Skip to main content
مكان إصابة بشار حمد في مخيم قلنديا للاجئين. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 22.11.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

مرّة أخرى: إطلاق نار منفلت وإصابة فتيين في الرّأس جرّاء مقذوفات تفريق المظاهرات

وثّقت بتسلم خلال شهر تشرين الثاني 2020 حادثتين أصيب خلالهما فتيان فلسطينيّان بمقذوفات أطلقها عناصر قوّات الأمن. في الحادثة الأولى فقد بشّار حمد (15 عاماً) عينه نتيجة إطلاق مقذوفات تفريق مظاهرات في منطقة سكنيّة مكتظّة خلال اقتحام مخيّم قلنديا للّاجئين على يد قوّات شرطة حرس الحدود ووحدة القوّات الخاصّة (اليسام). في الحادثة الثانية أصيب يوسف طه (17 عاماً) في رأسه جرّاء إطلاق رصاص معدنيّ مغلّف بالمطّاط خلال مظاهرة في كفر قدّوم.

كان إطلاق المقذوفات في الحالتين غير مبرّر ومخالفاً للقانون: هدف استخدام وسائل تفريق المظاهرات وكما يدلّ اسمها هو تفريق المتظاهرين لا إحداث إصابات بليغة في صفوف المتظاهرين. ومن ضمن القيود على استخدامها يُحظر إطلاقها بكثافة وبشكل عشوائيّ في المناطق السكنيّة المكتظّة كما هو الحال في مخيّم قلنديا؛ كما يُحظر إطلاق الرّصاص "المطّاطيّ" نحو الجزء الأعلى من الجسم ونحو القاصرين كما في حالة يوسف طه الذي أصابه الرصاص "المطّاطيّ" في رأسه.

لكنّ الانفلات في استخدام وسائل تفريق المظاهرات أضحى منذ زمن روتيناً جارياً. تفيد معطيات الأمم المتحدة* أنّ ما يقارب 450 فلسطينيّاً من الضفة الغربيّة (بما في ذلك شرقيّ القدس) أصيبوا في العام 2020 جرّاء إطلاق مقذوفات كالرّصاص "المطّاطيّ" والإسفنجيّ خلال مظاهرات، وبضمنهم على الأقلّ 77 قاصراً. يؤكّد توثيق أحداث كهذه على مرّ السّنين أنّ النتائج المروّعة لذلك - كما في الحالتين اللّتين نوردهما هنا - ليست أمراً استثنائيّاً والأهمّ من ذلك أنّها تنجم مباشرة عن سياسة إطلاق نار تستهتر بسلامة الفلسطينيّين.

إصابة بشّار حمد، مخيّم قلنديا للّاجئين، 17.11.20

بشار حمد بعد تسريحه من المستشفى. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 22.11.20

نحو السّاعة 13:30 من يوم الثلاثاء الموافق 17.11.20 اقتحمت جيبات عسكريّة تقلّ قرابة ثلاثين شرطيّاً من قوّات حرس الحدود ووحدة القوات الخاصّة (اليسام) مخيّم قلنديا للّاجئين شمال القدس؛ يبدو أنّ ذلك جاء ردّاً على رشق حجارة نحو عناصر شرطة أثناء قيامهم بفرض غرامات مروريّة ومراقبة الالتزام بارتداء الكمّامات في جوار حاجز قلنديا. صعد عدد من عناصر شرطة حرس الحدود على أسطح المنازل الواقعة في مدخل المخيّم وواصل جيبان إلى قلب المخيّم على بُعد بضع عشرات من الأمتار من المدخل. أحد الجيبين كان مزوّداً بجهاز VENOM وهو قاذفة قنابل غاز مسيل للدّموع. ألقى العناصر قنابل الصّوت وأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدّموع - بواسطة القاذفة أيضاً - والرصاص "المطّاطيّ" والإسفنجيّ. وعلى مسافة أقلّها سبعين متراً منهم كان نحو مئة من الفتية قد تجمّعوا قرب المسجد يرشقونهم بالحجارة ويغلقون الشارع الرئيسيّ للمخيّم بواسطة حاويات النفايات. نشرت وسائل الإعلام تقارير عن إصابة شرطيّ من حرس الحدود بجروح إصابة طفيفة جرّاء رشق الحجارة.

بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة مرّ من المكان معتزّ حمد (17 عاماً) وشقيقه بشّار (15 عاماً) في طريق عودتهما من المدرسة إلى المنزل. مكث الاثنان هناك نحو نصف السّاعة ثمّ اضطرّوا إلى الفرار بسبب انتشار الغاز المسيل للدّموع.

أدناه أقوال الفتى بشّار حمد عن ذلك - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

بشار حمد قبل الإصابة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

عند السّاعة 14:30 هربت وأخي معتزّ بسبب الغاز. فرّ معتزّ إلى المنحدر في اتّجاه المدرسة وأنا اختبأت خلف زاوية المسجد الشماليّة الغربيّة. سمعت طلقة صوتها مثل رصاص الإسفنج أو الغاز المسيل للدّموع وفجأة رأيت شيئًا يومض على الأرض وفوراً أصابني شيء ما في عيني اليمنى، أحسست وكأنّ جسماً صلباً انفجر داخل عيني وكأنّ عيني خرجت من مكانها. وضعت يدي على عيني المصابة فشعرت بالدّم ينزف منها. أخذت أصرخ "لقد أصبت، لقد أصبت" وأركض، لكنّني لم أستطع رؤية شيء فاختلّ توازني ووقعت بعد عدّة خطوات.

أسرع نحوي فتية كانوا قريبين منّي ورفعوني عن الأرض ثمّ أعانوني على المشي فيما هُم يبحثون عن سيّارة تنقلني إلى المستشفى. كانت جميع السيّارات عالقة في الشارع وأصحابها قد خرجوا منها لأنّهم خافوا أن تصيبهم المقذوفات. بعد 20 - 30 متراً عثر الفتية على سيّارة يقف صاحبها إلى جانبها ووافق أن ينقلني بسيّارته. حملني وأجلسني على المقعد المجاور له ثمّ انطلق إلى المستشفى. في الطريق احترت ماذا أفعل إذ كان الدم ينزف من عيني بغزارة ولم يكن معي شيء لأوقف بواسطته النزيف سوى محارم ورقيّة تناولتها من سيّارة الرّجل. كنت خائفاً جدّاً وكان الرّجل يحاول أن يهدّئ من روعي ويقول لي "لا تخف، لا تخف، بعد قليل سوف نصل إلى المستشفى".

أحد سكّان مخيّم قلنديا ويُدعى حسني مطيّر (32 عاماً) وهو أب لأربعة أطفال، كان أثناء الحادثة ينتظر قرب سيّارته العالقة بسبب إغلاق الشارع والمواجهات الدّائرة لكنّه تمكّن أن ينقل بسيارته الفتى المصاب إلى شارع فرعيّ داخل المخيّم حيث نقلته سيّارة أخرى إلى المستشفى.

مكان إصابة بشار حمد في مخيم قلنديا للاجئين. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 22.11.20

أدناه يصف حسني مطيّر ما حدث - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

علقت سيّارتي لأنّ الشارع من خلفي كان مزدحماً بالسيّارات والمتظاهرون من أمامي يغلقون الشارع بحاويات النفايات. بعد رُبع السّاعة تقريباً ونحو الـ 14:30 سمعت طلقة يشبه صوتها طلقة الرّصاص "المطّاطيّ" ثمّ سمعت أصوات فتية يستغيثون: "سيّارة، إسعاف، إسعاف، يوجد هنُا فتىً مصاب". رأيت خمسة فتية يسحبون فتىً مصاباً من جهة المسجد ويبحثون عن سائق ينقله لتلقّي العلاج. كنت أقف على بُعد 20 - 30 متراً منهم. حين تقدّمت إليهم رأيت تجويف عين الفتى مهشّماً. كانت عينه منتفخة كثيراً والدّماء تملأ وجهه. حملناه ووضعناه في سيّارتي على المقعد المجاور للسّائق. بعد ذلك تمكّن الفتية بطريقة ما من إخلاء متّسع في الشارع من خلفي لتتحرّك السيّارة. قدت السيّارة إلى الخلف ثمّ اتّجهت نحو الشوارع الفرعيّة داخل المخيّم.

بعد ذلك نُقل حمد إلى سيّارة خاصّة أخرى نقلته إلى كفر عقب ومن هناك نقلته سيّارة إسعاف فلسطينيّة إلى مستشفىً في رام الله حيث أجريت له فحوصات طبيّة وصور أشعّة ولكن بسبب ماهيّة إصابته تلك نُقل الفتى إلى عدّة مستشفيات وعيادات كلّها لم تكن مجهّزة لمعالجته. في النهاية استُقبل بشّار حمد في أحد مستشفيات نابلس في العاشرة ليلاً وبعد وقت قصير أجريت له عمليّة جراحيّة استُئصلت خلالها عينه اليمنى.

في إفادة بشّار حمد ورد أيضاً:

في الصّباح قال لي والدي إنّ الأطبّاء اضطرّوا لاستئصال عيني لأنّه لا يمكن إنقاذها. حاول أبي أن يواسيني ويدعمني ويهدّئني. كنت خائفاً جدّاً لأنّني لا أعرف ما ستكون عليه حياتي بعين واحدة وكيف سيكون شكل وجهي من الآن فصاعداً. أفكار كثيرة كانت تجول في رأسي ولكنّ الدّعم الذي تلقّيته من والدتي ووالدي والأسرة كلّها منحني الكثير من القوّة. في البداية كنت حزيناً ولكنّني تأقلمت تدريجيّاً مع وضعي وتقبّلته لأنّ هذه إرادة الله. لا يمكن إعادة الزمن إلى الخلف وأنا لست أوّل من فقد عينه بسبب جرائم الاحتلال، ولن أكون الأخير.

إصابة يوسف طه، كفر قدّوم، 27.11.20

يوسف طه. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم 8.12.20

نحو السّاعة 12:30 من ظهيرة الجمعة الموافق 27.11.20 خرج سكّان كفر قدّوم في مظاهرتهم الأسبوعيّة احتجاجاً على إغلاق الشارع المؤدّي من القرية إلى مدينة نابلس منذ توسيع مستوطنة "كدوميم". شارك في المظاهرة عشرات من الأهالي وكان بعض المشاركين يرشق الحجارة نحو الجنود الذين ردّوا بإطلاق الرّصاص المعدني المغلف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع نحو المتظاهرين.

أحد سكّان القرية ويُدعى يوسف طه (16 عاماً) وهو تلميذ في الصفّ الثاني عشر دخل إلى ساحة منزل قيد البناء بعد وقت قصير من بدء المظاهرة. يقع المنزل على منحدر تلّة تبعد نحو 300 مترًا غربيّ مركز الأحداث وبضع عشرات من الأمتار عن مجموعة شبّان كانوا يرشقون الحجارة نحو الجنود. في تلك اللّحظة أطلق جنود قريبين الرّصاص "المطّاطيّ" فأصابت إحدى الرّصاص يوسف طه في رأسه.

 

أدناه أقوال أ. ع. (31 عاماً) وكان يقف في منحدر التلّة على بُعد بضع عشرات من الأمتار - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي:

كنت أقف على بُعد 30 - 40 متراً من منزل قيد البناء ورأيت الفتى يوسف طه يصعد الدّرج المؤدّي إلى السّاحة ثمّ اختفى عن ناظريّ.

فوراً سمعت ثلاث أو أربع طلقات "مطّاط" أتت من أعلى وبعد ذلك مباشرة سمعت صراخاً. رجّحت أنّ يوسف هو الذي يصرخ لأنّني لم أر أحداً غيره يدخل إلى السّاحة. ركضت إلى هناك فوجدته ملقىً على الأرض والدّم ينزف من رأسه. وقد رأيت نحو ثمانية جنود على بُعد 30 - 40 متراً من المكان ثمّ ابتعدوا متّجهين إلى أعلى التلّة. ناديت بعض الشبان ليأتوا ويساعدوني في حمل يوسف فجاء شابّ وأعانني على ذلك. حملناه إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى رفيديا في نابلس وقد رافقته بنفسي. في الطريق كنت أتحدّث معه لكي أبقيه يقظاً فلا يفقد وعيه. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوه إلى قسم العناية المكثّفة.

تلقّى يوسف العلاجات وأجريت له صور CT أظهرت كسوراً في الجُمجُمة وبعد أن رقد قيد العلاج لمدّة 6 أيّام غادر إلى منزله. وضعه اليوم جيّد وحتى أنّه عاد إلى الدّوام المدرسيّ، لكنّ أحداث ذلك اليوم لم تفارق ذاكرته.

ساحة منزل قيد الإنشاء والتي كان يوسف طه مختبئا فيها عند إصابته. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم 8.12.20

أدناه يحدّث عبد الفتّاح طه (وهو متقاعد في الـ70 من عمره وأب لعشرة أبناء) عمّا حدث بعد أن تلقّى نبأ إصابة ابنه - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي:

عند الظهر هاتفني أحد سكّان القرية وأخبرني أنّ ابني يوسف أصيب إصابة بسيطة وتمّ نقله إلى مستشفىً في نابلس فنهضت فوراً وتوجّهت إلى المستشفى. حين وصلت كان ابني لا يزال في قسم الطوارئ وقد صدمني منظر عينه وكلّ الجهة اليمنى من وجهه منتفخة ومزرقّة. كان الأطبّاء والممرّضون يعكفون على تضميد موضع الإصابة وإجراء صور أشعة. بعد ذلك أخبروني أنّ هناك كسوراً في جمجمته لكنّهم لا يستطيعون إجراء عمليّة في الوقت الحاليّ. كان يوسف شبه مغمى عليه ولا يقدر على فتح عينيه. في ذلك اليوم لم أستطع التحدّث معه.

عدت في اليوم التالي إلى المستشفى مع زوجتي. كان يوسف في قسم العناية المكثّفة وقد تحدّثنا معه لمدّة بضع دقائق. كنّا حزينين جدّاً وصعُب علينا كثيراً أن نراه بهذه الحالة. بعد ثلاثة أيّام تحسّن وضعه ونُقل من العناية المكثّفة إلى الأقسام حيث رقد لمدّة ثلاثة أيّام أخرى وكان يتحسّن أكثر كلّ يوم ممّا بعث فينا الأمل بأن لا ترافقه آثار دائمة جرّاء الإصابة. مع تحسّن وضع يوسف قرّر الأطبّاء عدم إجراء عمليّة جراحيّة وبعد ستّة أيّام خرج من المستشفى. الآن يريد الأطبّاء معالجة كسر قرب عينه اليمنى لكنّهم يخشون أنّ ذلك سيتضمّن استئصال العين.

* حسب قاعدة البيانات الخاصة بحماية المدنيين تحت إدارة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.