Skip to main content
مخيم قلنديا من خلف جدار الفصل. تصوير: آن بك، أكتيفستيلز، 3.4.19
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

ضرْب فتىً في منزله وإطلاق نار عشوائيّ وإصابة خمسة أشخاص في مُداهمة الجيش لمخيّم قلنديا للّاجئين

نحو الثامنة من صباح يوم الاثنين الموافق 7.12.20دهمت مخيّم قلنديا للّاجئين قوّة من الشرطة الخاصة (اليَسام) وشرطة حرس الحدود، علماً أنّ معظم مساحة المخيّم تقع في أراضي السّلطة الفلسطينيّة خارج منطقة نفوذ بلديّة القدس. توجّهت القوّة نحو منزل عائلة حمد حيث يسكن عشرة أنفار. اقتحم نحو عشرة من أفراد القوّة منزل الأسرة ومعهم كلب فيما انتشر بقيّة العناصر في الشوارع المجاورة وعلى أسطح منازل في الحيّ. في منزل العائلة هاجم العناصر الفتى نصر الله (15 عاماً) كما فرّقوا بقيّة أفراد الأسرة واحتجزوهم في غرف المنزل. بعد ذلك فتّش الجنود المنزل بعُنف شديد وضمن ذلك كسروا بابين ومزّقوا تنجيد الأثاث. بعد مضيّ نصف السّاعة غادروا المنزل وهُم يقتادون اثنين من الأبناء وهُما محمد حمد (28 عاماً) وشقيقه مُعاذ (21 عاماً).

في خضمّ اقتحام المنزل وأيضاً أثناء خروج القوّة منه ألقى عدد من أهالي المخيّم حجارة وأغراضًا ثقيلة نحو العناصر وأطلق عدد من القنّاصة الرّصاص الحيّ وبضمنه رصاص "التوتو" بصورة عشوائيّة دون تفريق بين المارّة والمشاركين في المواجهة وأصابوا أربعة أشخاص هُم: عليّ حمد (25 عاماً) - أصيب في بطنه وهو على سطح منزله إذ صعد لينظر إلى أين يقتاد العناصر شقيقيه؛ أحمد روم (29 عاماً) - أصيب في صدره عندما كان واقفاً عند مفترق في جوار منزل عائلة حمد؛ عليّ عبد القادر (16 عاماً) - أصيب في فخذه عندما كان قرب منزل جدّته على بُعد نحو مئة متر من منزل عائلة حمد؛ ومحمد خليل (47 عاماً) - أصيب في ساقه عندما همّ لمساعدة الفتى المصاب عليّ عبد القادر؛ ومن أهالي المخيّم جُرح أيضاً شخص جرّاء إصابته بشظايا. في صفوف عناصر الشرطة أصيب ستّة بإصابات طفيفة وفق تقارير نشرتها وسائل الإعلام.

لم يكن هناك أي مبرّر لتفتيش منزل عائلة حمد بهذا العُنف الذي تخلّله اعتداء بالضرب على أحد الأبناء وتكسير الأبواب واحتجاز أفراد الأسرة وإتلاف الممتلكات. كذلك لا مبرّر لإطلاق الرّصاص الكثيف الذي قام به العناصر: زعمت الشرطة (الرابط بالعبرية) أنّ العناصر "استشعروا خطراً على حياتهم فأطلقوا الرّصاص واستخدموا وسائل تفريق مرتكبي أعمال الشغب" لكنّ هذا التفسير لا ينسجم ووقائع الحادثة كما تكشّفت في تحقيق بتسيلم: عناصر شرطة مسلّحون ومحصّنون جيّداً أطلقوا الرّصاص الحيّ داخل حيّ مكتظّ بالسكّان نحو المارّة والأهالي وجرحوا خمسة أشخاص. هذه الأفعال أيضاً لا يمكن إيجاد مبرّر لها.

كما في مئات المداهمات السّابقة لن يُحاسب أحد على الاعتداء على أفراد الأسرة أو إطلاق الرّصاص المنفلت خلال هذه المداهمة - لا من نفّذوه ولا المسؤولون عنهم في المستويين السياسيّ والعسكريّ ولا المستشارون القضائيّون الذين يصادقون على هذه العمليّات المرّة تلو الأخرى.

فيما يلي إفادات سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

أدناه تصف الأمّ عُلا حمد (47 عاماً) الاقتحام العنيف لمنزلها واعتقال اثنين من أبنائها وإصابة ثالث بجُروح:

في الثامنة من صباح الاثنين الموافق 7.12.20 أيقظني من نومي صُراخ ابني نصر الله في غرفته ينادي "أمي! أمي!" فنهضت مذعورة وإذّاك سمعت جلبة عناصر الشرطة وقد اقتحموا منزلنا. استبدلت ملابسي بسُرعة وأيقظت زوجي ثمّ توجّهت نحو غرفة ابني فرأيت هناك نحو عشرة عناصر شرطة كلّهم مسلّحون ويرتدون الزيّ الأسود وسترات واقية. كانت رؤوسهم ووجوههم مخفيّة تحت الخوذات والكمامات بحيث يصعب تمييز ملامحهم أو حتى رؤية عيونهم. وكان معهم كلب ضخم على فمه كمامة ومنظره يثير الرّعب.

ثبّت عدد من العناصر ابني على الأرض. كان نصر الله يبكي ويصرخ مستغيثاً "يمّاه، إنّهم يضربونني. أمي، أمي". كدت أفقد عقلي. كيف يُعقل أن يهجم أربعة أشخاص مسلّحين على فتىً بهذا الشكل؟! صرخت عليهم: "حرام هذا الذي تفعلونه! ماذا فعل لكم أصلاً؟! إنّه فتىً صغير!". عندما حاولت أن أخلّصه من أيديهم دفعوني وأبعدوني تحت تهديد السّلاح. لم يتركوه إلّا بعد أن توسّلت إليهم.

في هذه الأثناء اعتقل عناصر آخرون اثنين من أبنائي الكبار. بعد ذلك أجبروني وزوجي وبناتنا وحماتي أن ندخل إلى إحدى الغرف. عبر شقّ الباب رأيت العناصر يحطّمون بابي غرفتين وسمعتهم يوقعون قطع أثاث على الأرض. بعد أن غادروا تبيّن لي أنّهم مزّقوا أيضاً تنجيد تسع من كنبات الصّالون.

بعد مضيّ عشرين دقيقة تقريباً غادروا منزلنا وأخذوا معهم ابنيّ محمد ومعاذ ويدي كلّ منهما مكبّلتين إلى الخلف. لكي أمنعهم من اعتقال ولديّ هممت بالخروج من الغرفة وأنا أصرخ عليهم "حرام، إلى أين تأخذونهما؟! ماذا فعلا لكم؟!" لكنّ الشرطي الواقف عند الباب دفعني إلى الدّاخل ومنعني من الخروج.

عندما غادر عناصر الشرطة لحقت بهم حتى مدخل البناية ولكنّني عدت وصعدت إلى المنزل لأنّ بعض العناصر أخذوا يطلقون الرّصاص الحيّ نحو راشقي حجارة في الخارج. أثناء صعودي رأيت ابني عليّ (25 عاماً) محنيّاً ممسكًا ببطنه. قال لي "لقد أصبت. أصبت في بطني". أبعدت يده لأرى موضع الإصابة فرأيت نزيف دم خفيف. لاحقاً أوضح لي عليّ أنّه صعد إلى السّطح لكي ينظر إلى أين ستأخذ الشرطة أخويه وهناك أصابته رصاصة أطلقها أحد العناصر. أخذنا عليّ وأدخلناه في سيّارة زوجي التي كانت متوقّفة في السّاحة المجاورة وكانت المواجهة بين عناصر الشرطة وراشقي الحجارة لا تزال مستمرّة على بُعد بضع عشرات من الأمتار.

أخذنا عليّ إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وقد وصلنا إلى هناك خلال أقلّ من عشر دقائق. بعد أن فحصوه في قسم الطوارئ أدخلوه إلى غرفة العمليّات وأجروا له عمليّة استمرّت أكثر من ثلاث ساعات. قال الأطبّاء إنّ إصابته خطيرة لأنّ الرّصاصة سبّبت أضراراً داخل البطن وقد اضطرّوا لقطع جزء من أمعائه - لكنّهم طمأنونا لناحية عدم وجود خطر على حياته. إنّه الآن في المنزل يتماثل للشفاء لكنّه لم يعُد إلى العمل بعد، علماً أنّ عمله كان يساعدنا في بعض مصاريف المعيشة.

أحد المصابين سائق تاكسي من سكّان رام الله تصادف وجوده في المخيّم أثناء المواجهات ويُدعى أحمد روم (29 عاماً). جاء أحمد عند السّاعة 8:30 لكي يلتقي صديقه فأوقف سيّارته وتقدّم راجلاً ثمّ وقف في مفترق طرق مجاور لمنزل عائلة حمد وهناك أصابته رصاصة "توتو" في صدره.

أدناه وصف للأحداث كما جاء في إفادة أحمد روم: 

أحمد روم والقطب على بطنه بعد العملية الجراحية. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 15.11.20

أوقفت سيّارتي وتقدّمت داخل المخيّم بحذر لكي ألتقي صديقي وفي ذلك الوقت كانت تجري مواجهات قرب منزل عائلة حمد بين شبّان معدودين يُلقون الحجارة من الزُقاق ومن خلف زوايا المنازل وعن الأسطح وبين عناصر شرطة كانوا يُطلقون نحوهم الرّصاص الحيّ والرّصاص "المطّاطيّ". من حيث كنت أقف رأيت اثنين أو ثلاثة من عناصر شرطة حرس الحدود قرب منزل عائلة حمد كما رأيت نحو عشرة أشخاص آخرين يقفون ويتفرّجون على بُعد بضع عشرات من الأمتار. فجأة أحسست ما يشبه لسعة في صدري من جهة اليسار. لم أسمع إطلاق رصاص ولكنّني أحسست برصاصة تصيبني وفوراً أخذ الدّم ينزف وشعرت بغثيان.

بعض الشبّان القريبين منّي حملوني وسحبوني قرابة 30-40 متراً ثمّ أدخلوني إلى سيّارة خاصّة نقلتني فوراً إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. كان قد وصل قبلي إلى غرفة الطوارئ ثلاثة أو أربعة جرحى من المخيّم. أدخلوني إلى غرفة العمليّات وأجروا عمليّة استمرّت ساعتين تقريباً ثمّ نقلوني إلى قسم الجراحة لاستكمال العلاج. يبدو أنّ مسار الرّصاصة التي أصابتني كان من أعلى إلى أسفل إذ اخترقت صدري وخرجت من خاصرتي اليُسرى. خرجت من المستشفى بعد خمسة أيّام في مساء يوم السّبت. الآن أنا لا أعمل لأنّني لا أقدر حتى على المشي علماً أنّ عملي يُسهم في تدبير مصاريف معيشة أسرتنا التي تعدّ 7 أنفار. ليس واضحاً الآن ماذا ستكون عواقب الإصابة وآثارها ولذلك أنا قلق بالنسبة للمستقبل.

عند السّاعة 8:30 من ذلك اليوم كان عليّ عبد القادر (16 عاماً) تلميذ الصفّ الحادي عشر عائداً من مدرسته إلى المخيّم عندما اكتشف بأن التعليم قد أوقف بسبب الكورونا. عندما أصبح قرب مخبز عائلة خليل استهدفه قنّاص وأصابه في فخذه فهرع إليه محمد خليل (47 عاماً) وهو ابن صاحب المخبز وحاول أن يساعده في الابتعاد عن المكان لكنّ قنّاصاً استهدفه هو أيضاً وأصابه في ساقه.

 

علي عبد القادر بعد تسريحه من المستشفى. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 15.12.20

أدناه وصف لملابسات إصابة الفتى عليّ عبد القادر كما وردت في إفادته:

عند السّاعة 8:30 كنت قرب منزل جدّتي الواقع قرب المخبز وفجأة أحسست بوخزة قويّة جدّاً في الفخذ فأدركت أنّني أصبت. كانت الإصابة وسط فخذي الأيمن. خفت كثيراً خاصّة وأنّ الدم كان ينزف بغزارة وأخذت أصرخ "لقد أصبت! لقد أصبت!". لم أسمع صوت الطلقة ولم أرَ الشرطيّ الذي أطلقها وأصابني ولكنّني أعتقد أنّه من عناصر الشرطة المنتشرين على الأرض على بُعد نحو ثمانين متراً قبالة منزل عائلة حمد.

استدرت إلى الخلف أركض نحو المخبز لكي أطلب النجدة ولكن بعد خطوات قليلة وقعت أرضاً ولم أقدر على تحريك رجلي. خرج محمد خليل من مخبزه متوجّهاً نحوي لكي يساعدني وفجأة أصابته هُو الآخر رصاصة في رجله وفي هذه المرّة أيضاً لم أسمع صوت الطلقة. كان قربنا بضعة شبّان ومُسعف تقدّموا وحملوا كلينا وأدخلونا إلى سيّارة خاصّة. في الطّريق ضمّد المُسعف جُرحي بقطعة قماش لكي يوقف النزيف.

أدناه وصف لما حدث من إفادة محمد خليل:

محمد خليل في المستشفى تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 7.12.20

أثناء خروج عناصر الشرطة من المخيّم كنت في داخل المخبز. فيما كنت أنظر إلى الخارج سمعت إطلاق رصاص حيّ ورصاص "توتو" ورأيت عليّ عبد القادر يركض في اتّجاهي وهو يعرج. كان مصاباً في الفخذ ودمه ينزف. خرجت فوراً من المخبز لكي أساعده وكان يبعد عنّي بضعة أمتار. حين وصلت إليه وأسندته كان شرطيّ يقف قرب منزل عائلة حمد على بُعد نحو ثمانين متراً منّي. عندما كنت أمسك بالفتى المصاب أصابتني رصاصة "توتو" في رجلي اليسرى تحت الرّكبة. أعتقد أنّ ذاك الشرطيّ هو الذي أطلقها. بما أنّ الإصابة لم توقعني أرضاً واصلت محاولة مساعدة الفتى المصاب ولكنّني لم أقدر على حمله. تقدّم مُسعف من الحيّ وساعدني على حمل عليّ وتمكّنّا من الابتعاد عن مرمى عناصر الشرطة. اختبأنا في إحدى الزوايا إلى أن مرّت سيّارة خاصّة وأخذتنا إلى مجمّع فلسطين الطبّي وهناك أدخلونا فوراً إلى قسم الطوارئ وفوراً بدأوا معالجتي بمحاليل عبر الوريد كما عقّموا الجُرح وضمّدوه. في المساء أجروا لي عمليّة جراحيّة لترميم الأوتار والأعصاب التي تمزّقت جرّاء الإصابة وبعد ستّة أيّام خرجت من المستشفى.

أمّا علي عبد القادر فقد تبيّن أنّ شريان فخذه انقطع وتمزّقت العضلات كما تلفت أعصاب الفخذ وخضع هو الآخر لعمليّة جراحيّة. غادر عليّ المستشفى بعد ستّة أيّام علماً أنّه قد يحتاج إلى عمليّات جراحيّة أخرى لترميم الأعصاب والأوتار المتضرّرة.

عن ذلك قال عليّ في إفادته:

أنا الآن ملازم للسّرير ولا أستطيع التحرّك بدون مساعدة. قال مدير المدرسة إنّهم يأخذون وضعي بعين الاعتبار وبعد شفائي سوف ينظّمون لأجلي عملية تعلّم عن بُعد. كنت أعمل مساعداً في مطعم عمّتي ولكنّني الآن لا أقدر على العمل مع أنّني الابن البكر ومسؤوليّة إعالة الأسرة تقع عليّ إذ توفّي والدي قبل تسع سنوات. نحن 4 أنفار ونعتمد الآن على مساعدات الأقارب ومؤسّسات الشؤون الاجتماعيّة. لا أعلم كيف سنتدبّر أمورنا ولا كم من الوقت سنصمد هكذا.