Skip to main content
Menu
المواضيع

أكثر من 90% من المياه المتوفرة في قطاع غزة غير صالحة للشرب

مُسنّ يملأ حاوية مياه من حنفية عامة تابعة لمنشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014
مُسنّ يملأ حاوية مياه من حنفية عامة تابعة لمنشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014

تشكل طبقة المياه الجوفية الشاطئية مصدرَ المياه الأساسيّ في قطاع غزة، وهي تخدم إسرائيل ومصر أيضًا. وقبل احتلال إسرائيل للقطاع عام 1967، كانت هذه الطبقة الجوفية تعاني الضخّ الزائد للمياه، الأمر الذي لم يتوقف حتى اليوم. واليوم، تضخّ سلطة المياه الفلسطينية في القطاع من هذه الطبقة الجوفية قرابة 180 مليون متر مكعب سنويًا، في حين يبلغ معدل امتلاء الطبقة الجوفية بالمياه 50-60 مليون متر مكعب سنويًا، فقط. وقد أدّى الضخّ الزائد على مرّ السنوات إلى انخفاض كبير بمستوى سطح المياه الجوفيّة، الأمر الذي أدّى إلى تلوّث مياه طبقة المياه الجوفيّة نتيجة لتغلغل المياه المالحة إليها وارتفاع المياه الجوفية المالحة التي كانت في أعماق البئر. وتبيع إسرائيل للقطاع اليوم مياهًا بحجم 4.2 ملايين متر مكعب سنويًا، وقد وافقت على بيع القطاع 5 ملايين متر مربع من المياه المحلاة سنويًا، إلا أنّ أعمال البنى التحتية اللازمة لنقلها لم تنتهِ بعد.

توجد في قطاع غزة أيضًا مشكلة متواصلة منذ وقت طويل تتمثل بعدم العناية بالمياه العادمة. الكثير من السكان غير مرتبطين بتاتًا بشبكة المجاري، بحيث تسيل المياه العادمة من المنازل إلى بالوعات ثم تتغلغل في المياه الجوفية وتلوّثها. وقد تفاقمت هذه المشكلة في السنوات الأخيرة، وخصوصًا بسبب النقص بالكهرباء اللازمة لتنقية المياه العادمة. كما أنّ إسرائيل ألحقت الأضرار أثناء حملة "الرصاص المصبوب" بمنشأة التنقية في القطاع ممّا أدّى إلى ارتفاع كمية المياه العادمة التي لا تُعالج. وبرغم ترميم جزء من البنية التحتية وتشييد بنية تحتية جديدة في المدن التي لم تكن مربوطة في السابق بشبكة المجاري، إلا أنّ منشآت التنقية في القطاع غير قادرة على مواكبة الضغط المطلوب من أجل تنقية المياه العادمة بالمستوى الكافي. وثمة مشاريع مختلفة لتحسين البنى التحتية تتقدم بوتيرة بطيئة جدًا في أعقاب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال مواد البناء والمعدات، وبسبب إجراءات المصادقة المتواصلة داخل المنظمات الدولية التي تمول هذه المشاريع.

تشير الفحوصات التي أجرتها سلطة المياه في القطاع إلى ارتفاع في مستوى نترات الصوديوم في المياه، وذلك بسبب التلويت وخصوصًا استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة وتغلغل مياه المجاري في الطبقة الجوفية. وفي كل يوم تتمّ العناية بقرابة 25% من مياه المجاري في القطاع –قرابة 30,000 متر مكعب يوميًا- فقط، حيث يُعاد تكريرها وتحليتها للأغراض الزراعية. قرابة 90,000 متر مكعب من المياه العادمة لا تُعالَج بها أو تجري معالجتها جزئيًا تصبّ يوميًا في مياه البحر المتوسط، ممّا يؤدّي إلى التلويث الذي يخلق أخطارًا صحّية ويلحق الضّرر بقطاع صيْد الأسماك.

منشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014
منشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014

ونتيجة لارتفاع مستوى نترات الصوديوم في المياه، فإنّ المياه الجوفية تحتوي نسبةً كبيرةً من النيتروجين والكلوريد، بحيث أنّ 90-95% من هذه المياه غير صالحة للشرب، بالإضافة إلى أنّ استخدامها للزراعة أمر إشكاليّ. وبحسب الفحص الذي أجرته سلطة المياه في القطاع يتضح أن 14 بئرًا فقط (قرابة 6.5% من مجمل الآبار) في القطاع تضخ مياهًا تستوفي تستوفي معايير منظمة الصحة العالمية.

97% من سكان القطاع مرتبطون بشبكة المياه، ومع ذلك فإنّ الارتباط بالشبكة لا يضمن توفير المياه بشكل منتظم. حيث يعاني القطاع نقصًا في المياه والكهرباء –اللازمة لغرض ضخّ المياه في الشبكة- ومشاكل مستعصية في البنى التحتية. ونتيحة لهذا الواقع، يعاني سكان القطاع انقطاعات مقصودة للمياه: فربع المرافق المنزلية فقط في قطاع غزة تتمتع بتوفر المياه يوميًا، ويستمرّ ذلك لفترة تراوح بين 6-8 ساعات في اليوم فقط. 40% من المرافق المنزلية تتمتع بمياه جارية مرة كل يومين، ولمدة 6-8 ساعات، و20% من المرافق المنزلية تتمتع بمياه جارية مرة كلّ ثلاثة أيام لمدة 6-8 ساعات، و15% من المرافق المنزلية (الواقعة في غزة ورفح وجباليا) تتمتع بمياه جارية لمدة 6-8 ساعات مرة كلّ أربعة أيام فقط.

ويُلزم توفير المياه غير المنتظم السكان بتجميع المياه في صهاريج (خزانات). وتوضع هذه الصهاريج على السطوح، ولكن أحيانًا يؤدي انقطاع التيار الكهربائي إلى توقف عمل المضخات التي من المفترض أن تضخ المياه إليها، وعندها يضطر السكان لتخزينها في صهاريج إضافية تقع على مستوى سطح الأرض.

وفاء الفران (42 عامًا)، متزوجة وأم لثمانية أولاد، من سكان حيّ الشجاعية في مدينة غزة، تروي في إفادتها أمام بتسيلم:

تلحق الانقطاعات بالتيار الكهربائي أذًى كبيرًا بتوفير المياه إلى منازلنا فحين ينقطع التيار الكهربائيّ يكون تدفق المياه ضعيفًا جدًا. لقد اضطررنا لشراء مضخة كي تصل المياه إلى الخزانات الموجودة على السطح. لدينا أربعة خزانات، سعتها الكلية 4,000 لتر. عندما تصلنا المياه نشغل المضخة ونملأ الخزانات. ولكن أحيانًا يكون التيار الكهربائي مقطوعًا في ذلك الوقت. في مثل هذه الحالة اعتدنا على تشغيل المضخة بواسطة مولد كهربائيّ كي لا نظلّ بلا مياه. إلا أنّ المولد الكهربائي يستهلك الكثير من الوقود وهو عبء اقتصاديّ. والآن لا تصل الوقود من مصر والوقود الإسرائلييّ باهظ الثمن، ولذا فإننا لا نشغل المولد بتاتًا، حتى في المساء حين تنقطع الكهرباء، ونكتفي بالشموع والمصابيح. قبل عدة شهور اشترى زوجي خزان مياه جديدًا وضعه عند مدخل المنزل الرئيسي، كي نستطيع ملأه في غياب الكهرباء. ومن هذا الخزان نخرج المياه بالدلاء لأنه غير موصول بأنابيب المنزل.

المياه التي تصل بالأنابيب لا نشربها، ولا نستخدمها لصنع الشاي أو القهوة أو للطبخ. نحن نشتري مياهًا عذبة من بائعي المياه. وأحيانًا أستخدم المياه العذبة أيضًا لغسل شعر بناتي، وفي الصباح نستخدمها لغسل وجوهنا لأنّ المياه من الأنابيب تلذع العينين.

يبلغ معدّل استهلاك المياه اليوميّ للفرد اليوم 70-90 لترًا. المعدل الأدنى للاستهلاك اليوميّ الذي توصي به منظمة الصحة العالمية هو 100 لتر يوميًا. وبرغم أنّ غالبية السكان مرتبطون بشبكة المياه، إلا أنّ جودة المياه المتدنيّة تدفعهم لشراء مياه الشرب من مياه جرت تحليتها في منشآت تحلية حكومية وخصوصية، أو منشآت تديرها جمعيات خيرية في أرجاء القطاع.

ابتسام خير الدين (48 عامًا)، متزوجة وأم لستة أولاد، من سكان حيّ السلطان في مدينة رفح، روت في إفادتها أمام بتسيلم:

ابتسام خير الدينالمياه التي نحصل عليها مالحة وغير صالحة للشرب ولها أحيانًا رائحة سيئة. نحن لا نستخدمها إلا لتنظيف البيت وغسل الصحون وغسل الملابس، مع أنّ هذه الأمور لا تنظف تمامًا. وأحيانًا تكون للملابس رائحة سيئة وتحمل البقع. كما تؤدّي هذه المياه إلى أضرار في الغسالة. وقد سبق وأصلحنا الغسالة عدة مرات، ودفعنا في كلّ مرة مبالغ تتراوح بين 50 و 70 ش.ج. وقال التقنيّ إنّ هذه الأعطاب تنشأ بسبب ملوحة المياه. نحن لا نشرب المياه ولا نستخدمها للطبخ. ولهذين الغرضين نشتري كلّ يوم المياه من بائعي المياه الذين يأتون إلى الحيّ، أو من أصحاب المصالح التجارية الذين يملكون خزانات المياه. نشتري كل يوم 50 لترًا من المياه العذبة بشيكلين اثنين للتر. وفي الآونة الأخيرة وبسبب الانقطاعات في التيار الكهربائي التي قد تمتدّ طوال 12 ساعة ومع عدم توفر النقود لشراء الوقود للمولد الكهربائيّ، فقد بدأنا من أجل تعبئة الخزانات بشراء المياه للتنظيف وغسل الملابس أيضًا.

فيضان مجارٍ في حي الزيتون في مدينة غزة، في أعقاب النقص بالكهرباء وخلل في مولد الكهرباء في محطة ضخ المجاري.  تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 13/11/2013
فيضان مجارٍ في حي الزيتون في مدينة غزة، في أعقاب النقص بالكهرباء وخلل في مولد الكهرباء في محطة ضخ المجاري.  تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 13/11/2013 

في يوم 1/11/2013 تعطل عمل محطة توليد الكهرباء في غزة، بسبب النقص بالسولار في القطاع، الأمر الذي ألزم تشغيل محطات ضخ مياه المجاري بواسطة المولدات الكهربائية. في يوم 13/11/2013، تعطل عمل إحدى محطات ضخ مياه المجاري في حيّ الزيتون في مدينة غزة في أعقاب خلل في المولد الكهربائيّ، مما أدّى إلى سيلان قرابة 35,000 متر مربع من مياه المجاري الخام في الحيّ، فأغرقته ودخلت البيوت.

وروى فتحي صقر (67 عامًا)، من سكان حي الزيتون في إفادته أمام بتسيلم:

فتحي صقر.  تصوير: محمد صباحنسكن أنا وزوجتي وأولادي السبعة الذين تتراوح أعمارهم بين 5-17 عامًا في الطابق الأرضيّ على بعد 20 مترًا من محطة ضخّ المجاري. في يوم الأربعاء 13/11/2013 وقرابة الساعة 13:00، أنهينا للتوّ تناول وجبة الغداء بعد عودة الأولاد من المدرسة، وفجأة بدأت مياه المجاري بالتغلغل في بيتنا. بدأنا برفع الفراش والسجاجيد والحُصُر والثياب التي ابتلت. بعدها حاولنا إغلاق مداخل التصريف في المنزل بقطع قماشية كي لا ترتفع مياه المجاري، لكن بلا فائدة. لقد علت مياه المجاري عبر الفتحات وامتلأ المنزل بها. أعدنا إغلاق الفتحات وبدأنا بضخّ المياه خارجًا. وضعنا أكياس رمل على باب البيت كي نمنع دخول مياه المجاري من خلاله. لقد تبللنا جميعنا جراء المجاري: أيدينا وأرجلنا وملابسنا، وسادت رائحة النتن. استغرقنا ساعات كي نخرج المياه ونجفف الأرض. بعدها لم نغسل إلا أيدينا وأرجلنا لأننا لم نرغب باستخدام الكثير من المياه كي لا يحدث فيضان آخر."

أوصى برنامج الأمم المتحدة للبيئة منذ العام 2009 بوقف ضخّ المياه من احتياطي المياه الجوفية الشاطئية في قطاع غزة، من أجل منع انهيار مرافق المياه في القطاع. مع ذلك فإنّ الضخ الزائد للمياه الجوفية متواصل حيث ينبع ذلك من ضمن سائر الأسباب من غياب مصادر مياه بديلة لسكان القطاع. واليوم لا يوجد أيّ برنامج مُطبّق لتوفير حلّ بعيد الأمد لأزمة المياه في القطاع. وتنذر سلطة المياه الفلسطينية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بأنّ طبقة المياه الجوفية قد تجاوزت نقطة اللا-عودة من ناحية إمكانية ترميمها، وأنه ابتداءً من العام 2016 لن يكون بالإمكان ضخّ المياه منها.

سعيًا لمواجهة أزمة المياه الشديدة في القطاع، أوصى برنامج الأمم المتحدة للبيئة جميع الأطراف المستفيدة من طبقة المياه الجوفية –إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحكومة حماس ومصر- بالعمل سوية من أجل وقف التدهور السريع الحاصل في منظومة المياه الجوفية الشاطئية الذي يخدم سكان القطاع، والعثور على مصادر مياه إضافية لتوفير مياه مناسبة للشرب لصالح سكان القطاع. وفي المقابل يجب على إسرائيل السماح فورًا بإدخال موادّ ومعدات لترميم وتطوير نظام المياه والعناية بالمياه العادمة.

• جميع الإفادات جمعها الباحث الميداني لبتسيلم في قطاع غزة محمد صباح.

كلمات مفتاحية