Skip to main content
إيناس وبيان أبو خماش. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
Menu
المواضيع

سلاح الجوّ الإسرائيلي ألقى قنبلة على منزل في دير البلح وقتل امرأة حاملًا في شهرها التاسع وطفلة لم تبلغ السّنتين من عمرها

في يوم الخميس الموافق 9.8.2018، قرب الساعة 1:30 بعد منتصف الليل، ألقى سلاح الجوّ الإسرائيلي قنبلة موجّهة على أحد المنازل في حيّ الجعفراوي في الأطراف الجنوبيّة الشرقيّة لبلدة دير البلح. جرى إسقاط القنبلة ضمن تبادُل نيران كثيفة بين إسرائيل ومسلّحين في قطاع غزّة أطلقوا قذائف على بلدات إسرائيليّة أسفرت عن جرح 23 شخصًا، جراح أحدهم بليغة. لم تنفجر القنبلة لكنّها اخترقت سقف منزل يسكنه بالإيجار محمّد وإيناس أبو خماش، وحطّت في صالون المنزل، مؤدّية إلى مقتل إيناس أبو خماش، 22 عامًا، طالبة في كلية التربية وكانت حاملًا في شهرها التاسع؛ وابنتها الطفلة بيان، البالغة من العمر سنة وعشرة أشهر. أمّا الزوج، محمد خماش ويعمل ضابطًا في شرطة حكومة حماس، فقد أصيب بجراح من شظايا وتمّ إخلاؤه إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح حيث تبيّن لديه كسر في كاحل قدمه اليسرى. بعض القطع من القنبلة اخترقت الحائط الشرقي للمنزل وأصابت حائط مسجد يقع على بُعد أمتار قليلة ثمّ خرجت عبر سطح المسجد.

Thumbnail
الفتحة التي أحدثتها القنبلة في سطح منزل عائلة أبو خماش. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 9.8.2018

في إفادة أدلى بها يوم 13.8.2018 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، حدّث محمد خماش بما حدث في تلك الليلة:

Thumbnail
بيان أبو خماش. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في المساء، أدّيت صلاة العشاء في "مسجد التقوى والإيمان"، الذي يقع بالضبط مقابل منزلنا، ثمّ عدت إلى المنزل. جلست مع زوجتي، ثمّ أعددنا طفلتنا بيان للنوم في فراش نضعه على أرضيّة الصّالون، الواقع عند مدخل المنزل. بسبب الحرّ وانقطاع الكهرباء، اعتدنا النوم في الصّالون لأنّ مجرى الهواء هناك أفضل. ونظرًا للتوتّر الأمني انشغلت بالاستماع إلى المذياع ومتابعة الأخبار. طلبت زوجي أن أقفل المذياع، فأقفلته. بعد ذلك استلقيت ونمت إلى جانب ابنتي وزوجتي، وغفونا.

عندما استيقظت وجدت نفسي في مستشفى شهداء الأقصى. اتّضح لي أنّ قذيفة أو صاروخًا كبيرًا أطلقته طائرة حربيّة كان قد سقط على منزلنا قرب السّاعة 1:30 بعد منتصف اللّيل، اخترق السقف وحطّ فوقنا مباشرة. قال لي الجيران أنّهم وجدوني فاقدًا الوعي تقريبًا وأتلو آيات من القرآن وأدعية.

علمت عن إيناس وبيان فقط في صباح اليوم التالي، السبت 11.8.2018، عندما جاء أخي كمال لزيارتي في المستشفى. لقد حاول أخي التروّي في تبليغ النبأ، فأعدّني مذكّرًا بشقيقنا مختار الذي استُشهد في مسيرات العودة (في 14.5.2018)، وعندها أخبرني أنّ زوجتي وابنتي أيَضًا استُشهدتا. قلت له "هذا الكلام غير صحيح"؛ ولكن بعد ذلك جاء حميّ وعاد على ما قاله أخي. تملّكتني الصّدمة. لقد غفوت بجانب عائلتي واستيقظت في المستشفى دون أن أشعر بالقصف بتاتًا. كان من الصعب عليّ أن أصدّق ما حدث.

وما زلت تحت تأثير الصّدمة، أحسّ وكأنّني في كابوس. لا أصدّق ما حدث. كانت زوجتي، إيناس، طالبة جامعيّة في السنة الرابعة، تدرس التربية الأساسيّة في جامعة الأزهر، في غزة. لم يبق لها سوى فصلين لتُنهي دراستها. بيان ابنتي، كانت ذكيّة وشقيّة ومتعلّقة بي كثيرًا. كانت تنتظرني خلف باب المنزل عندما كنت أذهب للصلاة في المسجد، وكانت تطلّ من تحت الباب لكي تفاجئني عندما أعود. كانت تستيقظ كلّ ليلة وتناديني باسمي: "يا محمد، يا محمد". كانت تحبّ الذّهاب معي لزيارة عمّتها، التي تسكن قربنا، لكي تلعب مع أطفالها.

أنا خرّيج كلّية الشرطة في السّودان. أنهيت دراستي وعدت بعد حرب 2014. لم أتخيّل أبدًا أن تُصيب طائرات الاحتلال منزلي بهذه الطريقة. لقد خلدنا إلى النّوم دون أن يخطر في بالنا أنّنا سنكون مستهدَفين. كنت في انتظار طفلتي الجديدة. وقد عقدت النيّة على أن أسمّيها روزان. وكانت زوجتي قد أعدّت قائمة بالأغراض التي ينبغي أن نجهّزها لها قبل ولادتها - ملابس وأغراض أخرى. وقد جهّزت كلّ احتياجاتها واحتياجات زوجتي، لكن كلّ شيء انتهى خلال ثانية - فقدت عائلتي، ودون أيّ سبب أو مبرّر.

Thumbnail
صالون منزل عائلة أبو خماش بعد سقوط القنبلة عليه. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 28.8.2018

أحد جيران عائلة أبو خماش (53 عامًا، متزوّج وأب لثمانية أولاد)، حدّث في إفادة أدلى بها يوم 13.8.2018 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة، قائلًا:

في يوم الخميس الموافق 9.8.2018، استيقظت عند الساعة 1:30 ليلًا على صوت خبط وارتطام أشياء، من ناحية المسجد. خرجت إلى الشارع فرأيت مياهًا تجري من المسجد إلى الشارع، وبعض الجيران يتجمّعون قرب المسجد. صعد أحدهم إلى سطح المسجد وأغلق حنفيّات الماء. طلبت من الناس العودة إلى منازلهم، بسبب الوضع الأمنيّ الخطير، حيث كان يجري في تلك الليلة تبادُل إطلاق صواريخ وقاذفات بين المقاومة وجيش الاحتلال.

في طريقي عودتي إلى منزلي، قبالة بوّابة المسجد والبيت المستأجر الذي يسكن فيه محمد أبو خماش، سمعت من داخل المنزل صوت شخص يئنّ ويطلب المساعدة. صرخت وناديت الجيران وأبنائي فأتوا. قفز ابني (أ، 14 عامًا) من فوق بوّابة المنزل وفتحها فدخلنا. حين دخلت إلى المنزل وجدت محمد أبو خماش نائمًا مضرّجًا بدمائه داخل حفرة بعُمق متر وطول مترين في صالون منزله. رأيت كذلك قطع من جسد ملتصقة بحائط الصالون. كانت الكهرباء مقطوعة ولذلك استخدمنا مصابيح هواتفنا. منعت الناس من التقدّم أكثر داخل المنزل وطلب أن يستدعوا سيّارة إسعاف. بعد عشر دقائق جاءت سيّارتا إسعاف تابعتان للهلال الأحمر. أخلى المسعفون محمد ونقلوه إلى مستشفى شهداء الأقصى. كانت حالته صعبة لدرجة أنّ الناس كانوا يقولون له "تشاهد" فكان يردّد الشهادتين وهو نصف مغمًى عليه.

جثّتا إيناس وبيان كانتا مقطّعتين إربًا ومسحوقتين. زوجتي ساعدت المسعفين في تجميع قطع جسديهما. والأثاث كان محطّمًا. كانت في السقف فتحة، في الناحية الغربية، قطرها 80-100 سم تقريبًا. لم يكن هناك صاروخ. اتّضح لي لاحقًا أنّ الصّاروخ بعد أن حطّ في منزل العائلة ارتدّ خارجًا من حائط الصالون الغربي وأصاب سقف المسجد.

Thumbnail
بيان أبو خماش. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

لم تكلّف إسرائيل نفسها عناء توضيح الغاية من وراء تلك الغارة ولا سبب إلقاء تلك القنبلة. لذلك، من غير الواضح أيضًا من كان المستهدَف بها - هل كان منزل عائلة أبو خماش أم هدف آخر. النتائج فقط هي الواضحة: مقتل امرأة حامل في شهرها التاسع وطفلتها التي لم تبلغ بعد سنتين.

إطلاق الصّواريخ وإلقاء القنابل على مناطق مكتظّة بالسكّان كما في قطاع غزة يعرّض المدنيّين للخطر، بحُكم التعريف. نحن لا نتحدّث هنا عن خطر نظريّ، بل هو خطر محقّق: لقد سبق وقتلت إسرائيل، التي تتباهى بقدراتها التكنولوجيّة والاستخباراتيّة العالية، آلاف المدنيّين وبضمنهم مئات الأطفال في غارات القصف الجوّيّ التي شنّتها على قطاع غزّة. خلال "حملة الجرف الصّامد" وحدها قُتل جرّاء الغارات الجوّيّة على الأقلّ من 1055 فلسطينيًّا لم يشاركوا في القتال - تقريبًا نصف الفلسطينيين الذين قُتلوا في تلك الحرب - من بينهم 405 أولاد و-229 نساء. رغم النتائج المعروفة لمثل هذه السياسة، طبّقتها إسرائيل طيلة أسابيع، بيتًا وراء بيت، أسرة وراء أسرة.

تزعم إسرائيل بإصرار أنّ هذه السياسة قانونيّة ولا تشوبها شائبة. لهذا السّبب، لم يحدث أن حوسب أحد على ما يترتّب عليها من نتائج، ولم يرفع كبار المسؤولين العسكريّين والسياسيّين غطاء الدّعم عنها. لكنّ هذه السياسة - بنتائجها المروّعة والمتوقّعة سلفًا - ترفرف من فوقها راية سوداء، والتأويلات القانونيّة التي تشرعنها باطلة ولا تنجح في نزع تلك الرّاية.