Skip to main content
من اليمين إلى اليسار: عبدالله ارميلات، سالم صباح، إسماعيل أبو ريالة ومحمد أبو جامع.  صور قدّمتها العائلة مشكورة.
Menu
المواضيع

أسبوعان في قطاع غزة: أربعة قتلى بنيران الجنود بينهم قاصران

خلال أسبوعين (بين 17 شباط و-3 آذار) قتل الجنود أربعة فلسطينيين قرب الحدود المغلقة على قطاع غزة: قاصران كانا يحاولان دخول إسرائيل في منطقة رفح صيّاد انجرف قاربه خارج مساحة الصيد المحصورة التي يسمح الجيش فيها الصيد للفلسطينيين وذلك أثناء نومه فيه هو ورفاقه ومزارع كان يفلح حقوله المجاورة للجدار الحدوديّ. لم يشكّل أيّ منهم خطرًا على حياة الجنود ومع ذلك استهدفهم الجنود بنيرانهم القاتلة ودون أيّ تحذير مسبق.

أعمال القتل هذه لم تأتِ من فراغ بل هي جزء من سياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في قطاع غزة. عملاً بهذه السياسة يطلق الجنود المنتشرون على أحد جانبي الحدود الذخيرة الحيّة القاتلة على الفلسطينيين في الجانب الآخر. من ذلك أنّهم يستخدمونها في قمع المظاهرات دون أن يشكّل المتظاهرون خطرًا على حياتهم أو حياة أيّ شخص آخر. يواصل الجيش تطبيق هذه السياسة دون أيّ تغيير رغم أنّ نتائجها الفتّاكة أصبحت مؤكّدة تمامًا الأمر الذي كان متوقّعًا من قبل المصادقة عليها.

منذ بداية عام 2017 وحتى 3.3.2018 قُتل في المنطقة المحاذية للحدود 19 فلسطينيًّا: صيّادان اثنان فيما كانا يبحران في منطقة يُسمح فيها الصيد و13 متظاهرًا خلال مظاهرات جرت قرب الشريط الحدودي بينهم فتيين ومزارع كان يفلح أرضه وثلاثة فتية كانوا يحاولون دخول إسرائيل دون تصريح.

نشرت وسائل الإعلام أنّ قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية باشر التحقيق في مقتل الشاب الفلسطيني إبراهيم أبو ثريّا الذي قُتل في ظروف مماثلة خلال مظاهرة قرب الشريط الحدودي في 15.12.2017. لكنّنا استنادًا إلى تجربة الماضي نستنتج على نحوٍ شبه مؤكّد أنّ التحقيق لن يسفر عن محاكمة المسؤولين عن قتله وبالتأكيد ليس محاكمة كبار المسؤولين. هذه التجربة التي تشهد أنّ هذه التحقيقات من عادتها أن تنتهي بطمس الحقائق هي التي حدت بمنظمة بتسيلم إلى التوقّف عن التوجّه إلى الجهات الرسميّة مطالِبة بإجراء التحقيق في مثل هذه الأحداث. على أيّة حال سواء حقّق الجيش أم لم يحقّق تبقى سياسة إطلاق النار بما تجلبه من نتائج فتّاكة على حالها.

 

Thumbnail
من اليمين إلى اليسار: سالم صباح وعبدالله ارميلات. صور قدّمتها العائلة مشكورة.

17.2.2018: مقتل الفتيين عبدالله إرميلات (14 عامًا) وسالم صباح (16 عامًا):

في 17.2.2018 ظهرًا جُرح أربعة جنود من انفجار عبوة ناسفة وضعها فلسطينيون عند الشريط الحدوديّ في منطقة خان يونس. ردًّا على ذلك قصف الجيش بطائراته ودبّاباته مواقع لحركة حماس من جنوب القطاع إلى شماله. نحو الساعة 20:00 في اليوم نفسه خرج خمسة فتيان من سكّان مدينة رفح تتراوح أعمارهم بين الـ14 والـ17 عامًا متوجّهين نحو الجدار الحدودي بهدف اجتيازه والبحث عن عمل داخل إسرائيل.

أحد الفتية الخمسة (عبدالله إرميلات البالغ من العمر 14 عامًا) تملك أسرته قطعة أرض غربيّ الجدار تقع على بُعد نحو 300 متر منه. دخل الفتية إلى الأرض أشعلوا النّار وأعدّوا الشاي. بعد مضيّ ساعة تقريبًا قرّر أحدهم (ع.ك البالغ من العمر 17 عامًا) أن يعود إلى منزله. أمّا الفتية الأربعة المتبقّون فقد يمّموا شطر الجدار الحدودي بقصد اجتيازه لكنّهم استُهدفوا بالنيران الحيّة قبل أن يصلوه حين كانوا على مسافة نحو 15 مترًا من الجدار. عندما حاول الفتية الفرار من المكان أطلق نحوهم الرّصاص الحيّ وقذائف من مدفعيّة دبّابة. على أثر ذلك قُتل اثنان منهما: عبد الله إرميلات (14 عامًا) وسالم صباح (16 عامًا). الاثنان الآخران جُرحا من الشظايا وتلقّيا العلاج طيلة عدّة أيام في المستشفى الأوروبي جنوب خان يونس.

 

الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح استمع إلى إفادة الفتى س.س (17 عامًا) في 19.2.2018حين كان لا يزال قيد العلاج في المستشفى: :

بعد أن تركَنا ع.ك توجّهنا نحن إلى الحدود. قبل أن نصل أطلقت نحونا نيران حيّة. أنا و-أ.ح. هربنا فورًا من المكان. لم أرَ سالم وعبد الله. حين كنّا نركض أطلقت دبّابة نحونا عددًا من القذائف. شعرت أنّني أصبت لكنّنا واصلنا الركض حتّى وصلنا إلى شارع جكر. رأينا هناك عريشة من النايلون وجلسنا داخلها وعندها وصلت سيّارة جيب من وحدة الرّصد الميداني الخاصّة بحماس وأخذت كلينا. في الطريق على شارع المطار التقينا بسيّارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر. عندما فحصني المسعفون وجدوا أنّني أصبت في يدي اليمنى وظهري وساقيّ. نقلونا إلى مستشفى أبو يوسف النجّار في رفح ومن هناك حوّلوني إلى هنا إلى المستشفى الأوروبي. فقط في اليوم التالي قيل لي إنّ سالم وعبد الله قد استشهدا جرّاء إطلاق النار.

بعد نقل المصابين إلى المستشفى عاد المسعفون للبحث عن إرميلات وصباح لكن بسبب القصف الإسرائيلي لم يستطيعوا الاقتراب من المنطقة.

أحد المسعفين ويدعى موسى عبيد تحدث في إفادته أمام محمد صباح في 22.2.2018 عمّا جرى في اليوم التالي :

تلقّينا في ساعات الصباح نداءً من شخص يُبلغنا أنّه قد وُجدت جثّتان. توجّهت إلى المنطقة مع ضابط إسعاف أوّلي وسيّارة إسعاف أخرى. نزلنا من السيّارة ووجدنا الجثّتين على بُعد نحو 200 متر من الحدود. كان هناك شبّان وفتية قالوا إنّه عُثر على الجثّتين في مكان يبعد نحو ثلاثين مترًا من الحدود.

حملنا الجثّتين إلى سيّارة الإسعاف وكانت كلتاهما قد بلغت حالة التصلّب وظهرت عليهما جراح بليغة وعلامات اختراق بالرّصاص. نقلنا الجثّتين في سيّارتي إسعاف بحيث نقل طاقمي الشهيد عبد الله إرميلات. نحن نتلقّى عادة بلاغًا من الصليب الأحمر لكنّنا في هذه المرّة لم نتلقّ أيّ بلاغ منهم أو من أيّة جهة أخرى حول وجود جثث في المكان وعليه فقد بقيت الجثّتان هناك طوال الليل.

25.2.2018: مقتل الصيّاد إسماعيل أبو ريالة البالغ من العمر 18 عامًا

Thumbnail
إسماعيل أبو ريالة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في 25.2.2018 نحو الساعة 6:00 صباحًا اقتربت سفينة تابعة لسلاح البحريّة الإسرائيلي من قارب صيد كان على متنه صيّادون ثلاثة من سكّان مخيّم الشاطئ للّاجئين الواقع غربيّ جباليا. كان القارب في ذلك الوقت متوقّفًا على بُعد نحو خمسة أميال بحريّة إلى الغرب من الشاطئ ضمن مساحة الصيد المحصورة التي تسمح فيها إسرائيل الصّيد للفلسطينيين. عندما اقتربت السفينة منهم أخذ الصيّادون يبحرون شرقًا نحو الشاطئ فيما السفينة تلازمهم مسافة ميلين بحريّين ثمّ أبحرت شمالاً.

أوقف الصيّادون القارب وفرشوا شِباكهم ثمّ تناولوا فطورهم وخلدوا للنّوم. أثناء نومهم انجرف قاربهم شمالًا نحو منطقة السودانية التي يمنع فيها الصيد. عند الساعة 15:30 تقريبًا استيقظ الثلاثة على صوت محرّك يقترب منهم.

محمود أبو ريالة (19 عامًا) أحد الصيّادين الثلاثة أدلى بإفادته أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح في 26.2.2018، محدّثًا عمّا جرى حينئذٍ:

Thumbnail
محمود أبو ريالة. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 26.2.2018

سمعت ضجيج محرّك. في البداية ظننّا أنّه قارب صيد قادم للعمل معنا. صعدنا من كابينة النوم إلى الأعلى وعندها رأينا على بُعد بضعة أمتار منّا قاربين مطّاطيين وسفينة إسرائيلية. عندما رآنا الجنود أطلقوا علينا الرّصاص الحيّ و"المطّاطي" ورشّوا علينا مياهًا من خرطوم على متن السفينة. أصابني الرّصاص المطّاطي في صدري ورجليّ. بدأنا فورًا في الابتعاد نحو "المارينا"، فيما هم يلاحقوننا ويطلقون رصاصهم نحونا. قال لي إسماعيل "الجنود يشيرون بأيديهم أنّهم سيطلقون النار على رأسي" ودفعني قليلاً. عندها سمعت صوت الرصاص ورأيت إسماعيل يتهاوى على الأرض مصابًا في رأسه. كان دمه يسيل من رأسه. بعد ذلك أطلق الجنود النار على صهريج السولار فتوقّف قاربنا تمامًا.

أمرَنا الجنود بخلع ملابسنا والقفز إلى الماء وكانوا يتحدّثون إلينا بالعبرية والعربية. عندما قفزت وسبحت نحو القارب أطلق الجنود الرّصاص الحيّ في الماء بقربي. حين وصلت إلى قارب المطّاط كبّلوا يديّ وعصبوا عينيّ. بعد ذلك أطلقوا النار أيضًا قرب صديقي عاهد أبو علي حين كان يسبح متّجهًا إليهم. توجّه بنا القارب المطّاطي إلى السفينة.

نقل أحد قوارب سلاح البحرية الإسرائيلي إسماعيل أبو ريالة إلى إسرائيل حيث توفّي متأثّرًا بحراجه. ظلّت إسرائيل تتحفّظ على جثمانه ولم تسلّمه للأسرة حتى يوم 14.3.2018.

أخذ الجنود الصيّادَيْن الآخرَين اللّذين جُرحا برصاص مطّاطيّ أثناء الاعتقال إلى السفينة وهناك أزالوا العصبة عن أعينهما والقيود عن أيديهما. بعد ذلك ناولهما الجنود ملابس وحين ارتدياها عاد هؤلاء وكبّلوا أيديهما وعصبوا أعينهما. اقتيد الاثنان إلى ميناء أشدود وبعد أن تلقّيا العلاج الطبّي وعُصبت جراحهما أزال الجنود القيود البلاستيكية عن أيديهما وقيّدوا أرجلهما وأيديهما بقيود معدنيّة. من هناك جرى اقتيادهما إلى حاجز "إيرز" وجرى التحقيق معهما باللغة العربية. عند الساعة 22:00 تقريبًا أطلق سراحهما وعندها أخضعا للتحقيق طيلة ساعتين لدى عناصر الأمن الداخلي التابع لحماس ثمّ أخلي سبيلهما نحو الساعة 1:00 بعد منتصف اللّيل.

Thumbnail
صهريج السولار في قارب الصيّادين مثقوبًا برصاص الجنود. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 26.2.2018

3.3.2018: مقتل المزارع محمد أبو جامع (58 عامًا)

محمد أبو جامع. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.
محمد أبو جامع. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في 3.3.2018 كان محمد أبو جامع (متزوّج وأب لسبعة من سكّان بني سهيلا شرقيّ خان يونس) قد بدأ منذ ساعات الصّباح العمل في أراضٍ زراعيّة تملكها عائلته. تمتدّ تلك الأراضي إلى الشرق من خزاعة وتبعد نحو 250 مترًا عن الشريط الحدوديّ. في الوقت نفسه كانت عمّته عائشة أبو جامع البالغة من العمر 81 عامًا تعمل معه في الحقول نفسها. عند الساعة 12:30 ظهرًا أطلق جنود من خلف الشريط الحدودي رصاصتين أصابتا محمد أبو جامع في مؤخّرته.

 

 

 

 

في إفادة أدلت بها عائشة أبو جامع أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة في 4.3.2018، قالت:

Thumbnail
عائشة أبو جامع. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 4.3.2018

في موعد صلاة الظهر نحو الساعة 12:30 كنّا أنا والحاج محمد ما زلنا نعشّب الأرض في موضع يبعد نحو مائتي مترًا عن الحدود وكان هو يبعد عنّي عشرة أمتار تقريبًا. كان الحاجّ محمد منحنيًا ولم أعرف هل كان في تلك اللحظة يصلّي أم يعشّب.

فجأة سمعت صوت طلقتين. صحت بمحمد "هيّا نبتعد نحو الغرب!" لكنّه وقع على الأرض وقال لي "اطلبي الإسعاف يا أمّ محمد" وفهمت أنّه قد أصيب. لم أرَ جنودًا. ركضت نحو نقطة لوحدة مراقبة الحدود التابعة لحماس في أرضنا - على شارع جكر. طلبت منهم أن يستدعوا الإسعاف وبقيت هناك فيما اتّجه أربعة من عناصر الوحدة نحو الحاج محمد وحملوه وجلبوه إلى النقطة. كان يتكلّم معنا. فحص عناصر الوحدة إصابته ووجدوا أنّ الرّصاصة دخلت من الخلف. سألونا إن كان معنا هاتف خلوي لكي يطلبوا الإسعاف فقلت لهم إنّ الحاج محمد لديه هاتف. أخرج الحاج محمد الهاتف بنفسه وناولهم إيّاه. عندها اتّصلوا واستدعوا الإسعاف وقد وصل خلال دقائق.

نُقل أبو جامع في سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر إلى المستشفى الأوروبي جنوب خان يونس.

قالت زوجة المصاب سناء أبو جامع البالغة من العمر 54 عامًا في إفادتها أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد في 12.3.2018:

عندما أخبرني ابني أنّ محمد أصيب توجّهت فورًا إلى المستشفى الأوروبي. تمامًا عندما وصلت كانوا يأخذونه للتصوير في قسم الأشعّة. أمسك يدي وقال لي مطمْئنًا "لا تخافي. كلّ شيء سيكون على ما يرام". عند الساعة 14:00 تقريبًا أدخله الأطبّاء إلى غرفة العمليّات وبقي هناك حتّى السّاعة 18:00. انتظرت في الخارج وكنت قلقة جدًّا. شعرت وكأنّ شيئًا ما يُثقل صدري. كلّ هذا الوقت كنت أصلّي لأجله وأدعو أن يعود إلينا وإلى بيته سالمًا. عندما انتهت العمليّة قال لنا أحد الأطبّاء أنّه يمكن فقط لاثنين من أسرته أن يدخلا إليه. بعد خمس دقائق خرج الأطبّاء وأخبرونا أنّه توفّي. أخذت أبكي وأصرخ. لقد كانت تلك لحظات قاسية ومؤلمة جدًّا بالنسبة إليّ. أطلب من الله أن يصبّرني ويمنحني القوّة.

لقد تركني محمّد وأنا في أشدّ الحاجة إليه. إنّني أفتقده جدًّا وأدعو له بالرّحمة في كلّ دقيقة. لقد كان الوحيد في أسرتنا الذي يعمل والمسؤولية التي تركها لي كبيرة جدًّا ولا أستطيع حملها. ما زال لديّ أربعة أبناء غير متزوّجين ولم يحظ هو أن يفرح بهم. كنّا نأمل أن نزوّج على الأقلّ واحدًا منهم في الصيف لكنّ الموت اختطف منّي زوجي وحرمني الفرح. نحن في البيت نفتقد زوجي كثيرًا. لقد كان إنسانًا مليئًا بالعطف والرّأفة ودائم الاهتمام بألّا ينقصنا شيء. لقد كانت حياتي إلى جانبه ملأى بالسعادة. بعد أن قُتل تُركنا للأحزان والبكاء ووجع الفراق. بيتنا أظلم وبقيت أنا وحيدة. الآن. كلّ ما هو جميل في حياتنا أصبح في عِداد الماضي. إنّنا نذكره كلّ يوم أنا وأولادي.

 

المكان