Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

على إسرائيل أن تسعى لتسوية مكانة عشرات آلاف الفلسطينيين في غزة الذين يعيشون بدون بطاقات هوية


رسم: نوعم رابينوفيتش. بتسيلم.

يعيش في قطاع غزة اليوم بين 40-50 ألف شخص لا يملكون بطاقات هوية تعترف بها إسرائيل ولا يتمتّعون بأيّ مكانة قانونية في أيّ دولة أخرى. بعضهم وُلد في قطاع غزة، إلا أنهم لم يحظوْا باعتراف إسرائيليّ بكونهم مقيمين: بعضهم فرّ من القطاع أو طُرد أثناء حرب 1967 أو سافر من غزة إلى خارج البلاد بعد 1967 لأغراض شتى، وعاد إلى القطاع على مرّ السنين؛ قلة منهم وُلدت في القطاع ولم تخرج منه أبدًا، إلا أنهم لا يحملون بطاقات هوية لأسباب مختلفة. آخرون من معدومي المكانة هم فلسطينيون من الشتات تزوّجوا من سكان القطاع، ودخلوا إليه بواسطة تصريح زيارة وظلوا فيه بعد انتهاء سريانه..

السكان الذين يعيشون اليوم في قطاع غزة من دون مكانة قانونية منظمة ومن دون بطاقة هوية أو جواز سفر لأيّ دولة كانت، يستصعبون عيش حياة سوية: فهم لا يستطيعون الخروج من القطاع لأيّ شأن كان –دراسة، عمل، زيارة أقارب أو الحج إلى مكة؛ كما لا يستطيعون العمل في وظائف منوطة بالسفر إلى خارج القطاع؛ ومن يحتاج من معدومي المكانة إلى عناية طبية ليست متاحة في قطاع غزة فهو غير قادر على السفر إلى مصر، ولا يُسمح لهم بالدخول إلى إسرائيل لأغراض العلاج الطبي إلا في الحالات بالغة الاستثنائية. أضف إلى كل ذلك الشعور بانعدام الأمان الذي يرافق حياة هؤلاء الناس الذين يفتقرون لمكانة رسمية. ويتعلق هذا الشعور، من مجمل الأمور، بالخوف من توغل إسرائيليّ يمكن أن يجدوا أنفسهم خلاله وقد طُردوا من القطاع.

وليد جودة (26 عامًا)، وُلد في الكويت لأبوين تركا القطاع لغرض العمل عام 1965. في عام 1999 وصل إلى القطاع مع والديه بواسطة تصريح زيارة استصدره له أفراد العائلة. وقدّم والداه طلبًا للمّ الشمل لجميع أفراد العائلة، ولكن بعد مضي فترة قصيرة على ذلك، في عام 2000، جمّدت إسرائيل جميع الإجراءات الجارية للمّ الشمل. وقد أنهى جودة دراسته الثانوية عام 2004 بامتياز وحصل على منحة دراسة في الخارج، ولكن بما أنه لا يحمل بطاقة هوية فهو غير قادر على السفر. هذا ما رواه في إفادته أمام بتسيلم:

بطاقة الهوية المحلية التابعة لوليد جودة التي اصدرتها سلطات حماس في غزة

في عام 2004 أنهيت المدرسة الثانوية بمعدل 95.5%، وحصلت على منحتين من وزارة التربية الفلسطينية لدراسة الهندسة في تركيا أو لدراسة الطب في تونس. وبما أنني لا أحمل بطاقة هوية لم أستطع المغادرة. بقيت في القطاع ودرست تقنيات المعلومات في جامعة الأزهر، برغم أنني لم أكن راغبًا بهذا المجال. رغبت بدراسة طب الأسنان في الخارج ولكنني لم أستطع ذلك. بقيت في غزة وأنهيت دراستي.

بعد إنهائي لدراستي، كنت عاطلاً عن العمل لسنتين. فيما بعد حصلت على وظيفة في وكالة الغوث كمسؤول عن قسم المعلومات. كنت راغبًا في الدراسة للقب الثاني خارج القطاع لكنني لم أستطع ذلك لعدم حيازتي بطاقة هوية. قبل سنتين تزوّجت. زوجتي تحمل بطاقة هوية ولذلك فإنّ ولديّ تسجّلا في بطاقة هويتها".

رفيق ماصة (78 عامًا)، وصل إلى خان يونس في قطاع غزة في عام 1948 وهو طفل لاجئ من المجدل (أشكلون اليوم). تزوّج في قطاع غزة ووُلد له ولزوجته أربعة أبناء. في عام 1967، وبعد احتلال القطاع، طُرد ماصة بحسب أقواله برفقة رجال آخرين من خان يونس إلى مصر، حيث لحقه إلى هناك أفراد عائلته. بعدها سافرت العائلة إلى الكويت حيث وجد هناك عملا. في عام 1995 عاد أحد الأبناء إلى القطاع بواسطة تصريح زيارة وسُوّيت مكانته عبر إجراء لمّ الشمل. في عام 2000 عاد الزوجان وابنة واحدة إلى القطاع عبر تصريح زيارة أصدره لهما ابنهما. وقد قدموا طلبًا للمّ الشمل إلا أنّ هذا الطلب لم يُعالج بسبب تجميد إسرائيل للإجراءات. وفي إفادته أمام بتسيلم وصف الصعوبات التي اصطدم بها كشخص معدوم المكانة في القطاع:

رفيق ماصة. تصوير: محمد صباح، بتسيلمقبل انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة لم أكن قادرًا على زيارة أقربائي في خان يونس جنوبي القطاع، نتيجة للحواجز التي فرضها الجيش الإسرائيلي داخل القطاع. كان ثمة حاجز في نتسريم فصل بين مدينة غزة وبين مركز القطاع وحاجز آخر إلى جانب مستوطنة كفار دروم فصل بين مركز القطاع وجنوبه. كنت أخشى من المرور عبر الحاجزين لأنّ الجنود كانوا يطلبون بطاقات الهوية وفي حال اكتشفوا أنني لا أملك بطاقة، كان بإمكانهم طردي من القطاع. لم أستطع زيارة أقربائي إلا بعد الانسحاب.

أعاني اليوم مشاكل في القلب والتهابًا في المفاصل وبحاجة إلى عناية طبية لا أستطيع تلقيها في القطاع. أعطاني الأطباء في القطاع أدوية ومسكنات للآلام فقط، لكنّ هذا لا يحلّ المشكلة. كما أنني أرغب كثيرًا بزيارة أبنائي في السعودية وأنا لم أرَهم منذ عام 2000.

تواصل إسرائيل اليوم أيضًا السيطرة على السجلّ السكانيّ في الضفة الغربية وقطاع غزة. صحيح أنّ صلاحيات كثيرة في هذا المجال نُقلت ضمن اتفاقيات أوسلو إلى السلطة الفلسطينية، إلا أنّ إسرائيل توقفت عام 2000 عن تعديل نسخة السجلّ السكانيّ التي تملكها، ومن وقتها لم تعد تعترف بالتغييرات التي أدخلتها السلطة الفلسطينية على السجلّ. واليوم تسمح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بتسجيل الولادات والوفيّات فقط، وباستبدال البطاقات البالية. لذلك، لا تملك السلطة الفلسطينية أو حكومة حماس إمكانية إصدار بطاقات هوية معترف بها لسكان المناطق المحتلة.

في محاولة لتوفير حلّ لمشكلة معدومي المكانة في قطاع غزة، بدأت حكومة حماس في كانون الثاني 2008 بإصدار بطاقات هوية داخلية ومؤقتة لسكان القطاع غير المُسجّلين في السجلّ السكانيّ. ويأتي هذا من أجل التسهيل عليهم في إدارة حياتهم اليومية داخل القطاع وتمكينهم من القيام بأمور مثل فتح حساب بنكيّ أو تسجيل الأولاد في المدارس أو اقتناء تأمين طبيّ. وبناءً على معطيات وزارة الشؤون المدنية في غزة يوجد اليوم في القطاع قرابة 20 ألف فلسطينيّ يحملون مثل هذه البطاقات المؤقتة. إلا أنّ هذه البطاقات غير سارية في المعابر مع إسرائيل أو في معبر رفح الذي تديره اليوم حركة حماس ومصر، حيث أنّ مصر لا تسمح لحاملي هذه البطاقات بالعبور عبر المعبر إلا إذا كانوا يحملون جوازات سفر أردنية أيضًا. ومن يحمل جوازَ سفر أردنيًا نافد السريان يحقّ له الخروج لكنه يُمنع من العودة إلا في حال تجديد جوازه.

وتحدثت نجاح الطويل، من سكان غزة، في إفادتها أمام بتسيلم، عن الحياة من دون مكانة قانونية:

نجاح الطويلفي عام 1967، وقبل الحرب، سافر أبي إلى مصر للدراسة في الجامعة. لم يكن في القطاع عندما أجروا التعداد السكاني ولم يتسجّل. في عام 1970 سافر إلى السعودية وتزوج أمي هناك، وهي من القطاع أيضًا... حصلت أمي على بطاقة هوية عبر لمّ الشمل منذ عام 1998. وقد وصل أخوتي إلى القطاع بواسطة تصريح زيارة عام 1999، وأنا وأبي انضممنا إليهم عام 2000... جميعنا كنا نحمل الجوازات الأردنية التي كانت سارية لسنتيْن، والآن لا يمكن تجديدها. لديّ بطاقة هوية أصدرتها حماس، وبواسطتها فتحت حساب بنك لكنها لا تفيدني بأيّ شأن آخر... توقفت عن التفكير بالدراسة أو العمل خارج القطاع... حياتنا متعلقة ببطاقات الهوية وجواز السفر.

تسمح مكانة المواطنة بوجود إطار سياسيّ، يسمح بدوره بوجود علاقة بين المواطن وبين السلطة المسؤولة. وهي حيوية من أجل إدارة نهج حياة سويّ، الضروريّ بدوره لغرض ممارسة الحق في الدخول إلى الدولة والمساواة أمام القانون والحصول على الخدمات الصحية وإمكانيات العمل وغيرها. ونتيجة لأهميته فقد صيغ الحق في المواطنة في المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومُنعت الدول من سلب هذا الحق بشكل اعتباطيّ. ومنذ هذا الإعلان، جرت محاولات لبلورة الحق في المواطنة في داخل المواثيق والمعاهدات. ومن مجملها، صُدقت في الأمم المتحدة عام 1954 معاهدة مكانة معدومي المواطنة وفي عام 1961 معاهدة تقليص معدومي المواطنة. وتعكس هاتان المعاهدتان الإدراك القائم بخصوص حيوية هذه المكانة وضرورتها لكلّ إنسان.

على إسرائيل التي ما تزال تسيطر على سجلّ السكان الفلسطينيّ، أن تسمح بتسوية وترتيب مكانة جميع معدومي المواطنة في قطاع غزة، من أجل أن يتمكنوا من إدارة نهج حياة معقول. وعليها في المرحلة الأولى أن تستكمل تسوية مكانة 10,000 شخص من معدومي المكانة الذين تمت المصادقة على طلباتهم للمّ الشمل في إطار بوادر حسن النية الممنوحة للسلطة الفلسطينية عام 2007، إلا أنّ مكانة الإقامة لم تُمنح لهم نتيجة لتجميد إجراءات بوادر حسن النية عام 2008.

للمزيد عن السكان معدومو المكانة القانونية في قطاع غزة

*تم تسجيل الإفادات من قبل الباحث الميداني في بتسيلم محمد صباح

كلمات مفتاحية

المكان