Skip to main content
إبراهيم أبو ثريّا ومتظاهرون آخرون، خلال مظاهرة جرت قرب الجدار الحدوديّ في أعقاب تصريح ترامب، 15.12.2017. تصوير محمد سالم، رويترز.
Menu
المواضيع

مقتل إبراهيم أبو ثريّا المقعد ومبتور الرجلين خلال مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ بين قطاع غزّة وإسرائيل

إبراهيم أبو ثريّا من سكّان دير البلح كان شابًّا في الـ29 من عمره مقعدًا ورجلاه مبتورتان. أثناء مشاركته في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة أطلق عليه جنود النيران وأردوه قتيلاً. في الماضي سبق أن أصابته نيران الجنود ثلاث مرّات: في عام 2001 أصيب برجليه خلال مواجهات وقعت شرقيّ مدينة غزّة. بعد ذلك بثلاث سنوات في عام 2004 أصابوه ببطنه خلال مواجهات وقعت في نفس المكان. في عام 2008 خلال "حملة الرّصاص المصبوب العسكرية" أصيب للمرّة الثالثة وفقد رجليه الاثنتين جرّاء انفجار صاروخ أطلقه الجيش بعد دخوله إلى مخيّم البريج للّاجئين. إضافة إليه فقد أصيب جرّاء إطلاق ذلك الصاروخ سبعة فلسطينيّين بينهم أربعة قاصرين. كان أبو ثريّا يسكن مع والديه وإخوته وأخواته الستة وكان المعيل الوحيد للأسرة اعتمادًا على مخصّصات عجز كان يتلقّاها من جمعيّة حكوميّة لدعم الجرحى إضافة إلى ما كان يكسبه من عمله في غسيل السيّارات.

عندما انطلقت موجة التظاهرات في أعقاب "إعلان القدس" الذي صرّح به الرئيس ترامب في 6.12.2017 انضمّ أبو ثريّا إلى المتظاهرين ورشق الحجارة على جنود كانوا يقفون في الجانب الآخر من الجدار. خلال التظاهرات كان ينزل عن كرسيّه المتحرك ويزحف متقدّمًا نحو الجدار ثمّ يعود ويعتلي كرسيّه مجدّدً وهكذا تحول إلى شخص مألوف بالنسبة للجنود.


فيديو: Al Mayadeen News

في يوم الجمعة الموافق 15.12.2017 نحو الساعة 9:00 تجمّع ما يقارب مئة شابّ في منطقة الشريط الحدوديّ عند حاجز "ناحَل عوز" شرقيّ غزة. بعد ساعتين أخذ الشبّان يشعلون إطارات السيّارات ويرشقون الحجارة نحو سيّارات الجيب العسكرية والجنود - وكان هؤلاء منتشرين قرب برجين يقعان على بُعد نحو 15 مترًا من الجدار ويطلقون النيران وقنابل الغاز المسيل للدموع نحو الشبّان. عندما وصل أبو ثريّا إلى التظاهرة ساعده بعض الشبّان في التقدّم نحو الجدار وهو على الكرسيّ المتحرك. عند الساعة 16:30 تقريبًا حين كان أبو ثريّا يجلس على الأرض وتفصل بينه وبين الشريط الحدوديّ عشرة أمتار إلى عشرين مترًا أطلق جنديّ الرصاص على رأسه وأرداه قتيلاً. قبل ذلك بنصف ساعة في التظاهرة نفسها أطلق الجنود النيران على رأس متظاهر آخر (ياسر سكّر البالغ من العمر 23 عامًا من سكّان غزّة) وقتلوه أيضًا.

Thumbnail
إبراهيم أبو ثريّا ومتظاهرون آخرون، خلال مظاهرة جرت قرب الجدار الحدوديّ في أعقاب تصريح ترامب، 15.12.2017. تصوير محمد سالم، رويترز

في إفادة أدلى بها أ.س. البالغ من العمر 22 عامًا من سكان غزة يوم 19.12.2017 أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح، حدّث بمّا جرى في ذلك اليوم:

قبل مقتله بيوم واحد تعارفنا أنا وإبراهيم أبو ثريّا ونشأت بيننا صداقة. كان يطلب منّي دفعه في اتّجاه الحدود وهو يرفع علم فلسطين ودون اكتراث لإطلاق النيران كنت أدفعه على كرسيّه إلى أقرب نقطة ممكنة من الجدار أي أنّنا كنّا نصل إلى مسافة نحو مئة متر من الحدود. لقد اعتقد ابراهيم أنّ الجنود لن يطلقوا النار عليه وكان يتابع التقدّم نحو الحدود دون الكرسيّ المتحرك - يصرخ على الجنود ثمّ يبتعد إلى الوراء. أحيانًا كان يصل إلى الحدود ويرفع علم فلسطين وعلم الجبهة الشعبية وأحيانًا أخرى كان يرشق الحجارة. يوم الأربعاء حضر جيب عسكريّ وأخذ الجنود الذين بداخله ينادونه عبر الميكروفون. قال له أحد الجنود باللّغة العربية: "إبراهيم، اذهب". توقّف الجيب لوقت قصير ثمّ غادر.

في يوم الجمعة 15.12.2017 قرابة التاسعة صباحًا مشيت متوجّهًا إلى منطقة "ناحَل عوز". كان هناك نحو مئة شابّ وفتًى يقفون على مسافة مئتي متر تقريبًا من الجدار وكان عدد من الجنود في البرجين العسكريّين. لم يرشق أحد الحجارة لأنّنا كنّا بانتظار وصول سيّارة الإسعاف وتجمّع عدد أكبر من الشباب. بعد نحو السّاعتين وصلت مجموعة أخرى من الشبان وكذلك وصل إبراهيم أبو ثريّا. كان يتنقّل من مكان إلى آخر حينًا يقترب من الحدود وحينًا يبتعد. أحيانًا كان يرفع قميصه ليرى الجنود أنّه غير مسلّح ولا يشكّل خطرًا على أحد. فجأة أخذ الجنود يطلقون الغاز المسيل للدموع وامتلأ الجوّ بالغاز لدرجة أنّنا لم نعد قادرين على رؤية شيء أمامنا. بعد ذلك أخذوا يطلقون الرّصاص الحيّ ثمّ قنابل الغاز مجدّدًا. انتبهت أنّ إبراهيم قد أصيب ورأيت الشباب يحملونه ويأخذونه إلى حيث سيّارة الإسعاف.

متظاهر آخر، ج.ح. البالغ من العمر 26 عامًا من سكّان بيت لاهيا وصف في إفادة أدلى بها يوم 27.12.2017 أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح، إطلاق النّار على أبو ثريّا:

في ذلك اليوم استمرّت المواجهات حتى ساعات ما بعد الظهر وأخذت تشتدّ لأنّه قد جاء عدد كبير من الشبان. أطلق الجيش نحونا النيران وقنابل الغاز المسيل للدموع وكلّ بضعة دقائق كان يصاب أحدنا، إمّا من إصابة بالرّصاص أو بقنبلة غاز أو جرّاء استنشاق الغاز.

عند الساعة 16:30 تقريبًا تقدّم إبراهيم باتّجاه الحدود. كان أحد الشبان يدفعه وهو على الكرسيّ المتحرك. بعد ذلك نزل عن الكرسي وأخذ يزحف مقتربًا منّا. كنّا نقف على بُعد بضعة أمتار من الشريط الحدوديّ والجنود يشتموننا ونحن نشتمهم بدورنا ونرشقهم بالحجارة. عندما اقترب إبراهيم أبو ثريّا منّا سمعت فجأة صوت إطلاق نار وكان الصوت عاليًا جدًّا. رأيت إبراهيم يقع إلى الخلف على ظهره. عندما وقع أخذنا نهتف "ألله أكبر" وفورًا حملناه وأخذناه إلى سيارة الإسعاف.

حُمل إبراهيم أبو ثريّا إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر وكانت تقف على بُعد نحو 250 مترًا من الجدار - ومن ثمّ نُقل إلى مستشفى الشفاء في غزة حيث أعلنت وفاته.

في إفادة أدلت بها أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، يوم 24.12.2017، حدّثت والدة إبراهيم, اعتدال أبو ثريّا البالغة من العمر 56 عامًا من سكّان دير البلح، متزوّجة وأمّ لسبعة, بما يلي:

Thumbnail
اعتدال أبو ثريّا. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم, 24.12.17.

كان إبراهيم يتلقّى مخصّصات ماليّة من مؤسّسة حكوميّة تدعم الجرحى ومن هذه المخصّصات كنّا ندفع أجرة المنزل ونشتري ما نحتاجه. زوجي مسنّ ولا يقدر على العمل وأخو إبراهيم الأصغر وأخواته الخمس جميعهم عاطلون عن العمل. ولأنّ المخصّصات لم تكن تكفينا كان إبراهيم يعمل في غسيل السيارات في شوارع غزة. رغم معاناته نتيجة بتر رجليه كان متفائلاً ومرحًا وابتسامة دائمة تنير وجهه. كان قلبه طيّبًا وكان شفوقًا عليّ وعلى والده وحاول دائمًا تلبية احتياجاتي.

عندما سمع إبراهيم إعلان ترامب أنّ القدس عاصمة إسرائيل غضب جدًّا وعندما علم أنّ المواجهات دائرة بين الشبان والجيش قرّر المشاركة في المظاهرات التي جرت شرقيّ غزّة. لم أستطع منعه من ذلك ولم يوقفه شيء عن مُراده. رغم أنّهم أصابوه قبل ذلك عدّة مرّات إلا أنه لم ييأس ولم يتعب. في يوم الجمعة الموافق 15.12.2017 استيقظ في التاسعة صباحًا وتناول فطوره وقال لي ولإخوته إنّه ذاهب إلى المظاهرات الجارية في "ناحل عوز". أوصاني إبراهيم أن أعتني بالعائلة لأنّه اليوم سوف يستشهد ثمّ ودّعني وودّع أخاه وأخواته. لم أصدّقه لأنّه كان عادةً كثير المزاح.

خرج إبراهيم من المنزل منذ العاشرة صباحًا لأنّنا نسكن في منطقة دير البلح والمظاهرة التي أراد المشاركة فيها جرت في منطقة الشجاعيّة قرب "ناحل عوز" وهي منطقة بعيدة جدًا ويصعب الوصول إليها لكنّه اعتاد الذهاب إلى هناك منذ كنّا نسكن في غزة - إلى ما قبل بضعة أشهر. عندما كان إبراهيم يشارك في المظاهرات كنت أخاف عليه وينتابني القلق ولكنّي توقّعت دائمًا أنّه سيرجع إلينا إذ اعتقدت أنّ الجيش الإسرائيلي لن يطلق عليه الرصاص لأنّه مقعد ولا يشكّل خطرًا على أحد. هو لم يكن يستطيع المشي كان يزحف قرب الجدار.

عند الساعة 17:00 تقريبًا اتّصل بي هاتفيًّا ابن عمّه وقال لي إنّ ابراهيم قد أصيب في رأسه واستشهد. لم أصدّقه لأنّني كنت واثقة من عودة إبراهيم إلى البيت. أبلغت والده فذهب وحده إلى مستشفى الشفاء ورأى الجثّة في غرفة الموتى ليتأكّد من أنّ الذي استُشهد هو إبراهيم. اتّصل زوجي وأخبرني أنّ إبراهيم قد توفّي وأنّه أصيب في منطقة الرأس. انتابتني الهستيريا وأخذت بالصراخ والبكاء وانهارت أخواته تمامًا عندما علمن بذلك. ما ذنبه هو! في اليوم التالي أقيمت جنازته وودّعته. ألله يصبّرنا على فراقه. لقد ترك فراغًا كبيرًا في المنزل. أحيانًا يخيّل إليّ أنّي أسمع صوته وضحكته في أنحاء البيت. إنّني أدعو له كلّ يوم وأصلّي لأجله.

إضافة إلى إبراهيم أبو ثريّا قتل الجنود المتمركزون على الجهة الأخرى من الجدار سبعة متظاهرين آخرين بالرّصاص الحيّ خلال موجة الاحتجاجات قرب الشريط الحدودي في شهر كانون الأوّل والتي انطلقت في أعقاب إعلان ترامب رئيس الولايات المتحدة بشأن القدس. وكما في حالة أبو ثريّا لم يشكّل أيّ من هؤلاء المتظاهرين خطرًا على حياة الجنود. وفقًا لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينية فإنه قد جُرح بين 7 كانون الأوّل 2017 و-31 منه 322 فلسطينيًّا جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ من قبل الجنود وجُرح 58 جرّاء إطلاق الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط.

نشرت وسائل الإعلام العبريّة أنّ قسم التحقيقات في الشرطة العسكرية باشر التحقيق في حادثة إطلاق الرّصاص على أبو ثريّا لكنّنا شبه متأكّدين - بناءً على التجربة - أنّ التحقيق لن يسفر عن محاكمة أيّ من المسؤولين عن القتل المخالف للتعليمات وبالتأكيد لن يحاكَم أحد من ذوي المناصب الرّفيعة. هذه التجربة - التي تشهد أنّ التحقيقات ينتهي جميعها تقريبًا إلى طمس الحقائق - هي التي حذت بمنظمة بتسيلم التوقّف عن التوجّه إلى النيابة العسكرية مطالِبة بالشروع في التحقيق. ومع ذلك فنحن نؤكّد أنّ إجراء التحقيق ومحاسبة المسؤولين يظلّان من واجبات الجهاز العسكريّ. غير أنّه طالما النيابة العسكرية تواصل سياسة الطمس الممنهج لملابسات مقتل وجرح الفلسطينيين على يد قوّات الأمن وطالما لا يدفع أحد ثمن المسّ بالفلسطينيين فسوف يتواصل القتل المخالف للتعليمات.

المكان