Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

التشويشات في معبر رفح تبرز واجب إسرائيل بتمكين عبور سكان القطاع إلى خارج البلاد

مسافرين في الانتظار على معبر رفح. تصوير: محمد صباح. بتسيلم. 24/8/2013
مسافرين في الانتظار على معبر رفح. تصوير: محمد صباح. بتسيلم. 24/8/2013

في أيلول 2005، استكملت إسرائيل خطة "الانفصال" عن قطاع غزة. ومع ذلك، فهي ما تزال تسيطر على مداخل ومخارج القطاع، باستثناء معبر رفح. وتسيطر إسرائيل على المجالين الجويّ والبحريّ الخاصين بالقطاع، ولا تسمح بحركة الطيران أو السفن. كما أنها لا تسمح بالعبور من القطاع إلى الخارج عبر معبر أللنبي في الضفة الغربية، إلا في الحالات بالغة الاستثناء، كما تحظر على الفلسطينيين حظرًا باتًا السفر بالطائرة إلى الخارج عبر مطار بن جوريون.

ونظرًا لهذا، يظلّ معبر رفح سبيل الانتقال الوحيد اليوم من القطاع إلى الخارج. وبعد سيطرة حماس على السلطة في قطاع غزة عام 2007، أغلق المعبر بشكل شبه دائم لعدة سنوات. في نهاية أيار 2011، أعلنت مصر عن فتح معبر رفح أمام حركة الفلسطينيين بشكل دائم ورسميّ. ومن وقتها صار بالإمكان السفر إلى الخارج من داخل القطاع والدخول إليه، من دون تقييدات تقريبًا، وقد قام سكان القطاع بالفعل بالسفر لأغراض تلقي العلاج الطبيّ والدراسة والعمل والزيارات الأسرية والاستجمام. ومن كان يرغب بالعبور كان عليه التسجّل قبل ذلك في وزارة الداخلية في القطاع، وهناك جرى إبلاغه بالتاريخ الذي يمكنه السفر فيه، هذا عند السماح له بالسفر.

ولكن، ومع مطلع تموز 2013، عند بدء الأحداث التي أدّت إلى الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي، قيّدت السلطات المصرية الدخول إلى القطاع والخروج منه، فتقلص عدد العابرين في المعبر بشكل كبير جدًا. وفي أثناء الأشهر الواقعة بين تموز-أيلول، أُغلق المعبر وفُتح على التوالي، وعندما كان مفتوحًا لم تسمح السلطات المصرية إلا بعبور مجموعات ضيقة، مثل أصحاب جوازات السفر الأجنبية والمرضى الذين في حالة صعبة وطلاب الجامعات (باستثناء الذين يدرسون في مصر، وحيث لم يسمح لغالبيتهم بالعبور إلا في نهاية أيلول). أمّا الأشخاص الذين كانوا يخططون للسفر إلى الخارج لعقد لقاءات أو لاحتياجات عائلية أو للاستكمالات أو للاستجمام، فهم عاجزون عن ذلك حتى اليوم.

وحتى من نجح في العبور عبر معبر فرح، اضطرّ للمخاطرة بالسفر إلى مطار القاهرة عبر شمال سيناء، حيث تجري هناك نشاطات قتالية بين الجيش المصري وبين تنظيمات مسلحة. وأجرى باحثو بتسيلم مقابلات مع أناس قالوا إنهم يخشون جدًا السفر مع أفراد عائلاتهم عبر هذه الطريق، إلا أنّ لا خيار آخر لديهم.

محاوله لعبور معبر رفح. تصوير: محمد صباح. بتسيلم. 24/8/2013.
محاوله لعبور معبر رفح. تصوير: محمد صباح. بتسيلم. 24/8/2013.

ووفقًا للمعطيات التي جمعتها منظمة "مسلك"، فقد عبر في عام 2013، وبالاتجاهين، ما معدّله 1,353 شخصًا يوميًا في معبر رفح. ومن وقتها، انخفض عدد العابرين بالتدريج شهريًا: ما معدّله 526 شخصًا يوميًا أثناء تموز، و363 شخصًا أثناء آب و217 شخصًا فقط أثناء أيلول.

ويتضح من معطيات منظمة الصحة العالمية أنّ إسرائيل ضاعفت في هذه الفترة عدد المرضى الذين سُمح لهم بالعبور عن طريق معبر إيرز (المنطار) لغرض تلقي العلاج الطبيّ في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وفي إسرائيل، وذلك بغية توفير العلاج للمرضى الذين كان من المفترض أن يصلوا إلى مصر للعلاج. فعلى سبيل المثال، في شهر آب بلغ عدد المرضى الذين قدموا طلبات لعبور معبر أيرز 1,023 شخصًا، من بينهم 932 شخصًا حصلوا على التصاريح لذلك. ويأتي هذا مقابل 585 شخصًا فقط طلبوا العبور في شهر آب 2012، ومن بينهم حصل 543 شخصًا على التصاريح.

إلا أنّ الكثير من سكان القطاع الذين كان من المفروض أن يسافروا للخارج لأغراض أخرى ظلوا بلا جواب. فالطلاب الجامعيون الذين يدرسون خارج القطاع استصعبوا جدًا العبور من خلال معبر رفح في الشهور الثلاثة الأخيرة. كما أنّ بعضهم خسروا بداية السنة الدراسية نتيجة للتأخيرات. سارة الشريف(19 عامًا) من سكان حيّ الشيخ رضوان، هي طالبة جامعية في السنة الثالثة في موضوعي التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية في جامعة العلوم والتقنيات في الأردن، وقد حاولت العبور عبر معبر رفح لثلاثة أسابيع، ولم تنجح في ذلك إلا في 1/10/2013. وقبل حصولها على تصريح العبور قالت الشريف في إفادتها أمام الباحث في بتسيلم:

في يوم 30/5/2013، أنهيت السنة الثانية في الجامعة في الأردن، وسافرت إلى ميناء العريش ومن هناك إلى قطاع غزة، في زيارة عائلية. كنت أرغب بزيارة أمي وأخوتي والعائلة والصديقات والجيران وأن أكون قليلا في غزة قليلا كوني لم أعد للزيارة منذ سنتين. {...} كان من المفروض أن أعود إلى الأردن يوم 18/9/2013، حيث تبدأ الدراسة في الجامعة يوم 22/9/2013.

بعد أن سمعت بأنّ المعبر مغلق كلّ يوم، توجهت إلى وزارة الداخلية وتسجّلت للعبور في 12/9/2013. كما تسجلت في وزارة الشؤون المدنية من أجل تقديم طلب للسفر عبر حاجز إيرز. {...} منذ أن أغلقوا معبر رفح وأنا نادمة على قدومي للزيارة إلى غزة. أنا في وضع نفسي صعب. خططت للوصول إلى الأردن قبل عدة أيام من بدء الدراسة كي أرتب غرفتي وأغراضي التي خزنتها في الأردن، ومن أجل شراء الكتب وأمور أخرى متعلقة بالدراسة.

أنا أتمنى أن يفتحوا معبر رفح كي يكون بإمكاني العودة إلى الأردن واستكمال دراستي في الجامعة، برغم أنني أخاف جدًا من السفر من معبر رفح إلى مطار القاهرة، حيث تمتد السفرة على طول ثماني ساعات. وعلى طول هذه الطريق يوجد الكثير من المشاكل وأعمال العنف والعمليات التفجيرية، وأنا أسافر وحدي. لكنني ملزمة بالسفر من أجل العودة إلى دراستي.

وقد ألحق إغلاق المعبر أضرارًا اقتصادية بالتجار في القطاع. واليوم، لا يُسمح إلا لعدد ضئيل من التجار بالعبور إلى الضفة أو إسرائيل من خلال معبر إيرز، فيما درج تجار كثيرون في السنوات الأخيرة على السفر إلى الخارج عن طريق معبر رفح لشراء البضائع وتسويقها في القطاع. ولكن المصريين لا يسمحون بنقل البضائع عبر رفح منذ شهر تموز. أديب المخلالاتي، (49 عامًا)، وهو من سكان حي الرمال في مدينة غزة وصاحب متجر للملابس، قال في إفادته أمام بتسيلم:

أديب المخلالاتيلديّ حانوت لملابس النساء والأطفال. أنا أشتري ملابس الأطفال التي يخيطونها في غزة وأستورد ملابس النساء من تركيا. أنا أسافر إلى هناك مرة كل ثلاثة أشهر تقريبًا عن طريق معبر رفح. وفي السابق، وبين السنوات 1990-2008، سافرت عن طريق معبر إيرز وأحيانًا كنت أشتري البضاعة في إسرائيل أيضًا. كنت أحمل تصريحًا يكون ساريًا في كلّ مرة لشهر أو ثلاثة أشهر، ويمكن تجديده بواسطة وزارة التجارة في غزة. ومنذ عام 2008 يُحظر المرور عبر إيرز ومن وقتها لم أدخل إسرائيل.

{...} في عام 2010 تحوّل المرور عبر معبر رفح إلى مسألة أكثر سهولة، وكذا نقل البضائع عبر معبر "كيرم شالوم" (كرم أبو سالم)، وعندها بدأت بالسفر إلى تركيا وشراء ملابس النساء التي كانت تُرسل إلى ميناء أشدود ومن هناك حصلت عليها من خلال معبر كرم أبو سالم. وفي السنتين الأخيرتين طرأ تحسّن في الحركة التجارية ولم تكن لديّ مشاكل في العمل. وكانت المرة الأخيرة التي خرجت فيها من قطاع غزة في أيار 2013. في الصيف بدأت التشويشات في معبر رفح وقد أغلق وفُتح على التوالي. وقيّدت مصر الأشخاص المسموح لهم بالعبور إلى مجموعات معيّنة، لم تشمل التجار. وقد ألحق هذا الأمر بنا الكثير من المشاكل والأضرار الاقتصادية. أنا وتجار آخرون قلقون من عدم إمكانية سفرنا لفترة طويلة، وهذا سيعيدنا إلى الوضع الصعب الذي كان سائدًا هنا في السنوات السابقة، قبل فتح معبر رفح والتسهيلات على الاستيراد، والتي كانت سنوات صعبة للغاية وخرسنا خلالها أموالًا طائلة.

وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ، بلغت نسبة البطالة في قطاع غزة في الربع الثاني من عام 2013، 27.9%. وإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، وبمصاعب الحياة في قطاع غزة، فإنّ إمكانية العمل في دولة أخرى هي جذابة جدًا. أحمد اللحام، (26 عامًا)، يعمل في كافتيريا، وهو من سكان مدينة دير البلح، قال في إفادته أمام بتسيلم كيف ضوّع فرصة للعمل، نتيجة للقيود في المعبر:

أحمد اللحامأنا أعمل في كافتيريا في مدينة غزة وأتقاضى 1,200 شيكل في الشهر. معي بكالوريوس بالعربية من جامعة الأقصى. {...} أخي محمد مهندس بناء ويعمل في عمان منذ أربع سنوات {...} قبل سنتين طلبت منه أن يبحث لي عن عمل كي يكون بوسعي العمل في التربية وكي أتقاضى أجرًا أفضل. منذ أن أنهيت دراستي، قبل سنتين، وأنا أحاول العثور على عمل في مدرسة في القطاع ولم أنجح. عدد خريجي الجامعات آخذ في الازدياد، ولكن بسبب الحصار لا توجد مواد بناء ولا يمكن تشييد مدارس جديدة. فكرت بالعمل في مراكز التدريس ولكنني لم أفلح. أنا محبط من عملي وليس بإمكاني أيضًا أن أوفر ما يكفي من أجل الزواج والعيش كسائر البشر.

قبل قرابة الأشهر الثلاثة أعلمني أخي محمد بأنه عثر لي على عمل في مدرسة في عمان. وقد بدأ بإجراءات لحصولي على تأشيرة للسفر إلى عمان. في مطلع حزيران 2013، حصل لي على تأشيرة دخول لمدة شهر. وعندما حاولت السفر تسجّل عدد كبير من الناس وكان هناك ازدحام في المعبر ولم يكن بالإمكان العبور. بعدها أغلق المعبر بسبب المشاكل في مصر. وقد حصل أخي على تأشيرتين اثنتين محدودتي الزمن، ولكن كلاهما انتهى سريانهما من دون أن أنجح بالعبور عبر معبر رفح. {..} لقد منعني إغلاق المعبر من تحقيق حلمي وفقدت عملي والفرصة التي انتظرتها طويلا. كانت هذه فرصة ذهبية للعمل في مجالي وقد لا تتكرر. أنا أتابع الحركة في معبر رفح وأتابع الأخبار، وأحافظ على صلة مع أخي. أنا أفكر طيلة الوقت بكيفية السفر والوصول بأسرع ما يمكن إلى أخي في عمان، والعيش هناك والانتهاء من الحياة في غزة التي لا يوجد فيها أفق لحياة أفضل.

وحتى الناس الذين يرغبون بالسفر إلى الخارج لدورات استكمالية ولقاءات عمل فهم ممنوعون في هذه المرحلة من المرور عبر معبر رفح. محمد سرور(32 عامًا) يعمل باحثًا استقصائيًا في مكتب مستقل لحقوق الإنسان في غزة، وهو من سكان حيّ تلّ الهوا في مدينة غزة، وصف في إفادته أمام بتسيلم كيف خسر فرصة الوصول إلى دورة استكمالية لحقوق الإنسان، والتي كان من المفترض أن يخرج إليها في إطار عمله:

المنظمة التي أعمل فيها ترسل منذ عام 1997، سنويًا، أحد عامليها لدورة من عشرة أيام في تونس، وهي دورة "عنبتاوي" لحقوق الإنسان. ويشارك في الدورة أيضًا عاملين من منظمات حقوق إنسان أخرى في قطاع غزة والضفة الغربية. {..} تسجلت للدورة قبل عدة أشهور وأنجزت قسمًا منها عن بُعد: فيقوم المسؤولون عن الدولة خلال شهر كامل بإرسال سؤال كلّ أسبوع، ويقوم الطلاب بتحليل المسألة من منظور حقوق الإنسان، ويرسلون الأجوبة.

تلقيت تأشيرة دخول إلى تونس لشهر واحد ابتداءً من 27/8/2013 وكان من المفروض أن أسافر في 29/8/2013. ولكن عند حلول الموعد لم يكن بإمكاني السفر لأنهم كانوا في معبر رفح يسمحون لحاملي جوازات السفر الأجنبية والمرضى فقط بالعبور. حاولت التسجّل في وزارة الداخلية كي أسافر في موعد آخر ولكنهم رفضوا تسجيلي لأنهم لن يسمحوا لي بالعبور بكل حال. لقد ضاعت عليّ السفرة والدورة. كان هذا مثيرًا جدًا للإحباط وفوّت عليّ فرصة الالتقاء بزملاء لي والتقدم. أنا لا أعرف إذا كانت ستسنح لي فرصة السفر إلى الدورة السنة القادمة

تمنع إسرائيل سكان القطاع من تشغيل مطار أو ميناء وتمنعهم من السفر للخارج من خلال معبر أللنبي بين الضفة الغربية والأردن، أو عبر مطارات إسرائيل. وهي بهذا تُبقي لسكان القطاع معبر رفح كوسيلة خروج وحيدة. ولكن حتى حين يعمل معبر رفح بشكل اعتياديّ، فإنّ العبور من خلاله منوط بقيود اعتباطية تفرضها السلطات المصرية ويستوجب السفر إلى الخارج سفرًا متواصلاً وخطرًا عبر صحراء سيناء. لذلك يجب عدم التعامل مع السفر عبر مصر كحلّ حصريّ لتنقل سكان القطاع نحو دول أخرى.

تمنع سياسة إسرائيل هذه سكان القطاع من ممارسة حقهم في حرية الحركة والتنقل. وحتى اليوم، وبعد ثماني سنوات على استكمال إسرائيل لخطة "فكّ الارتباط"، فإنّ حجم سيطرتها على الطرق المؤدية إلى القطاع يفرض عليها مسؤولية تطبيق وتنفيذ حقهم في الحركة والحقوق المتعلقة بذلك، ومنها الحق في كسب الرزق والحق في التعليم والحق في العلاقات الأسريّة وغيرها.

إسرائيل تبرّر قسمًا من هذه التقييدات المفروضة على سكان القطاع بادّعاءات أمنية. ومن أجل توفير حلول لهذه المشاكل يمكن فرض قيود معينة على حركة الناس، وإجراء فحوصات أمنية عينية. إلا أنّ هذه الاعتبارات لا يمكن أن تبرّر فرض إسرائيل للقيود الجارفة على كلّ سكان القطاع.

* سجل الافادات باحثي الميدان لدى منظمة بتسيلم في غزة محمد صباح وخالد العزايزة