Skip to main content
صالح أبو هدّاف مع صورة ابنه محمد. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 10.12.17
Menu
المواضيع

وفاة طفل بعد ثلاث سنوات ونصف جرّاء إصابته في قصف صاروخيّ أثناء حملة "الجرف الصامد"

"في 6.12.2017، قُبيل الصّبح، كنت مع محمد في قسم الجراحة، في المستشفى الأوروبي. في الساعة الثانية بعد منتصف الليل توقّف عن التنفّس. ورغم أنّني كنت أعرف أنّ وضعه صعب جدًّا، وأنّه لن يعيش طويلاً، كان من الصعب عليّ جدًّا تقبّل موته. كنت أحبّه كثيرًا".

هكذا يصف صالح أبو هدّاف (40 عامًا) وفاة ولده محمد عن عمر ناهز تسع سنوات، وكان قد جُرح في القصف الإسرائيلي خلال "حملة الجرف الصامد"، في 8.8.2014. تم تسجيل الإفادة من قبل الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة في تاريخ 10.12.17.

محمد أبو هدّاف قبل اصابته. الصورة بلطف من العائلة.
לפניمحمد قبل الاصابة.

عندما شنّت "حملة الجرف الصامد" تركت عائلة أبو هدّاف منزلها - الوالد صالح، وكان آنذاك في سنّ الـ37؛ الوالدة نسرين، وكانت في سنّ الـ35؛ وأولادهما الخمسة وكانوا في سنّ تتراوح بين ثلاثة وثمانية أعوام. انتقلت العائلة من منزلها في القرارة، شماليّ خان يونس إلى منزل شقيقة صالح في خان يونس. بعد ذلك بأيّام معدودة قصف الجيش الإسرائيلي منزل العائلة، في القرارة.

أثناء وقف إطلاق النار، في 8.8.2014، عاد الوالدان وأولادهما إلى منزلهم المهدّم لكي يأخذوا بعض الأغراض التي نجت من القصف. في ساعات ما بعد الظهر، حين كانوا عند مدخل منزلهم أو ما تبقّى منه، أطلق الجيش الإسرائيلي صاروخين أصابا جوار المنزل. يبدو انّ الصاروخين كانا موجّهين إلى مبانٍ ثلاثة لآل أبو هدّاف (العائلة الموسّعة)، الذين كانوا يقفون عند مدخل منزلهم المجاور. قُتل جرّاء القصف ثلاثة أشخاص في سنّ الـ8 والـ15 والـ19 لم يشاركوا في القتال. صلاح ونسرين أبو هدّاف وأربعة من أولادهما جُرحوا ونُقلوا إلى مستشفى في خان يونس. محمد، الذي كان آنذاك في سنّ السادسة، جُرح في بطنه وعموده الفقري؛ وفي أثناء خضوعه لعملية جراحية اضطرّ الأطبّاء إلى إجراء إنعاش له، وعانى من نقص في الأوكسجين الواصل إلى الدماغ. نُقل محمد إلى المستشفى الأوروبي قرب رفح، حيث رقد تحت العلاج طيلة 15 يومًا، اتّضح خلالها أنّ رجلاه قد شُلّتا.

تابع محمد علاجه في تركيّا، حيث طار إلى هناك مع عمّته، ثمّ بعد أسبوعين انضمّ إليهما والده وشقيقه عيّاش، وكان آنذاك في سنّ الخامسة وأصابه شلل جزئيّ جرّاء القصف. بعد مضيّ بضعة أشهر عاد الجميع إلى منزل الأسرة في القرارة، الذي رمّمه الأب جزئيًّا بواسطة قضبان الحديد وألواح الأسبست والشوادر. في أوائل كانون الأوّل 2014 رقد محمد مجدّدًا للعلاج في قطاع غزة.

في إفادة أدلت بها يوم 10.12.2017 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، وصفت نسرين هدّاف العلاجات التي تلقّاها ولدها ومشاعرها في تلك الأيّام:

محمد أبو هدّاف قبل اصابته. الصورة بلطف من العائلة.

"عندما تلقى محمد العلاج في تركيا كانت معاناتي لا توصف. كنت أنا نفسي مصابة بجروح، وكذلك أولادي. إضافة، كان محمد بعيدًا عنّي، ولم أعرف حقيقة وضعه. كان أولادي في حاجة إليّ، ولكنّي كنت أمضي الوقت في البكاء، وكنت مرهقة نفسيًّا وجسديًّا. تلقّى محمد في تركيا العلاج الطبيعي "فيزيوتِرابيا"، وكانوا يعطونه أدوية على شكل حبوب وحقن. عندما عاد إلى القطاع رقد مجدّدًا للعلاج في المستشفى الأوروبي. كان يعاني شللاً جزئيًّا ولم يقدر على المشي. استخدم كرسي عجلات. أمضى معظم وقته مستلقيًّا على ظهره، وأنبوب في رقبته يصله بجهاز الأكسجين. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى الهلال الأحمر في خان يوسف لأجل العلاج الطبيعي، لكنّ ذلك لم ينفعه وظلّ مشلولاً. أثناء العلاج في مستشفى الهلال الاحمر وصلوه بأنبوب تغذية من البطن، بدلاً عن "زوندا" الأنف التي تغذّى بواسطتها منذ إصابته. لكنّه بعد تركيب الانبوب أخذ يتقيّأ وساءت حالته".

خلال عام 2015 نُقل محمد للعلاج في مستشفى "هداسا عين كارم"، في القدس، حيث أجريت له عمليّتان جراحيّتان في المعدة والحلْق؛ وبعد نحو أربعين يومًا عاد إلى منزل الأسرة في القرارة. في الفترة التي قضاها محمد في المنزل فقد نظره وقدرته على الحركة والكلام. فوق الحالة الصعبة التي وصل إليها محمد، ناءت العائلة تحت عبء تكاليف العلاج التي كانت تبلغ 800 ش.ج. اسبوعيًّا، إضافة إلى تكاليف احتياجاته الأخرى - مثال، كرسي عجلات، جهاز تغذية عن طريق البطن، ممرّضة خاصّة لازمته حين رقد في المستشفى مجدّدًا.

في إفادته تحدّث صالح الأب عن تلك الأيّام:

صالح أبو هدّاف
صالح أبو هدّاف

"أخذت محمد إلى عدّة مستشفيات في غزّة، وعدّة أطبّاء. كان مثل ميت، لا يتحرّك أبدًا، فقط تنفّس. لم يرَ ولم يتكلّم. رقد في مستشفى الهلال الأحمر، ودفعت 1000 ش.ج. لممرّضة خاصّة لكي تعتني به. اشتريت له كرسي عجلات بـ2000 ش.ج.. وبمساعدة جمعية السلامة في خان يونس حصّلت له مجانًا سريرًا خاصًّا، مع فرشة هواء وجهاز لشفط السوائل وجهاز لاستنشاق البخار. وخلال السنوات التي مرّت تكبّدنا تكاليف عالية جدًّا لدى نقله من مستشفًى لآخر ولقاء الأدوية التي تناولها.

كنت أشتغل متقطّعًا، وكنت أصرف كلّ مرتّبي على محمد. وكان والدي وشقيقتي وأشقّائي يدعمونني في المصاريف، ولكن كلّهم موظفون وليس لديهم الكثير ليقدّموه. أحيانًا تلقّيت مساعدات من عائلة زوجتي ومن أصدقاء. جميع أبناء الأسرة عانوا من الوضع لأنّنا تقشّفنا كثيرًا في المصاريف.

طيلة كلّ هذه السنين عشنا في البيت المهدّم - لم تكن له جدران حقًّا، ولا نوافذ أو أبواب. في الصيف كان حارًّا جدًّا وفي الشتاء تسرّبت مياه الأمطار عبر الثقوب التي في سقف الإسبست".

في تشرين الأول 2017 تمكّنت العائلة من الانتقال إلى منزل جديد في القرارة، أقامته أموال التعويضات التي تلقّتها من "الأونروا" (وكالة غوث اللّاجئين، التابعة لهيئة الأمم المتحدة)، وبمساعدة عائلة نسرين. في تلك الفترة أجريت فحوصات جديدة لمحمد، وفي 2.11.2017 رقد للعلاج في المستشفى الأوروبي، قرب رفح، في أعقاب وذمة (Edema) تطوّرت في بطنه نتيجة تجمّع السوائل. أجريت له عمليّتان جراحيّتان، ولكن دون جدوى. في 6.12.2017، توفّي محمد في المستشفى.

في إفادتها قالت الأمّ:

"محمد كان وضعه صعبًا كلّ الوقت، إلى أن فقدناه - يوم الأربعاء، عند الساعة 2:00 فجرًا. كان زوجي إلى جانبه. انا كنت حاملًا في الشهر التاسع ولم أستطع أن أكون هناك. عندما توفّي محمد خشي زوجي أن يخبرني. خاف من ردّة فعلي. علمت بذلك في السابعة من صباح اليوم نفسه، عن طريق أمّي وأخي وأختي. عندما سمعت الخبر لم أتمالك نفسي، بكيت وصرخت على فقدان ولدي. لقد كانت لحظات صعبة. فقدت ابني محمد. إنّه قضاء الله. بعد ذلك حمدت الله ودعوت لمحمد بالرحمة والغفران".

سياسة إطلاق النار والقصف الجوّي لمناطق مكتظّة بالسكّان كانت أحد الجوانب الأكثر هولاً في أداء إسرائيل خلال "حملة الجرف الصامد". نتيجة لتطبيق هذه السياسة قُتل على الأقلّ 1,055 فلسطينيًا لم يشاركوا في القتال - ما يقارب نصف الفلسطينيين الذين قتلوا أثناء القتال - بينهم 405 أولاد، و-229 نساء. أصرّت إسرائيل أنّ هذه السياسة تنسجم والقانون، ولكنّ ادّعاءها هذا باطل: بدءًا بالتأويل غير المعقول لما يمكن اعتباره "أهداف مشروعة"، مرورًا بإفراغ مبدأ التناسب من مضمونه وانتهاءً بالتطبيق الأداتيّ لمطلب اتّخاذ الحيطة مع تجاهل غير خفيّ للنتائج الفتّاكة المترتّبة على هذه السياسة ولقتل أسَر بأكملها. واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع، منزلاً منزلاً، أسْرةً أسْرة. عدا الأعداد الكبيرة للقتلى جرّاء هذه السياسة، هُدم وتضرّر نحو 18,000 منزل، وأضحى بلا مأوًى أكثر من 100,000 فلسطينيّ، نتيجة هذا القصف العشوائي؛ وتفيد معطيات نشرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (OCHA)، أنّه حتّى نهاية شهر آب 2017، كان ثلثهم لا يزال دون مأوى.

إضافة، جُرح خلال "حملة الجرف الصامد" أكثر من 11,200 فلسطينيّ، بينهم 3,400 أولاد و-3,500 نساء، اضطرّ معظمهم إلى الاكتفاء بالخدمات الطبية المنقوصة في قطاع غزّة، وإلى تحمّل تكاليف العلاج بأنفسهم، دون تلقّي أيّ تعويض من إسرائيل على الأضرار التي ألحقتها بهم.

محمد أبو هدّاف واحد من ضحايا هذه السياسة: كان في سنّ السادسة عندما أصيب جرّاء صاروخ أطلقه الجيش الإسرائيلي على مدخل منزل مجاور لمنزل عائلته المهدّم. طيلة أكثر من ثلاث سنوات كافحت العائلة والأطباء لكي يعيش محمد، الذي كان يُنقل من مستشفى إلى آخر في قطاع غزة وفي تركيا وإسرائيل، وهو يعاني الشلل والعمى وفقدان النطق. في 6.12.2017، في المستشفى الأوروبي في رفح، توفّي محمد أبو هدّاف جرّاء إصابته، عن عمر ناهز التاسعة.

المكان