Skip to main content
عماد الحشّاش. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جُنود قتلوا بنيرانهم الفتى عماد الحشّاش (15 عاماً) حين كان يصوّرهم من على سطح منزله

نحو السّاعة 4:00 من فجر يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اقتحم عشرات الجنود مخيّم بلاطة للّاجئين الواقع جنوب شرق مدينة نابلس. اعتقل الجنود أحد سكان المخيّم من منزله وخلال عمليّة الاعتقال جرى في المكان تبادُل إطلاق نار بينهم وبين مسلّحين فلسطينيّين. بعد تنفيذ الاعتقال انسحب الجنود ومعهم المعتقل متّجهين نحو مخرج المخيّم.

على بُعد نحو ثلاثين متراً من المنزل الذي جرت فيه عمليّة الاعتقال كان يقف أخوان من عائلة الحشاش وهما محمد (19 عاماً) وعماد (15 عاماً) على سطح منزلهما المؤلّف من ثلاثة طوابق وكانا يصوّران الجنود وهُم ينسحبون. عندما اقترب الجنود من منزلهما أطلق أحد الجنود رصاصة أصابت عماد في رأسه. نُقل عماد إثر ذلك إلى مستشفىً في نابلس حيث أعلن الأطبّاء وفاته. بعد إطلاق النار ألقى الجنود قنبلتي غاز مسيل للدّموع قرب منزل عائلة الحشاش ثمّ غادروا المخيّم.

المكان الذي أُطلق الرصاص فيه على عماد الحشّاش على سطح منزله. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21
المكان الذي أُطلق الرصاص فيه على عماد الحشّاش على سطح منزله. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21

زعم الناطق بلسان الجيش أنّه في أثناء انسحاب الجنود بعد تنفيذ عمليّة الاعتقال "ابتدأت أعمال شغب عنيفة تضمّنت إلقاء حجارة طوب وأغراض نحو مقاتلي الجيش من على سُطوح المباني المجاورة لمكان القوّة. خلال أعمال الشغب لاحظ المقاتلون مشبوهاً على سطح مبنى يحمل في كلتي يديه غرضاً كبيراً وكان يحاول إلقاءه على مقاتل يقف تحت المبنى فردّ أحد المقاتلين بإطلاق النّار وتبيّن وقوع إصابة".

خلافاً لهذه الأقوال يبيّن التحقيق الذي أجرته بتسيلم والذي يشمل توثيق الحادثة بالفيديو أنّه لم تحدث في تلك اللّحظات أيّة أعمال شغب. عماد الحشاش كان يقف على سطح منزله مع أخيه ويصوّر الجنود وهُم خارجين من المخيّم. إزاء ذلك لا سبيل بالطّبع إلى تبرير قتله ولا إلى اعتبار إطلاق النيران الفتّاكة قانونيّاً.

إطلاق النار على عماد الحشاش هو مثال آخر على سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون التي يطبّقها الجيش إذ إنّها تسمح للجنود أن يطلقوا النيران الفتّاكة على فلسطينيّين حتى إذا لم يشكّلوا خطراً على حياتهم أو حياة غيرهم، وتُعفيهم والمسؤولين عنهم من أيّة مساءلة ومحاسبة.

أدناه يحدّث محمد الحشّاش (19 عاماً) شقيق عماد عمّا جرى في تلك اللّيلة - من إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 24.8.21:

محمد الحشاش. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21
محمد الحشاش. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21

نحو السّاعة 4:00 من فجر يوم الثلاثاء كنت نائماً في غرفتي في الطابق الأوّل مع أخي عماد. أيقظتني أصوات في الخارج. عماد كان مستيقظاً وقد خرج لحظة ما استيقظت لكنّه عاد سريعاً وقال لي إنّ هناك جنوداً في الخارج. ارتدى عماد بنطاله وصعد إلى السّطح لكي يشاهد ما يجري وصعدت أنا وراءه.

وقف عماد عند طرف السّطح ونظر إلى الشارع. رأيت عدداً من الجنود قرب الشارع المؤدّي إلى السّوق. كانوا متمركزين قرب منزل عائلة الكعبي. بعد ذلك جرى تبادُل إطلاق نار بين الجنود وأشخاص من المخيّم كانوا يُطلقون عليهم النار من جهة الشارع الأخرى. بعد مضيّ نحو خمس دقائق توقّف إطلاق النار وبعد ذلك ولمدّة بضع دقائق كان الجنود يُطلقون النار من حين لآخر.

بعد عدّة دقائق أخذوا ينسحبون نحو شارعنا المؤدّي إلى خارج المخيّم. على سطح المنزل المقابل لمنزلنا وقف جارنا عليّ الحشاش وهو أيضاً من أقارب العائلة. أشار لنا عليّ أن نبتعد لئلّا يرانا الجنود فقلت لعماد "هيّا نبتعد" لكنّه أراد أن يُشاهد ما يجري، وكان يصوّر بواسطة هاتفه. سحبته إلى الوراء ووقفنا على مسافة بضعة أمتار من طرف السّطح ثمّ اقترب عماد مرّة أخرى من الطرف لكي يُشاهد ما يجري وعندئذٍ سمعت إطلاق نار ووقع عماد أرضاً منكفئاً على وجهه. وضعت يدي على رأسه لكي أقلبه فأحسست أنّه مصاب. كانت سلمى زوجة أخي ، (25 عاماً) قد صعدت إلى السّطح وعندما رأت الدّماء وعماد ملقىً أرضاً أخذت تصرخ. صعد أيضاً أخي صالح (27 عاماً) إلى السّطح وتعاونّا على حمل عماد ونقله إلى الطابق الأوّل. فتحت الباب لكي نخرج إلى الشارع ولكنّ رائحة الغاز المسيل للدّموع كانت قويّة فعُدنا إلى الدّاخل. مدّدت أخي على الأرضيّة وخرجت لأبحث عن شخص ينقله إلى المستشفى. رأيت جارنا عليّ وطلبت منه أن يُساعدنا في البحث وذهب كلّ منّا في اتّجاه مُغاير. عثرت على شخص من المخيّم ينقل عمّالاً في سيّارته وطلبت منه أن يساعدنا وهكذا نقلنا عماد إلى المستشفى. حاول الأطبّاء أن يعالجوه لكنّ إصابته كانت خطيرة جدّاً.

أنا لا أستوعب ما حدث. لا أفهم لماذا قُتل أخي. كنت أنظر إليه وكأنّني في كابوس. كنّا ننام على فراش أرضيّ أحدنا بجانب الآخر كلّ ليلة. لو أنّنا لم نسمع تلك الأصوات اللّعينة في الخارج لكان عماد اليوم مع أصدقائه في المدرسة. ما زلت لا أصدّق ما حدث.

أدناه يحدّث عليّ الحشّاش (25 عاماً) عمّا رآه في تلك اللّيلة، وهو جار محمد وعماد وقد صعد أيضاً إلى سطح منزله عندما سمع جلبة جنود في الحيّ - أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 24.8.21:

رأيت من مكاني على السّطح 20-30 جنديّاً قرب منزل عائلة الكعبي على بُعد 30 متراً منّي تقريبًا. كنت أسمع إطلاق رصاص من حين لآخر. بعد مضيّ بضع دقائق سمعت إطلاق نار كثيف ثمّ انسحب الجنود في اتّجاه المدخل الشرقيّ للمخيّم. كان الجنود على بُعد نحو عشرة أمتار من منزلنا. قبالة منزلنا كان يقف جاريّ عماد ومحمد الحشاش يحاولان تصوير ما يحدث بواسطة هاتفيهما. قلت لهُما أن يبتعدا عن طرف السّطح لكي لا ينتبه إليهما الجنود. أطلّ محمد برأسه إلى أسفل وكان عماد يقف أمامه.

علي الحشاش في النقطة التي كان يشاهد منها الأحداث في ليلة الحادثة. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21
علي الحشاش في النقطة التي كان يشاهد منها الأحداث في ليلة الحادثة. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21

لاحظت أنّ أحد الجنود ينظر إلى أعلى ويوجّه سلاحه أيضاً إلى أعلى. أشرت لعماد أن يبتعد وأنّ الجنود في الأسفل. توجد في الشارع إنارة جيّدة وعليه كان يمكننا أن نرى بعضنا البعض. ابتعد عماد قليلاً إلى الوراء وأنا أيضاً عُدت إلى الوراء لكي لا يراني الجنود. عاد عماد ونظر إلى أسفل وعندئذٍ سمعت طلقة ومن بعدها صرخات آتية من منزله. خمّنت أنّه قد أصيب فنزلت إلى أسفل ولكن لم أعرف ماذا أفعل. سمعت انفجار قنبلة غاز وشممت رائحة غاز قريباً جدّاً من منزلنا. بعد ذلك سمعت صوتاً في الشارع ونظرت فرأيت محمد. قال لي إنّهم يبحثون عن سيّارة إسعاف لأنّ عماد أصيب في رأسه. خرجت بسُرعة لأفتّش عن سيّارة في منطقتنا ولكن لم أجد. عندما عدت توجّهت إلى منزلهم وكانوا قد نقلوا عماد إلى المستشفى في سيّارة أحد أهالي المخيّم. بعد مضيّ نصف السّاعة تقريباً سمعت صراخاً آتياً من منزل عماد ومحمد فذهبت إليهم وهناك علمت أنّ عماد استُشهد.

خالد الحشاش (50 عاماً) والد عماد حدّث في إفادته عن اللّيلة التي قُتل فيها ابنه وعن وضع الأسرة منذ ذلك الحين - أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 20.10.21:

في تلك اللّيلة استيقظت نحو السّاعة 3:30 فجراً. دخلت إلى المرحاض وعندما كنت أغسل يديّ جاء ابني عماد وأخذ يدغدغني تحت إبطي ويضحك. قلت له "ماذا تفعل؟ لماذا لا تذهب لتنام؟"، لكنّه تجاهل أسئلتي وقال لي: "أريد أن أتزوّج، ما قولك؟". قلت له "اذهب ونَمْ" فقال لي: "هيّا يا أبي، أريد أن أتزوّج اليوم. ادفع المهر هديّة منك. اليوم أريد أن أتزوّج". قلت له "اذهب، اذهب ونَمْ" ثمّ عدت إلى غرفتي لأكمل نومي. كان عماد يحبّ المزاح كثيراً ولكن كيف لي أن أعرف أنّ هذه ستكون آخر مزحاته معي؟ ليتني كنت أعلم لكنت أحضنه وأضمّه إليّ فلا أتركه أبداً.

نحو السّاعة 4:00 فجراً أيقظتني زوجتي مها (48 عاماً) وقالت: "هناك جنود في المخيّم، والأولاد صعدوا إلى السّطح". مباشرة بعد ذلك سمعت طلقة واحدة ومن بعدها صراخاً. صعدت فوراً إلى السّطح. سمعت أولادي يصرخون "عماد شهيد" فظننت أنّهم يمزحون فقلت "ألله يرحمه" ولكنّني بُغتّ حين رأيت محمد وصالح على الدّرج يحملان عماد ودماؤه تنزف بغزارة، ثمّ دون وعي منّي أطلقت صرخة مدوّية.

بعد أن عثر ابني على سيّارة تنقل عماد إلى المستشفى رافقه ومعه أخوه الثاني. أنا بقيت في المنزل لأنّني كنت متيقّناً أنّ عماد قد فارق الحياة لأنّ إصابته كانت في الرأس. كلّ شيء كان لا يُعقل. أحسست وكأنّني في كابوس. لم أستوعب كيف ينزف ويموت ابني الذي كان يمازحني قبل وقت قصير! لقد كان ولداً صغيراً لا ذنب له. كان بسّاماً مرحاً يُضفي الفرحة على المنزل والحارة كلّها. لقد قتلوه هكذا دون إنذار ودون أيّ سبب.

بعد مقتل عماد كلّنا في حالة يُرثى لها. إسرائيل ألغت تصاريح العمل لأخويه - عبد الله وهو متزوّج وأب لأربعة؛ وعمر وهو أيضاً متزوّج وأب لطفل وزوجته حامل - وكلاهما عاطلان عن العمل منذ ذلك الحين. لقد استدانا مبلغ 6,000 شيكل ودفعاه لمحامٍ كمقدّمة أتعاب لكي يعالج القضيّة. في معظم الأيّام أعود من عملي فأجد كنّتي زوجة عبد الله تنتظرني عند مدخل المنزل فتطلب منّي وهي خجلى خمسة شواكل لشراء صحن حمّص لوجبة الغداء. الآن لا يوجد معهم المال اللّازم لأقساط المنزل الذي اشتروه خارج المخيّم.

ابني صالح عانى مشكلة نفسيّة قبل سنتين ثمّ تحسّن قليلاً بعد علاجات طويلة وأدوية كثيرة. لكنّ وضعه تدهور مجدّداً منذ استُشهد أخوه. يخرج كلّ يوم في الخامسة صباحاً إلى قبر أخيه. يأخذ معه ماءً يغسل القبر ويبقى هناك حتى التاسعة صباحاً. عندما أسأله "ماذا تفعل هناك؟" يقول لي: "تحدّثت مع عماد ونمت عنده". فعلاً رأيته عدّة مرّات مستلقياً في جوار قبر عماد ويتحدّث معه كأنّه على قيد الحياة.

لقد دمّرونا كلّيّاً. لا أعرف ماذا أفعل مع كلّ هذا الألم. إنّه حِمْل ثقيل.

الشارع الذي أطلق منه الجنود النار على عماد الحشاش. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21
الشارع الذي أطلق منه الجنود النار على عماد الحشاش. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 24.8.21