت خائفًا من الغاز فلترجع إلى الوراء"، لأنّ الجيش الإسرائيلي كان يطلق وابلًا كثيفًا من قنابل الغاز. 

نحو الساعة 18:00 عدت إلى الخلف لكي أسعف مصابًا وأخليه إلى سيارة الإسعاف. كنت على بُعد نحو 180 مترًا من الشريط. في طريق عودتي إلى المتظاهرين أطلقت بضعة قنابل غاز وأصيب متظاهر كان على بُعد 10 أمتار منّي. أسرعت إليه، وكان قد سبقني إليه عدد من المسعفين. كان ملقًى على الأرض وقنبلة غاز مغروسة في رأسه وينبعث منها دخان كثير. انتزع المسعفون القنبلة من رأسه وخرجت معها أجزاء من دماغه. أسعفناه ونقلناه إلى سيارة إسعاف كانت متوقفة على بُعد نحو 50 مترًا. 

أطلقت قوّات الأمن على الفتى أحمد أبو حبل قنبلة غاز عندما كان يجلس بعيدًا وتفصله عنهم مسافة 200 متر على الأقلّ، وانغرست القنبلة في رأسه. يبدو أنّ القنبلة كانت من النوع ذي المدى البعيد الذي يفوق في وزنه وسرعة انطلاقه قنابل الغاز المستخدمة عادة. سبق أن حذّرت منظمة بتسيلم من هذا النوع من القنابل مشيرة إلى أن إصابته خطيرة جدًّا. أُعلنت وفاة الفتى أحمد أبو حبل في المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين وكان قد فارق الحياة في الطريق إلى المستشفى. 

افتخار الحبل بجانب لافتة لذكرى مقتل ابنها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 9.10.18
افتخار الحبل بجانب لافتة لذكرى مقتل ابنها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 9.10.18

والدة أحمد، السيّدة افتخار أبو حبل البالغة من العمر 56 عامًا متزوّجة وأمّ لعشرة أولاد، أدلت بإفادتها يوم 9.10.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد فتحدّثت عن اليوم الذي فقدت فيه ولدها: 

كان احمد ابني الصغير وكان يتعلّم في مدرسة صناعيّة. لقد واظب أحمد على المشاركة في المظاهرات التي تجري قرب الشريط، رغم أنّني حاولت منعه مرارًا وحذّرته لأنّني كنت أخاف أن يُصاب أو يستشهد؛ لكنه كان يصرّ على الذهاب مع أبناء الجيران والأصدقاء. في يوم الجمعة، 3.10.18، في ساعات المساء، كانت عندي كنائني وبناتي. كنّ يعلمن عن استشهاد أحمد ولكنّهنّ لم يخبرنني خوفًا من أن يحدث لي سوء. بعد ذلك جاء ابني صامد وأخبرني أنّ أحمد أصيب بجراح طفيفة. فأخذت كنائني يبكين، وعندها سألتهنّ "هل استشهد أحمد؟" فأجبن بنعم وأخذن يعزّينني ويتوسّلن الله أن يصبّرني. 

ذهبت فورًا إلى المستشفى الإندونيسي مع ابني ناصر. عندما رأيت أحمد في ثلّاجة الموتى أخذت أبكي وأصرخ. ألقيت بنفسي فوق أحمد وناديته: "أحمد، أحمد، انهض. ها أنا إلى جانبك أريدك أن تقوم وتعود معي إلى المنزل تعال لتنام إلى جانبي". أخرجني أولادي وأقاربي من غرفة الموتى وأعادوني إلى المنزل. لقد احترق قلبي عليه. أحمد استشهد وأنا تركته ورائي في ثلّاجة الموتى. قضيت اللّيل أداعب ملابسه وفراشه ووسادته وسط بكاء لا يتوقّف. كنت أسأل طيلة الوقت: "أحمد، أين أنت!؟". لقد كانت هذه أصعب ليلة مرّت عليّ. قضيت اللّيل أبكي، ولم يغمض لي جفن. كيف أغفو وأحمد قد فارقني؟ 

في صباح اليوم التالي جلبوا أحمد وهو شهيد، محمولًا على نقّالة. احتضنته وقبّلت وجهه ورأسه، وأنا أبكي وأصرخ. قلت له: "إلى أين يا أحمد! لماذا تتركني؟ من سينام إلى جانبي ومن سيجلب لي الأغراض التي أحتاجها؟". 

لقد قتلوا أحمد دون ذنب اقترفه. لم يكبر مثل الجميع، لم يحقّق أحلامه، ولم يتمّ تعليمه الصناعي. لقد كان رؤوفًا عطوفًا عليّ، وكان إذا رآني حزينة أو قلقة يخفّف عنّي ويظلّ يمازحني إلى أن أبتسم. رغم أنّني محاطة بالأولاد والأحفاد أحسّ البيت فارغًا بعد غياب أحمد. كنت دائمًا أقول له إنّه حبّ حياتي. الكلمات الأخيرة التي قالها لي عندما خرج إلى المظاهرة: "نذهب في الباص ونعود في سيّارة الإسعاف" - كأنّه كان يعرف أنّه سيعود شهيدًا. 

مقتل صهيب أبو كاشف البالغ من العمر 16 عامًا شمالي بلدة خزاعة في 3.8.18

סוהייב אבו כאשף. התמונה באדיבות המשפחה
صهيب أبو كاشف. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الجمعة 3.8.18 نحو الساعة 17:00 وصل صهيب أبو كاش البالغ من العمر 16 عامًا من سكّان خان يونس، إلى مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. تقدّم صهيب الذي يعاني اضطرابات سلوكيّة، نحو الشريط، وتجاوز مع شبّان آخرين السّلك اللولبيّ الذي وضعه الجيش على الأرض على مسافة قريبة من الشريط الحدودي. فعل صهيب ذلك وهو يرشق الحجارة بواسطة مقلاع نحو عناصر قوّات الأمن - الذين كانوا منتشرين في الجهة الأخرى من الشريط. بعد أن تجاوز الشبّان السلك اللولبيّ أطلق عناصر قوّات الأمن نيرانًا كثيفة نحوهم وأصابوا صهيب في رقبته.    

 

 

جارة صهيب، السيّدة مريم أبو موسى البالغة من العمر 56 عامًا أرملة وأمّ لستّة أولاد، عملت سابقًا في سلك التعليم، حدّثت عنه في إفادة أدلت بها يوم 18.9.18 أمام الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة:

מרים אבו מוסא. צילום: ח'אלד אל-עזאייזה, בצלם, 18.9.18
مريم أبو موسى.  تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 18.9.18

تقدّمنا حتى وصلنا إلى السّلك اللولبيّ الممدود على الأرض. أشعل شبّان إطارات سيّارات قرب السّلك بينما نحن هتفنا شعارات تطالب بتطبيق حقّ العودة إلى ديارنا. رأيت قبالتنا خلف الشريط بضعة سواتر ترابيّة تقف فوقها مجموعات من الجنود. رأيت بضعة جنود يحملون كاميرات. إلى الغرب من الجنود كانت دبّابة وكان جيبان عسكريّان يجولان في المكان، ومن حين لآخر ينزل منهما جنود ويطلقون نحو المتظاهرين. 

قرب الساعة 18:30-18:00 تقدّم صهيب مع مجموعة من الفتية والشبّان وتجاوزوا السّلك اللولبيّ. كان صهيب يرشق الحجارة بواسطة مقلاع. عندما اقتربوا من الشريط فقد أطلق الجنود نحوهم وابلًا من الرّصاص الحيّ. أصيب صهيب في رقبته. وضع يده على رقبته ووقع على الأرض. حمله الشبّان وعادوا به إلى حيث سيارة الإسعاف. كان ينزف من رقبته ولكنّه لم يفقد وعيه. وفق ما شاهدته أصيب في الحادثة نفسها خمسة شبّان. 

ركضت نحو سيارة الإسعاف لكي أطمئن على صهيب. عندما كانوا يسعفونه اتّصلت بوالدته وأخبرتها أنّه قد أصيب وربّما يستشهد، لأنّني كنت أدرك أنّ إصابته خطيرة. غادرت سيّارة الإسعاف الموقع وبعد مضيّ نصف ساعة اتّصلت بي والدته وقالت لي أنّ بعض الشبّان أخبروها أنّ صهيب أصيب في رجليه فقط. كانوا يقصدون من ذلك أن يخفّفوا عليها وطأة الخبر. قلت لها: "كلّا. ابنك شهيد. دعي كلّ شيء واذهبي الآن إلى المستشفى الأوروبي". 

لدى وقوع الحادثة كان جار صهيب، ياسر أبو سبلة البالغ من العمر 27 عامًا من سكّان خان يونس وهو متزوّج وأب لثلاثة أولاد، يقف على مسافة بضعة عشرات من الأمتار عن الشريط الحدودي. في إفادة أدلى بها يوم 18.9.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وصف أبو سبلة ما رآه: 

نحو الساعة 18:30 رأيت جارنا صهيب أبو كاشف يتقدّم ويجتاز السّلك اللولبيّ. كان يرشق الحجارة نحو الجنود ولكنّ الحجارة لم تصل إليهم. عندما اقترب صهيب وشبّان آخرون من الشريط، أطلق الجنود عليهم النيران وأصيب صهيب في رقبته. كنت أقف خلفه وعلى بُعد نحو عشرين مترًا منه. رأيته وقد وضع يده على رقبته وركض بضع خطوات إلى الخلف، ثمّ وقع على الأرض. عندما أخلوه نحو سيارة الإسعاف ركضت مع الشبّان. كنت في صدمة ولم أعرف ماذا أفعل لأنّني أعرفه جيّدًا. كان يشارك في جميع المظاهرات في كلّ يوم جمعة وقد أصيب أكثر من مرّة جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع. 

تمّ إخلاء صهيب أبو كاشف إلى المستشفى الأوروبي في خان يونس وهو موصول بجهاز تنفّس اصطناعي. لاحقًا، تبيّن أنّ الإصابة سبّبت له شللًا رباعيًّا. في 29.8.18 جرى تحويله إلى مستشفى في الخليل حيث أجريت له صور وفحوصات إضافيّة، وفي يوم 13.9.18 أعيد إلى المستشفى الأوروبيّ في خان يونس حيث توفّي متأثّرًا بجراحه في 15.9.18.

والدة صهيب، السيّدة نسرين أبو كاشف البالغة من العمر 42 عامًا وهي متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد حدّثت بما يلي في إفادة أدلت بها يوم 10.10.18 أمام ألفت الكرد، الباحثة الميدانيّة لدى بتسيلم:

نسرين أبو كاشف بجانب لافتة لذكرى مقتل ابنها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 28.10.18
نسرين أبو كاشف بجانب لافتة لذكرى مقتل ابنها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 28.10.18
 

شارك صهيب في مظاهرات مسيرات العودة منذ بدايتها وأصيب عدّة مرّات جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع. كان معتادًا على المشاركة في مظاهرات منطقة خزاعة شرقيّ مدينة خان يونس. لطالما حاولت منعه من الذهاب إلى هناك، لأنّني كنت أخاف عليه. كان لديّ إحساس أنّه قد يُصاب وكنت أقول له دائمًا: "سوف تصاب وتظلّ عاجزًا، مثلما أصاب متظاهرين كثيرين آخرين"، لأنّ أشخاصًا كثيرين أصيبوا بجراح بليغة أثناء مسيرات العودة. لكنّ صهيب كان يرفض الاستماع إليّ، وكان يصرّ على الذهاب مع الجيران والفتية الآخرين أبناء الحيّ. كانوا يذهبون إلى شرقيّ خان يونس في مواصلات منظّمة في حافلات. في يوم الجمعة الموافق 3.8.18 خرج صهيب مع أصدقائه إلى مسيرة العودة عند الساعة 16:30. عندما حاولت ثنيه عن الذهاب قال لي إنّهم ذاهبون أصلًا إلى شاطئ البحر وأنّه لن يذهب إلى مسيرات العودة بعد. 

عند الساعة 18:00 هاتفتني السيّدة مريم أبو موسى التي تشارك هي أيضًا في مسيرات العودة. قالت لي أنّ صهيب أصيب بجروح بليغة. توجّهت فورًا إلى المستشفى الأوروبي وعندما وصلت كان صهيب في غرفة الـ"CT". دخلت وسألت كيف حاله فقال لي الأطبّاء أنّه بخير. ولكنّني لم أطمئنّ، لأنّ ابني لم يكن قادرًا على الكلام ولا على تحريك يديه ورجليه. نقلوه إلى غرفة العناية المكثّفة لأنّه حالته كانت حرجة وكان موصولًا بأجهزة التنفّس. بعد مضيّ بضعة أيّام قال الأطبّاء أنّ صهيب مشلول في أطرافه الأربعة. انتابتني الصّدمة. بكيت كثيرًا لأنّ صهيب كان أيضًا يعاني آلامًا نتيجة إصابته. ظلّ راقدًا في المستشفى حتى 29.8.18 دون أن يحصل أيّ تحسّن على وضعه. عند ذلك، حوّلوه إلى المستشفى الأهلي في الخليل. سافرت معه، ورقد هناك 14 يومًا. أوصلوا أنبوبًا برئته وثبّتوا أنبوب تغذية مباشرة إلى المعدة.  

طيلة هذه الفترة كنت إلى جانبه. كان مرهقًا إلى حدّ كبير وانخفض وزنه. كنت أدعمه نفسيًّا وأوصيه أن يحافظ على معنويّات عالية وألّا يغرق في الاكتئاب أو يستسلم للشعور بالصّدمة. لقد كانت هذه فترة صعبة جدًّا ومُنهكة لكلينا. شعرت أنّ صهيب سيذهب ويتركني. كنت سأرضى أن يبقى كما هو فهذا أهون من موته. لم أستطع تحمّل فكرة فراقه وفقدانه تمامًا.  

أصبح صهيب قادرًا على الكلام وفي 13.9.18 أصرّ أن نعود إلى غزة رغم أنّ حالته الصحيّة كانت متردّية تمامًا. غادرنا مباشرة إلى المستشفى الأوروبي في غزة. لم أتركه وكنت دائمًا إلى جانبه. في 15.9.18 كانت حالته صعبة جدًّا، ولكنّي اضطررت أن أعود إلى المنزل لأنّ لديّ طفلة عمرها عشرة أشهر. بقي مع صهيب شقيقاه الاثنان. قلت لهما: "عليكما العناية بصهيب جيدًا جدًّا لأنّ حالته تبدو حرجة جدًّا، وإذا حدث شيء اتّصلا بي". في المنزل كنت أستغلّ كلّ لحظة فراغ لكي أتّصل وأسألهما عن صهيب وفي كلّ مرّة كانا يقولان إنّه متعب جدًّا. 

عند الساعة 23:30 رنّ هاتفي النقّال. عادة، لا يهاتفني أحد في مثل هذه السّاعة ولذلك قفزت من فراشي وأنا أقول لنفسي: "يبدو أنّه قد حدث المقدّر وقُضي الأمر لقد توفّي صهيب". وفعلًا، عندما أجبت قال لي أحد ولديّ أنّ صهيب قد فارق الحياة. 
ما الذي جناه صهيب لكي يحدث له ذلك؟ كلّ ما في الأمر أنّه شارك في مظاهرة سلميّة. لماذا يصوّبون نحو النساء والفتيان علمًا أنّ الحجر عندما يلقيه فتًى لا يصل حتى إلى المكان الذي يوجد في الجندي الإسرائيلي. لم يشكّل صهيب خطرًا على الجيش الإسرائيلي. لم يحمل سكّينًا أو أيّ سلاح آخر. أنا الآن لا أفارق الهاتف النقّال. طيلة الوقت أشاهد أشرطة الفيديو وصور صهيب أثناء علاجه في المستشفى - في غزة وفي الخليل. أحيانًا أنهض من نومي لكي أشاهدها مرارًا وتكرارًا. كذلك أنظر في ألبومات صوره وأبكي بحرقة وألم. يصعب عليّ فراقه جدًّا. لقد ترك في حياتي فراغًا هائلًا. كان ضحوكًا ودائم الابتسامة. آهٍ كم أشتاق ابتسامتَه وضحكته. من حرمني هذا كلّه؟ الجيش الإسرائيلي. لقد حرموني من رؤيته عريسًا وأبًا لأسرة. حرموني رؤيته حتى آخر عمري.