Skip to main content
Menu
المواضيع

بروتوكول باريس

"بروتوكول باريس" هو الإطار الذي تحدّدت في ضمنه العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل وبين السلطة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية، والذي وُقع في أيار 1994 وشكّل قسمًا من اتفاقية "أوسلو أ" التي وُقعت بعد عدّة أسابيع من ذلك. يُسمّى نموذج (موديل) العلاقات الذي تقرّر في هذا البروتوكول "اتحاد جمركيّ"، ومُميّزه الأساسيّ غياب الحدود الاقتصادية بين الشّركاء في نفس "الاتحاد". ويعني اختيار مثل هذا النموذج على أرض الواقع المحافظة على العلاقات الاقتصادية التي سادت حتى ذلك الوقت، أي تكريس "التكامل" واتكال المرافق الاقتصادية الفلسطينية على إسرائيل، من الناحية الاقتصادية. وقد اتفقت إسرائيل والسّلطة الفلسطينية في هذا البروتوكول على وجود حدود خارجية مشتركة في المرحلة الانتقالية، بما يخصّ البضائع التي تأتي من دول أخرى. واُتفق على أن تجبي إسرائيل ضرائبَ الاستيراد (الجمارك) المفروضة على تلك البضائع، ومن ثمّ أن تحوّل إلى السلطة الفلسطينية الأموال المستحقة من الضرائب المفروضة على البضائع المُعدّة للمناطق المحتلة. وبحسب هذا البروتوكول، يحقّ لإسرائيل أن تقررّ وتغيّر بشكل أحاديّ الجّانب نسبة الضرائب المفروضة على البضائع المستوردة. أما بما يخصّ ضريبة القيمة المضافة، فتقرّر أن تحوّل إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية الأموالَ التي جبتها لقاء البضائع أو الخدمات التي بيعت في إسرائيل وهي مُعدّة للاستهلاك في المناطق المحتلة، وذلك وفق نظام محاسبة شهريّ.

مثل هذه العلاقات –التي تختلف عن الفصل الاقتصادي أو إقامة منطقة تجارية حرة- كانت أفضلَ لإسرائيل، التي رغبت في منع إقامة حدود اقتصادية بينها وبين السّلطة الفلسطينية، الأمر الذي كان سيمنح السّلطة الفلسطينية انطباعًا قويًا بالسّيادة، وكان هذا سيخلق سابقة ملزمة عشية توقيع الاتفاق الدّائم. لم يكن أمام السلطة الفلسطينية خيارٌ سوى قبول هذا النموذج، والذي اُتفق عليه في البروتوكول في نهاية المطاف، حيث أنّ إسرائيل اشترطت مواصلة دخول الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلية بقبوله. وجرى ذلك حين كانت السّلطة الفلسطينية عاجزة عن توفير أماكن عمل بديلة في نطاقها، لعشرات آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في إسرائيل.

عدا عن ذلك، فإنّ بروتوكول باريس نقل إلى السّلطة الفلسطينية عددًا من الصلاحيات في مجال السّياسات الاقتصادية، مثل صلاحية فرض ضرائب مباشرة وغير مباشرة، وترسيم سياسات صناعية، وإقامة سلطة مالية تعنى بالوساطة المالية، وتشغيل الموظفين والعاملين في القطاع العام. كما قضى البروتوكول بإلغاء القيود تدريجيًا على تصدير الناتج الزراعيّ من الاراضي المُحتلة إلى إسرائيل، والتي كانت سارية حتى ذلك الوقت وكانت تحمي المزارعين الإسرائيليين من المنافسة.

أبرزت العلاقات الاقتصادية التي تجسّدت في بروتوكول باريس فوارقَ القوى –التي كانت قائمة سلفًا- بين إسرائيل وبين السّلطة الفلسطينية. وقد تجسّدت هذه الفوارق وبشكل بارز في السّنوات الأربع الأولى لتطبيقه، في ظلّ ظروف لم تكن متوقعة أثناء توقيعه مثل العمليات التفجيرية وفرض الإغلاق التامّ على الاراضي المحتلة لفترات متواصلة.

كما أنّ الاتحاد الجُمركيّ الذي اُتفق عليه، منح إسرائيل سيطرة حصرية على الحدود الخارجية وعلى جباية ضرائب الاستيراد وضريبة القيمة المضافة. وتمنح هذه السيطرة لإسرائيل إمكانية تأخير تحويل الضّرائب التي جبتها لصالح السّلطة الفلسطينية، أو التهديد بهذا، كوسيلة ضغط وعقاب. وقد اتّبعت إسرائيل هذه الخطوة عدة مرّات منذ توقيع الاتفاق وألحقت بهذا أضرارًا جسيمة بقدرة الأجهزة العامّة في الاراضي المحتلة على تأدية مهامّها.

وينصّ الاتفاق على أنّ الاتّجار الفلسطينيّ مع دول العالم سيستمرّ عبر موانئ ومطارات إسرائيل، أو عبر المعابر الحدودية التي تربط السّلطة الفلسطينية بمصر والأردن، والتي تسيطر عليها إسرائيل أيضًا. هذا التعلق الفلسطيني بالحصول على تصريح من إسرائيل لغرض الاتّجار يؤدّي إلى إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الفلسطينيّ في كلّ مرة تفرض فيها إسرائيل إغلاقا تامًا على الاراضي المحتلة وتلغي جميع التصاريح، كما حدث في السنوات 1994-1997 بوتيرة عالية.

ورغم أنّ إطار الاتحاد الجمركيّ مُعدّ لضمان تدفق العمال الحرّ، إلا أنّ بروتوكول باريس لم يمنع إسرائيل صراحة من حظر دخول العمال إليها. ومنذ توقيع الاتفاق، فرضت إسرائيل إغلاقًا تامًا على الاراضي المحتلة لفترات متواصلة وقيّدت عدد العمال المُصرَّح لهم بالدخول إليها، وهي السّياسة التي أدّت إلى تقليص كبير في مداخيل السّكان الفلسطينيين من العمل في إسرائيل، وإلى ارتفاع ملحوظ في الفقر والبطالة.

لقد ظلّ إطار العلاقات الاقتصادية بين الطرفيْن، كما تقرّر في بروتوكول باريس، كما هو عليه حتى اليوم، حتى بعد الانتفاضة الثانية وبعد تطبيق خطة الانفصال عن قطاع غزة. وفي حزيران 2012 وُقّع اتفاق جديد بين إسرائيل والسّلطة الفلسطينية يستند إلى بروتوكول باريس.