Skip to main content
"جرافيتي" على جدار في الموقع الذي أصيب فيه محمد تميمي جرّاء رصاص الجنود. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 25.7.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

في مواجهات أعقبت اقتحام جنود لقرية النبي صالح أطلق الجنود الرّصاص الحيّ وقتلوا محمد التميمي (17 عاماً)

محمد تميمي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
محمد تميمي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

نحو السّاعة 16:00 من عصر يوم الجمعة الموافق 23.7.21 اقتحم أربعة جنود قرية النبي صالح في محافظة رام الله وشرعوا يتقدّمون نحو عُمق القرية. في طريقهم إلى مركز القرية أخذ بعض الفتيان والشبّان يرشقونهم بالحجارة من بين المنازل. أخذ الجنود يطاردون راشقي الحجارة ثمّ انضمّ إليهم جيب عسكريّ. انضمّ إلى راشقي الحجارة نحو عشرين فتىً وشابّاً آخرين وأخذوا هُم أيضاً يرشقون الجنود بالحجارة فردّ هؤلاء بقذف قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع نحوهم، إضافة إلى إطلاق الرّصاص الحيّ. نحو السّاعة 17:00 وبعد أن نزل الجنود عن سطح بناية في مركز القرية، أخذوا ينسحبون في اتّجاه المخرج الغربيّ للقرية وهُم يحتمون من الحجارة خلف الجيب وفي الوقت نفسه يُطلقون الرّصاص الحيّ في الهواء ونحو راشقي الحجارة الذين كانوا في الجهة المقابلة للجيب. جرّاء النيران أصيبت سيّارة أحد سكّان القرية.

بعد مضيّ بضع دقائق وصل الجنود إلى حيث العراقيل التي وضعها الشبّان في الشارع وكان رشق الحجارة نحوهم يتواصل وبكثافة، لكنّهم كانوا محتمين بالجيب المحصّن ولم يهدّد حياتهم أيّ خطر. أطلق أحد الجنود الرّصاص الحيّ فأصاب محمد تميمي (17 عاماً) في ظهره ومؤخّرته عن بُعد نحو ثلاثين متراً. بعد انسحاب الجنود تمّ نقل المصاب في سيّارة خاصّة إلى مستشفىً في سلفيت وهناك توفّي بعد ساعات معدودة متأثراً بجراحه.

في قرية النبي صالح التي يبلغ عدد سكّانها نحو 600 شخص كانت تجري بين الأعوام 2009-2017 مظاهرات أسبوعيّة احتجاجاً على استيلاء المستوطنين على أراضي القرية ونبع ماء قريب. في السّنوات التي تلت توقّف إجراء المظاهرات بشكل منتظم. محمد تميمي هو خامس قتلى المظاهرات والمواجهات التي جرت في القرية خلال العقد الأخير إذ قُتل قبله أربعة شبّان هُم عزّ الدين تميمي (في العام 2018) وسبأ عبيد (في العام 2017) ورشدي التميمي (في العام 2012) ومصطفى تميمي (في العام 2011). قُتل الشبّان الأربعة المذكورون دون أيّ مبرّر في ملابسات مشابهة لملابسات مقتل محمد التميمي الذي أطلق الجنود النيران على ظهره دون أن يشكّل خطراً على حياتهم وخالفوا بذلك القانون الذي يُجيز إطلاق الرّصاص الحيّ فقط في حالة استشراف خطر داهم ومحقّق يهدّد حياة أحدهم، وحتى في هذه الحالة يُسمح به فقط كملاذ أخير بعد استنفاد وسائل أقتلّ فتكاً لدرء الخطر. في الحالة التي نحن في صددها بدأت الحادثة التي أدّت إلى مقتل محمد التميمي مع اقتحام الجنود للقرية دون أيّ تفسير لذلك، ويبدو أنّهم فعلوا ذلك لمجرّد الاستفزاز. وردت في وسائل الإعلام تقارير عن تحقيق باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة ولكن بناءً على تجربة سنين طويلة يمكننا القول أنّ هذا التحقيق سوف ينتهي بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات، ذلك لأنّ جهاز إنفاذ القانون العسكريّ المصمّم ليعمل كورقة توت تستر عورات الاحتلال مهمّته ليست كشف الحقيقة ومحاسبة المتورّطين وإنّما بالذّات طمس الحقيقة وحمايتهم من عاقبة أفعالهم إذ هي تندرج ضمن سياسة الترهيب التي يتّبعها نظام الاحتلال ضدّ الفلسطينيّين.

 

نظرة من المنطقة التي كان يقف فيها الجنود مطلقو الرّصاص إلى الموقع الذي أصيب فيه محمد تميمي. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 25.7.21
نظرة من المنطقة التي كان يقف فيها الجنود مطلقو الرّصاص إلى الموقع الذي أصيب فيه محمد تميمي. تصوير إياد حدّاد، بتسيلم، 25.7.21

أدناه يحدّث ع. أ. (22 عاماً) وهو من سكّان النبي صالح عمّا جرى بعد أن اقتحم الجنود القرية - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 25.7.21 :

شاهدت أربعة جنود يسيرون في الشارع الرئيسيّ الذي يمرّ في مركز القرية متّجهين نحو الباحة في وسطها. كان في محيط منزل إياد تميمي عدد من الفتيان يرشقون الجنود بالحجارة. عاد الجنود إلى المدخل الغربيّ للقرية وآنذاك انضممت إلى الفتيان وقد وصلت إليهم عبر طريق فرعي لكي أتفادى الجنود إذ خشيت أن لا يسمحوا لي بالعبور. عند مدخل القرية انضمّ جيب عسكريّ إلى الجنود ودارت هناك مواجهات بين الجنود وفتيان لم يتجاوز عددهم العشرة. أطلق الجنود عدداً من الأعيرة الناريّة لكي يفرّقوا الفتيان، ثمّ أطلقوا أيضاً قنابل غاز مسيل للدّموع. بعد مضيّ بضع دقائق على المواجهات اتّجه الجنود مرّة أخرى إلى مركز القرية وكان الجيب يرافقهم، وفي طريقهم إلى هناك رُشقت نحوهم حجارة من بين الكروم والمنازل الواقعة فوق الشارع. ردّ الجنود على ذلك بإطلاق قنابل الغاز إلى أن وصلوا الباحة التي في وسط القرية وهناك دخلوا بناية قيد الإنشاء وانتشروا على سطحها. استمرّت المواجهات في مركز القرية 30-40 دقيقة. كان الجنود يلقون قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع ويُطلقون الرّصاص الحيّ.

نحو السّاعة 17:00 أخذ الجنود ينسحبون وهُم يحتمون بالجيب من كثرة الحجارة التي رُشقت نحوهم. عندما كانوا قرب منزل إياد تميمي أخذوا يُطلقون الرّصاص الحيّ بكثافة ويتقدّمون رُويداً رُويداً. بسبب كثرة الحجارة التي رُشقت نحوهم ابتعد الجنود المُشاة عن الجيب وانسحبوا عبر طريق ترابيّة تؤدّي إلى النقطة العسكريّة في شرقيّ القرية، وكانوا في أثناء ذلك يطلقون النيران بتصويب مباشر لكي يغطّوا أنفسهم. أعتقد أنّ محمد تميمي أصيب جرّاء تلك النيران. حتى تلك اللّحظة لم أره بتاتاً. واصل الجيب السّير ببُطء في اتّجاه المخرج الغربيّ والفتية بدورهم واصلوا قذفه بالحجارة.

آنذاك كنت قد وصلت إلى درج يقع جنوب منزل إياد تميمي. هناك كان محمد جريحاً. سألته ما الذي جرى ولكنّه لم يُجبني فقط أمسك بيدي. لم يكن قادراً على الكلام. وضع يديه على بطنه واستند إلى الحائط. لم يكن قادراً على النهوض أو الكلام. كان ينزف من البطن والحوض. الجيب العسكريّ كان على بُعد أمتار منّا ونحن كنّا في مرمى بصرهم. أخذت أصرخ "تعالوا، يوجد هنا مُصاب! لقد أصيب محمد!"، وفي أعقاب ذلك جاء شابّان. أحد الجنود فتح باب الجيب قليلاً وأطلق نحونا عيارين ناريّين فاختبأنا خلف زاوية الدّرج وواصل الجيب الانسحاب.

أثير تميمي (27 عاماً) من سكّان النبي صالح، كانت تشاهد دخول الجنود إلى القرية عبر نوافذ منزلها الواقع فوق الشارع، ثمّ شاهدت المواجهات التي اندلعت عقب ذلك. في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد فس 26.7.21 حدّثت أيضاً عمّا شهدته أثناء انسحاب الجنود من القرية:

شاهدت الجنود على بُعد ثلاثين متراً من نافذتي، كانوا يحتمون خلف الجيب ويسيرون ببُطء شديد وكانوا طوال الوقت يُطلقون الرّصاص الحيّ نحو شبّان يتواجدون في السّاحة الشرقيّة لمنزل إياد تميم أو في أرض المنزل المطلّة على الشارع. قبل ذلك وأثناء المواجهات التي وقعت في باحة القرية كان محمد تميمي وفتىً آخر أو اثنين يغلقون الشارع قبالة منزلنا بواسطة حاويات وحجارة، احتياطاً فيما لو أراد الجنود العودة من الطريق نفسها التي جاءوا منها.

فجأة فيما كان الجنود يطلقون الرّصاص الحيّ رأيت محمد يقع على مؤخّرته قرب إحدى الحاويات ثمّ يضع يديه على بطنه ويجلس القُرفُصاء. أخذت أصرخ نحو الشباب: "لقد أصيب محمد! لقد أصيب محمد!" ولكن لم يسمعني أحد منهم بسبب الجلبة وضوضاء إطلاق النيران ورشق الحجارة الكثيف. خشيت أن يعتقل الجنود محمد رغم أنّه جريح. وفعلاً رأيت أحد الجنود يتقدّم نحوه ربّما لكي يعتقله أو لكي يتفقّد وضعه. لكثافة الحجارة تجاوز الجنديّ محمد واحتمى خلف سور منزل إياد تميمي ثمّ ناداه الجنود الآخرون يطلبون منه أن يرجع ففعل ذلك بسُرعة. انسحب الجنود عبر طريق ترابيّة تمرّ خلف منزلي واتّجهوا نحو برج المراقبة فيما هُم يواصلون إطلاق الرّصاص الحيّ. أعتقد أنّ أحدهم تموضع قرب زاوية المنزل وأطلق الرّصاص الحيّ نحو راشقي الحجارة الذين كانوا قرب منزل إياد لكي يؤمّن انسحاب بقيّة الجنود.

كان الجيب العسكريّ يتقدّم وهو يزيل العراقيل والحجارة التي كانت تعترض طريقه في الشارع وأثناء ذلك كانت حجارة كثيرة تصيبه. تقدّم الجيب وتجاوز محمد. آنذاك استجمع محمد قُواه ونهض وهو يُمسك بطنه بيديه ومشى في اتّجاه المدخل الجنوبيّ لمنزل إياد وهو أقرب مخبأ إليه، وقد مرّ عن الجيب. بعد ذلك صعد الدّرج واختفى عن ناظريّ. بعد أن انسحب الجنود نقل بعض الشبّان محمد إلى حافلة صغيرة (ميني باص) قريبة وانطلقت الحافلة بمحمد وشبّان يرافقونه. بعد أن سارت الحافلة خمسين متراً تعطّلت. سمعت أنّه تمّ بعد ذلك نقل محمد في سيّارة خاصّة إلى مستشفىً في سلفيت. عند السّاعة 22:00 سمعنا أنّه استُشهد.

أدناه تحدّث براءة بكري (40 عاماً) عن مقتل ابنها - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّإياد حداد في 15.8.21:

محمد تميمي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
محمد تميمي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

أصل عائلتي من النبي صالح ولكنّني نشأت في منزل جدّي في الأردن، ثمّ في العام 2001 تزوّجت من قريبي ويُدعى منير تميمي من دير نظام. أقام زوجي معنا في الأردن طوال ثلاث سنوات ثمّ طردوه لأنّه كان بدون تأشيرة إقامة فعاد إلى الضفة الغربيّة. أنا أحمل هويّة أردنيّة وهو يحمل هويّة الضفة الغربيّة، وحين أردت الانتقال للإقامة معه في الضفة الغربيّة رفضت إسرائيل طلب لمّ الشمل. حين وافقوا على تصريح زيارة جئت إلى النبي صالح في العام 2012 ومنذ ذلك الحين بقيت في الضفة بدون أوراق أو مكانة رسميّة. في العام 2018 انتقلنا للسّكن في منزل يعود لجدّي في قرية النبي صالح. حتى اليوم لا أحمل هويّة ولا أستطيع الخروج من الضفة الغربيّة لأنّ إسرائيل سوف تمنع حينئذٍ عودتي.

في يوم استشهاد محمد جاء ابني الصغير عمر عند السّاعة 16:30 من خلف المنزل وهو خائف. قال لي "جيش يا أمّي، جيش". نظرت من مقدّمة الشرفة فرأيت أربعة جنود يُطلقون الغاز المسيل للدّموع في كلّ الاتّجاهات وأيضاً في اتّجاه منزلنا. سقطت إحدى القنابل قرب شبّاك المطبخ وسقطت قنبلة أخرى في الحقل الواقع أعلى المنزل. نزل محمد وأخوه مصطفى (10 سنوات) إلى الشارع. سمعت محمد يقول للجنود "لماذا تطلقون الغاز؟" ويطلب من أخيه أن يُبطل مفعول قنبلة الغاز، لا أدري كيف. ناديتهما أطلب منهما العودة إلى المنزل وجلبت بضع حبّات بصل ضدّ الغاز المسيل للدّموع.

بعد ذلك رأيت محمد يخرج في اتّجاه الجنود الذين كانوا ينسحبون من منطقة منزلنا ومعه فتيان آخرون وكانوا يرشقون الحجارة نحو الجنود. سمعت صوت المواجهات في الباحة وسط القرية - صوت إطلاق رصاص حيّ وقنابل غاز مسيل للدّموع. بعد مضيّ أربعين دقيقة وعند السّاعة 17:00 سمعت ثلاث طلقات متتالية. بعد دقائق معدودة اتّصلت ابنة عمّي وأخبرتني أنّ محمد قد أصيب. علمت بذلك لأنّها تقيم قرب الموقع الذي أصيب فيه محمد. لم أصدّقها لأنّه كان قد خرج من المنزل للتو. بعد ذلك جاء زوجي وذهبنا معاً إلى المستشفى في سلفيت وهناك قالوا لنا إنّه توفّي جرّاء الإصابة. في اليوم التالي شيّعنا جثمانه في دير نظام في جنازة كبيرة.

تحطّم قلبي عندما سمعت أنّ محمد استُشهد. لقد ربّيته 17 عاماً وحظيت أن أراه شابّاً كبيراً وسنداً. محمد كان صديقي المقرّب وليس فقط ابني. كنّا نُمضي الوقت معاً في الأمسيّات ونلعب الورق. كنت أستشيره في كلّ كبيرة وصغيرة. كان يساعدني في ترتيب المنزل وفي المشتريات. كان يحبّ السّباحة وركوب الدرّاجة الهوائيّة. كان طموحاً ومتواضعاً وقد أراد أن يدرس موضوعاً تقنيّاً لكي يعمل في الصّيانة مثل والده. محمد كان كلّ شيء بالنسبة إليّ.