Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

القتل تحت رعاية السّحاب

مقالة رأي لياعيل شطاين، مديرة البحث والاستقصاء في بتسيلم، نُشرت في صحيفة "هآرتس"

"ما دام عدد المدنيين المصابين في غزة جراء هجمات الجيش الإسرائيلي لا يُعتبر مبالغًا به قياسًا بحجم الغايات المستهدفة وطابعها العسكريّ وأهميتها الجليّة، فيبدو أنّ شكل ممارسة الجيش الإسرائيليّ للقوة يحظى بالشرعية، أيضًا"- هذا ما كتبه رئيس قسم القوانين الدولية في النيابة العسكرية، ليرون ليبمَن ("ليس كل شيء مسموحًا"، هآرتس، 22/11)، حول عملية "عمود السحاب". "مبالغ به"؟ "طابعها العسكريّ"؟ "أهميتها الجلية"؟- هذه المصلطحات تحظى بطبيعة الأمر بتفسيرات مختلفة لدى أشخاص مختلفين. وهنا بالذات تكمن المشكلة الأساسية في القانون الإنساني الدولي: فهو يستند إلى مصطلحات ضبابية مثل "الاحتياجات العسكرية" و"التناسبية"، التي يمكن تفسيرها بطرق مختلفة.

بيت قُصف في حي الزيتون في مدينة غزة. تصوير: آن بيك، 23/11/2012، Activestills.org /><br /><span class=بيت قُصف في حي الزيتون في مدينة غزة. تصوير: آن بيك، 23/11/2012، Activestills.org

في أثناء حملة "عمود السحاب"، وعلى غرار "الرصاص المصبوب"، قرّر الحقوقيون أنّ كلّ شيء قانونيّ. قد يجوز. فتفسير هذه المصطلحات متعلق بالحقائق وبملابسات الحادثة أيضًا، في حين أنّ المعلومات التي يستند إليها الحقوقيون أثناء تصديق العمليات تظلّ سرّية. لا عجب إذًا أنه "لا تُسمع ادعاءات جدّية حتى الآن بشأن عدم تناسبية العملية"، كما يدّعي ليبمَن. نحن، المواطنين، لا يمكننا معرفة ما إذا كانت هذه العملية أو تلك قانونية، ولا يظلّ أمامنا إلا الاعتماد على تأكيدات الجهات الأمنية والقضائية، بأنهم عملوا بتأنٍّ وحرصٍ جديريْن. إلا أنّ شكل مسلكيات الجيش والتصريحات الصادرة عن جهات رسمية تصعّب كثيرًا من الاعتماد على هذه المقولة. يبدو أنّ أولئك الحقوقيين يتعاملون مع القانون الإنسانيّ على أنه مُرشد للحرب مهمته مساعدتهم في تشخيص الأهداف، وليس كمنظومة تعليمات تهدف للدفاع عن المدنيين مقابل نتائج الاقتتال الصعبة ولتقليص المسّ بهم قدر الإمكان.

مثال واحد على هذا هو تعامل الجيش مع "واجب التحذير": القانون الإنساني يلزم القوات المتحاربة بتحذير المدنيين قبل الهجوم، في الحالات التي يُخشى المسّ بهم. وماذا يفعل الجيش من أجل استيفاء هذا المطلب؟ يوزع المناشير من الهواء وفي حالات معينة يجري اتصالات هاتفية. قسم من هذه المناشير يحذّر السّكان عبر تحذيرات فضفاضة "بعدم الاقتراب من رجال حماس"- وهو أمر لا يمكنهم تطبيقه بطبيعة الحال. الجيش لا يتأكّد من أنّ المدنيين يملكون طرقَ فرار أو مأوى، ولا يمنحهم دائمًا الوقت الكافي لترك المكان المستهدف. في حالات أخرى أطلق الجيش صاروخَ "تحذير" صغيرًا لضرب البيت، كي يُوحوا لسكانه بأنّ عليهم تركه بسرعة. من الواضح أنّ إطلاق صاروخ كهذا لا يمكن أن يُعتبر "تحذيرًا" مفهومًا للسكان، وفي قسم من الحالات أدّى صاروخ "التحذير" هذا إلى المس بالمواطنين. وسيدّعي الحقوقيون أنّ الجيش يقوم عبر هذا باستيفاء واجباته. إلا أنّ مثل هذا التعامل مع القانون هو أداتيّ ويتجاهل جوهره.

المثال الثاني يتجسد في الادعاء الذي تردّده جهات رسميًا ليلَ نهارَ، وهو أنّ المسؤولية عن المسّ بالمواطنين في غزة تقع على كاهل حماس، الذي يستخدم المدنيين "درعًا واقية". هذا صحيح؛ فحركة حماس تنتهك القانون الدولي وحتى أنها ترتكب جرائم حرب مثل إطلاق النار المتعمد باتجاه المدنيين، وأحيانًا من قلب مناطق سكنية مزدحمة. إلا أنّ هذه الحقائق لا تبرّر أبدًا المس بالمدنيين في الجانب الفلسطيني، حتى لو لم يكن خلاف على أنّ الاقتتال في مثل هذه الظروف يصعّب على الجيش كثيرًا. وحقيقة أنّ أحد الجانبيْن ينتهك قوانين الحرب لا تعني السماح للطرف الثاني بانتهاكها، ومبدأ الندّية هنا غير معترف به في قوانين الحرب. كما أنّ الاتكال على جرائم حماس يمكن أن يثير الانطباع بأنّ الجيش يرى في مسلكيات حماس المرفوضة تصريحًا بمسلكياته المرفوضة.

قُتل في حملة "عمود السحاب" عشرات المدنيين، منهم الأطفال والرُّضّع، كما تضرّرت عشرات المباني من بينها البيوت والمكاتب المدنية. هذه المعطيات، بحدّ ذاتها، لا تشكّل دليلاً على أنّ الجيش عمل خلافًا للقانون، لكنها كافية هي والتوجّه السائد في أوساط مُختصّي القانون العسكريين، من أجل إثارة الشبهات التي تبرّر تحقيقًا جديًا ومستقلاً بخصوص مسلكيات الجيش وأدائه أثناء الحملة.

القانون الإنساني الدولي الذي يعلن الجيش أنه يعمل وفقا له، مركّب وغامض، كما أنه يقوم بترسيم مبادئ عامة تسمح بوجود مساحة مناورة واسعة. لا تكمن مهمة المستشارين القضائيين في استغلال هذه الضبابية من أجل تبرير المسّ بالمدنيين، بل في تبديد هذه الضبابية ورسم حدود تحمي المدنيين وتذكّر الجهات القيادية بأنّ هذه الحماية هي واجب إسرائيليّ. الحديث لا يدور هنا عن مسألة تتعلق بالرأي العام أو بمِنّة تقوم بها إسرائيل لصالح الفلسطينيين. هذا واجب واضح وصريح ملقيّ على إسرائيل كإحدى الدول الموقعة على العهود الدولية، وكدولة تعلن أنها تعمل وفق التزامها بهذه العهود.

المكان