Skip to main content
من اليمين الى اليسار: علي العالول, المُسعف عبد الله القططي, وأحمد أبو لولي. صور قدّمتها العائلة مشكورة
Menu
المواضيع

قوّات الأمن قتلت ثلاثة فلسطينيّين من بينهم مُسعف خلال مظاهرات مسيرات العودة شرقيّ مدينة رفح - 10.8.2018

في يوم الجمعة، 10.8.2018، خرج الناس في مظاهرة من ضمن "مسيرات العودة" - التي تجري في قطاع غزة منذ ذكرى "يوم الأرض" في الثلاثين من آذار 2018 -  قرب الشريط العازل، شرقيّ مدينة رفح. خلال المظاهرة - التي شارك فيها آلاف الأشخاص - أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط العازل بين قطاع غزّة وإسرائيل. أطلقت القوّات نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص الحيّ وقتلت ثلاثة أشخاص من سكّان رفح: أحمد أبو لولي، 30 عامًا، الذي أصيب في منطقة الحوض؛ المُسعف عبد الله القططي، 22 عامًا، أصيب في الصّدر؛ وعلي العالول، 54 عامًا، أصيب في الصّدر. قُتل الثلاثة قرب الشريط، بين الخامسة والسادسة مساءً.

بيّن التحقيق الميدانيّ الذي أجرته بتسيلم أنّ أبو لولي والقططي لم يشكّلا أيّ خطر على عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. ولم تتمكّن بتسيلم من تقصّي الحقائق كاملة حول ملابسات مقتل العالول. 

مقتل أحمد أبو لولي

نحو السّاعة 16:30 أخذت أعداد المتظاهرين تتزايد اذ تقدّموا نحو الشريط. كان أحد المشاركين يعقوب أبو سنيمة ابن 38 عامًا ومن سكّان رفح وهو أب لخمسة أولاد؛ وقد جاء برفقة صديقه أحمد أبو لولي. 

الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، استمعت في يوم 13.8.2018 إلى إفادة أبو سنيمة الذي وصف ما جرى في ذلك اليوم كما يلي: 

 

Thumbnail
يعقوب أبو سنيمة. تصوير: ألفت الكرد, 13.8.18

قال لي أحمد أنّه يريد التقدّم إلى الأمام، إلى المنطقة القريبة من الشريط العازل. كانت بداية المظاهرات وعدد المشاركين لا يزال قليلًا. قلت له أنّه لا يوجد متظاهرون وأنّني لا أريد التقدّم خوفًا من أن يطلقوا علينا الرّصاص. لاحقًا، رأينا عددًا من المتظاهرين يتقدّمون نحو الشريط العازل فتقدّمنا نحن أيضًا. كنّا في الجهة الجنوبيّة من الشريط وكان بعض المتظاهرين في الجهة الشماليّة. وقفنا أنا وأحمد متجاورين وعلى بُعد نحو 15-20 مترًا من الشريط. نحو الساعة 17:30 سمعت صوت طلقة، ارتمى أحمد على الأرض وقال لي: "وقعت عليك… ما الذي حصل؟". فحصت جسمي ولم أجد شيئًا. نظرت إلى أحمد وقلت له "أنت مصاب". رأيت دمًا على الأرض. وصل مسعفون وأخذوا أحمد فورًا لأنّه كان ينزف بقوّة.

صابرين قشطة، مسعفة متطوّعة (28 عامًا، من سكّان رفح، متزوّجة وأمّ لطفلة)، شاركت في المظاهرة ضمن طواقم الإسعاف.

 

في إفادة أدلت بها يوم 12.8.2018 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، قالت صابرين:

Thumbnail
صابرين قشطة. تصوير: ألفت الكرد, 12.8.18

نحو الساعة 16:30 أخذت أعداد المتظاهرين تتزايد وبعد ذلك تقدّموا إلى الجدار. تقدّمت أنا والمسعف عبدالله قططي مع المتظاهرين وكان معنا مسعفون آخرون. لم نمش إلى جانب المتظاهرين لأنّنا خشينا أن يطلق الجيش الإسرائيلي النار علينا ويزعم بعد ذلك أنّه لا يستهدف الطواقم الطبّية متعمّدًا؛ أو يزعم أنّ الطواقم الطبّية تمنح غطاءً للمتظاهرين. عند الساعة 17:00 تقريبًا، كنت أنا وعبدالله على مسافة نحو عشرين مترًا من الشريط. كنّا نرتدي زيّ المسعفين وعليه الشارة الخاصّة المعروفة وعليه بطاقة تعريف خاصّة بالطواقم الطبّية. في تلك اللحظات كان إطلاق نار من جانب جنود الجيش الإسرائيلي المنتشرين فوق سواتر ترابيّة. رأيت ربّما ثلاثة جنود فوق السّواتر الترابيّة، وجنديّ آخر يقف إلى جانبهم ويحمل بندقيّة قنّاصة. 

كنت أقف على بُعد متر واحد خلف أحمد أبو لولي، الذي أصيب جرّاء إطلاق الرّصاص. وقع المصاب أرضًا، وتقدّمت مع عبدالله لكي نقدّم له الإسعاف الأوّلي. كان الجريح مستلقيًا على جانبه المصاب وقلبه عبدالله على الجانب الآخر. كان مصابًا في منطقة الحوض. ضمّدنا جرحه سويّة، ثمّ حمله عبدالله بمساعدة مسعفين آخرين ونقلوه مباشرة إلى سيارة الإسعاف.

أخلت سيارة الإسعاف المصاب أبو لولي إلى العيادة الميدانيّة، ومن هناك تمّ نقله في سيارة إسعاف إلى المستشفى الأوروبي الواقع جنوبي خان يونس حيث تبيّن دخول وخروج الرّصاصة من منطقة الحوض. أجريت له عملية وفي اليوم التالي توفّي متأثّرًا بجراحه.

حدّث أبو سنيمة في إفادته بما يلي:

في اليوم التالي وعند الساعة 4:00 صباحًا، اتّصل شقيق أحمد وأبلغني أنّ أحمد قد توفّي. بعد ذلك ذهبت إلى منزل العائلة للمشاركة في عزاء أحمد والإعداد لجنازته. فراق أحمد كان صعبًا جدًّا بالنسبة إليّ - لقد كان صديقي، وبمثابة أخ لي. كنا نقضي أوقاتنا معًا، وفجأة أفقده هكذا دون أيّ مبرّر. لقد ترك وراءه زوجة وخمسة أولاد. ابنته البكر، لمى، ابنة الـ11 عامًا، مكفوفة البصر؛ والصغير، كريم، لا يزال رضيعًا ابن ستّة أشهر. لقد فقد الأولاد أباهم وهو ترك وراءه والده، أمّا والدته فقد قُتلت في حرب عام 2014. كان أحمد عاطلًا عن العمل ووضع العائلة الاقتصادي سيّئ جدًّا. من سوف يعيل زوجته وأولاده الآن؟ ويجب التذكير بأنّ أحمد كان متظاهرًا أعزل وشارك في مظاهرات سلميّة ولم يفعل شيئًا ولم يشكّل خطرًا على الجيش الإسرائيلي.

مقتل المسعف عبدالله القططي

بعد إطلاق الرّصاص على أبو لولي بوقت قصير، ونظرًا لكثافة النيران، قرّر جزء من المتظاهرين والمسعفين الانتقال شمالًا مسافة مائتي متر، إلى موقع ظنّوه أكثر أمنًا وهدوءًا. بيد أنّهم اكتشفوا أنّه توجد قرب الجنود دبّابتان تطلقان النيران المدفعيّة تجاه الأرض قرب المتظاهرين.

 قالت المسعفة صابرين قشطة في إفادتها: 

في الشمال فوجئنا بوجود دبّابتين وقنّاصة ينتشرون فوق سواتر رمليّة وعلى برج عكسريّ. أخذت الدبّابتان تطلقان النيران الحيّة نحو المتظاهرين. سقط عدد من الجرحى وأصيبت سيّارات إسعاف أيضًا. نظرًا لوقوع إصابات ولكثافة النيران تراجع بعض المتظاهرين إلى الخلف.

في ذلك الوقت ونحو الساعة 18:00 اذ كنّا نقف قرب المتظاهرين - أنا وعبدالله ومسعفان آخران هما صابرين السطري ورائد الشريف. كنّا على بُعد نحو عشرة أمتار من الشريط اللولبيّ الممدود على الأرض على بُعد نحو عشرة أمتار من الشريط الحدوديّ العازل. أصيب أشخاص قرب الشريط وكانوا يطلبون منّا المجيء لإسعافهم. أخذنا نركض نحوهم، أنا وصابرين، فيما الدبّابات تواصل إطلاق النيران. قال لي عبدالله: "صابرين ارجعي! الدبّابة تطلق النيران نحونا!". قلت له: "ابق أنت في الخلف" ولم يصدر عنه صوت بعد ذلك.

أسعفنا المصابين جرّاء استنشاق الغاز وعُدنا بسرعة إلى الوراء. عندما عدت قال لي زميلي رائد أنّ عبدالله أصيب. كان حول عبدالله متظاهرون يصيحون "شهيد.. شهيد". حمله بعض المتظاهرين وصرخت أطلب منهم أن يسرعوا لأنّ عبدالله كان ينزف بقوّة، واعتقدت أنّ الرّصاصة اخترقت ظهره وخرجت من القلب.

واصلت الدبّابتان إطلاق النيران بكثافة حتّى أثناء إخلاء عبدالله وبصعوبة شديدة تمكّن الشباب من إخلائه. لقد كانوا يتقدّمون به نحو سيارة الإسعاف وهم تحت النيران. نظرًا لكثافة النيران في تلك اللحظات فلم نتمكّن أنا ونسرين من الخروج من هناك.

نقلت سيّارة الإسعاف عبدالله إلى العيادة الميدانيّة وهناك قدّموا له الإسعاف الأوّلي وأدخلوه مباشرة إلى سيارة إسعاف نقلته إلى المستشفى. في هذه الأثناء كنت قد تمكّنت من الوصول إلى منطقة الخيام فصعدت إلى سيّارة الإسعاف ورافقت عبدالله إلى المستشفى.

المسعف رائد الشريف (19 عامًا، من سكّان مخيّم الشابورة للّاجئين) كان يقف بجانب القططي عندما أصيب الأخير. الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، استمعت إلى إفادة الشريف يوم 12.8.2018، حيث وصف ما جرى عندئذٍ:

Thumbnail
رائد الشريف. تصوير: ألفت الكرد, 12.8.18

في الجهة الشماليّة كانت دبّابتان تطلقان النيران بكثافة. وقع عدد من الجرحى وتقدّمنا لكي نسعفهم. في هذه اللحظة كنّا على بُعد عشرة أمتار من الشريط اللّولبيّ. كانت المسعفة صابرين قشطة تتقدّمنا وعبدالله أخذ يناديها ويطلب منها الرجوع لأنّه خشي أن تُصيبها النّيران. كنت أقف إلى جانبه وعندها أطلق علينا القنّاصة الإسرائيليّون النيران فأصابت إحداها عبدالله مباشرة. كان ذلك في السادسة مساءً. إضافة إلى ذلك كانت هناك نيران كثيفة تطلقها الدبّابتان.

عندما أصيب عبدالله أمسك بيدي. سألته "ما الذي جرى؟"، لكنّه انهار فورًا ووقع على الأرض. أدركت أنّه أصيب وفورًا لاحظت أنّه ينزف. أخذت أفتّش من موضع الإصابة. في هذه الأثناء عادت صابرين وكنّا في صدمة كلانا. لم نصدّق أنّ عبدالله أصيب ولم يكن ما نقدّمه له سوى تضميد الجرح لكي نوقف النزيف. بعد عدّة دقائق حمله عدد من الشباب وأخذوه - تحت نيران الدبّابات - إلى حيث تقف سيّارات الإسعاف، على شارع جكر. 

نأتي أنا وزملائي إلى منطقة الحدود شرقيّ غزة بصفتنا مسعفين متطوّعين فلماذا يطلق الجيش الإسرائيلي النيران علينا؟ واضح تمامًا أنّنا مسعفون حيث نرتدي الزيّ الأبيض وعليه شارة وزارة الصحّة وبطاقة تعريف. ومن الواضح أنّنا لا نشكّل أيّ خطر على الجيش. لا نحمل في أيدينا سوى لوازم الإسعاف الأوّلي. نحن نتواجد هناك فقط لكي ننقذ المصابين. 

تمّ إخلاء القططي اذ أصيب في صدره بالرّصاص الحيّ إلى مستشفى يوسف النجّار في رفح ومن هناك نُقل إلى المستشفى الأوروبي جنوب خان يونس. جرت محاولات إحيائه طيلة أربعين دقيقة بعد وصوله ولكن دون جدوى ثمّ أعلن الأطبّاء وفاته. 

منذ أن ابتدأت المظاهرات قرب الشريط العازل قُتل على الأقل 170 فلسطينيًّا، بينهم 31 قاصرًا على الأقل، في حين لم تشكّل أغلبيّتهم السّاحقة أيّ خطر على عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الجدار. إضافة إلى ذلك جُرح أكثر من 5,300 شخصًا بالرّصاص الحيّ. عبد الله القططي هو ثالث المسعفين القتلى خلال هذه المظاهرات. قبل ذلك فقد قتلت قوّات الأمن في 14.5.2018، المُسعف موسى أبو حسنين ابن ال34 عامًا خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين؛ والمسعفة روزان النجار ابنة ال20 عامًا في 1.6.2018 خلال مظاهرة جرت شماليّ بلدة خزاعة. 

هؤلاء القتلى والجرحى هم نتاج مباشر لسياسة إطلاق النّار التي تطبّقها إسرائيل منذ ابتدأت مظاهرات "مسيرات العودة"، رغم علمها سلفًا بنتائجها الفتّاكة؛ ممّا يؤكّد عُمق استهتار السلطات الإسرائيليّة بحياة الفلسطينيين وعدم اكتراثها لموتهم أو إصابتهم. لو لم يكن الأمر كذلك لغيّرت إسرائيل سياسة إطلاق النار منذ زمن وأوقفت إطلاق النيران على متظاهرين عُزّل لا يعرّضون حياة أحد للخطر ويتواجدون أصلًا في الجانب الآخر من الشريط العازل. هذه السياسة جريمة تتكرّر مرّة تلو الأخرى والجيش يواصل تطبيقها دون أيّ تغيير - بل هو يعزّز هذه الممارسات بما لديه من أجهزة طمس الحقائق التي تضمن ألّا يُحاسب أحد على قتل الفلسطينيّين في جميع الحالات تقريبًا. 

المكان