Skip to main content
الطريق الترابية التي قطعها علي أبو عليا لحظة إصابته. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 6.12.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

سياسة إطلاق النار تجبي ضحيّة أخرى: فتىً فلسطينيّ في الـ15 يُقتل بنيران قنّاص

يومَ قُتل عليّ أيقظته باكراً، في الـ6:00 صباحاً وطلبت منه أن يذهب ويساعد جدّه في إطعام المواشي وحَلبها. كان يحبّ العناية بالماشية كثيراً. قبل أن يذهب قال لوالدته: "أمّي، اليوم عيد ميلادي وأريد أن تعدّي لي كعكة". نحن عائلة قرويّة ولا نحتفل عادة بأعياد الميلاد، ومع ذلك قالت له والدته: "حسناً يا علي، سوف أخبز كعكة كبيرة ولذيذة لكي تستمتع مع أخوتك وأصحابك". (من إفادة أيمن أبو عليا، والد علي).

علي أبو عليا. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

يومَ قُتل عليّ أيقظته باكراً، في الـ6:00 صباحاً وطلبت منه أن يذهب ويساعد جدّه في إطعام المواشي وحَلبها. كان يحبّ العناية بالماشية كثيراً. قبل أن يذهب قال لوالدته: "أمّي، اليوم عيد ميلادي وأريد أن تعدّي لي كعكة". نحن عائلة قرويّة ولا نحتفل عادة بأعياد الميلاد، ومع ذلك قالت له والدته: "حسناً يا علي، سوف أخبز كعكة كبيرة ولذيذة لكي تستمتع مع أخوتك وأصحابك". (من إفادة أيمن أبو عليا، والد علي).

في التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق 4.12.20 صعدت مجموعة من الفتية والشبّان سكّان قرية المغيّر (الواقعة شمال غرب رام الله) إلى تلّة شرقيّ القرية تطلّ على شارع "ألون" وأخذوا يرشقون الحجارة نحو الشارع احتجاجاً على إقامة بؤرة استيطانيّة جديدة أقيمت في بداية تشرين الثاني 2020 قرب تجمّع راس التين الواقع جنوب شرق القرية. يُذكر أنّ المستوطنين الذين أقاموا بؤرتهم على أراضٍ خاصّة يملكها فلسطينيّون من قريتي المغيّر وكفر مالك ينكّلون بالمزارعين والرّعاة في المنطقة بحيث أصبح هؤلاء يخشون المجيء إلى أراضيهم.

نصب جنود كميناً للفتية والشبّان المتظاهرين في منطقة التلّة ومن كمينهم أطلقوا نحوهم قنابل الغاز المسيل للدّموع. أخذ عدد المتظاهرين يتزايد تدريجيّاً حتى أصبحوا خمسين تقريباً - بعضهم رشق حجارة نحو الجنود الذين ردّوا بإلقاء قنابل الصّوت والغاز المسيل الدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط.

مع السّاعة 11:00 انتقلت المواجهات إلى منطقة في الطرف الشرقيّ للقرية. انتشر أكثر من عشرة جنود فوق تلّة صغيرة تقع في تلك الناحية وواصلوا إطلاق المقذوفات نحو الفتية والشبّان الذين وقفوا أسفل التلّة على مسافات من الجنود تتراوح بين عشرين وسبعين متراً.

البؤرة الاستيطانيّة الجديدة التي على أثرها تظاهر الشبان. تصوير: كرن منور، اكتفستيلس

على بُعد نحو 150 متراً من المواجهات وقف ما يقارب مئة من أهالي القرية يتفرّجون على الأحداث وبضمنهم الفتى علي أبو عليا وهو طالب في الصفّ العاشر، وكان ذلك اليوم يحتفل بعيد ميلاده الـ15. يقول شهود عيان أنّهم رأوا في طلعة الطريق الترابيّ الذي يقطع منتصف التلّة قنّاصاً انبطح على الأرض ومعه بندقيّة قنص من نوع "روجر" الذي يُستخدم لإطلاق رصاص التوتو (وهو نوع من الذخيرة الحيّة قوّته أخفّ من قوّة الرّصاص الحيّ العاديّ) وأطلق رصاصة أصابت علي أبو عليا في بطنه حين كان يقطع الطريق. نُقل علي إلى مستشفىً في رام الله وبعد ساعات معدودة أعلن الأطبّاء وفاته.

الذّخيرة الحيّة التي قتلت علي أبو عليا أطلقها قنّاص رغم أنّ الفتى لم يشكّل خطراً على أحد. رسميّاً تقيّد التعليمات استخدام الذّخيرة الحيّة - وبضمنها رصاص "التوتو" - بحيث يُسمح استخدامها فقط في حال خطر يهدّد حياة عناصر قوّات الأمن أو غيرهم. ولكنّ الواقع أنّ الجيش يتعامل منذ زمن مع هذه التعليمات على أنّها مجرّد توصية غير مُلزمة ولذلك نجد أنّ إطلاق الذّخيرة الحيّة في ظروف لم تتعرّض فيها حياة أحد للخطر ليس أمراً استثنائيّاً: منذ العام 2015 قُتل بالرّصاص الحيّ في الضفة الغربيّة ما لا يقلّ عن 38 فلسطينيّاً بضمنهم 16 قاصراً خلال أحداث رشق فلسطينيّون خلالها حجارة أو اشتُبه في أنّهم رشقوا حجارة حتى عندما لم يشكّلوا خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن أو غيرهم.

فيما يخصّ رصاص "التوتو" يُلاحظ ميدانيّاً أنّ الجيش ينشر جنوداً قنّاصة يستخدمون هذه الذخيرة وكأنّها وسيلة عاديّة لتفريق المظاهرات أي كأنّها غير فتّاكة رغم أنّ هذا النوع من الرّصاص ثبت فتكه بالتّأكيد: منذ العام 2015 قُتل جرّاءه 9 فلسطينيّين على الأقلّ وكان علي أبو عليا الضحيّة العاشرة. بعيداً عن التعليمات الرسميّة النظريّة، يُظهر مقتل الفتى أبو عليا أنّ سياسة إطلاق النار العمليّة التي تطبّقها إسرائيل في الضفة الغربيّة تتيح إطلاق الرّصاص الحيّ حتى في غياب المبرّرات وحتى مع العلم أنّه سيسبّب إصابة أو مقتل أناس لا يشكّلون خطراً على أحد - لكن لا يوجد من يكترث لذلك أصلاً. المسؤوليّة عن نتائج تطبيق هذه السّياسة تقع ليس فقط على الجنود في الميدان وإنّما على المسؤولين المتورّطين وبضمنهم من يصادقون المرّة تلو المرّة على إطلاق النار في مثل هذه الظروف والمستشارين القضائيّين الذين يسخّرون شتّى الفذلكات القانونيّة لإضفاء الشرعيّة عليها.

وكما في الحالات السّابقة، سارع الجيش في هذه الحالة أيضاً إلى الإعلان عن تحقيق باشرت فيه وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة. لكنّ تجربة السنين تؤكّد أنّ هذا الإعلان لا يعني الاستعداد لسبر غور الحقيقة ومنع تكرار مثل هذه الجريمة أو إنصاف عائلة الفتى أبو عليا، بل على العكس من ذلك تماماً: هدف الإعلان إسكات النقد عبر الإيهام بأنّ جهاز إنفاذ القانون يحقّق في الأمر بجدّيّة، بينما يقوم هذا الجهاز بطمس الحقيقة وحماية المسؤولين عن مقتل الفتى أبو عليا.

فيما يلي إفادات حول الحادثة أدلى بها شهود عيان أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

 

أدناه أقوال ف.ع (17 عاماً، تلميذ في الصفّ الثاني عشر) الذي كان يقف على بُعد أمتار معدودة من علي أبو عليا عندما أطلقت عليه الرّصاصة - من إفادة أدلى بها في 6.12.20:

حتى السّاعة 13:30 لم يستخدم الجنود الرّصاص الحيّ ولم أسمع إطلاق رصاص "توتو". كان تركيزهم على إطلاق الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطي. عند السّاعة 13:30 رأيت نحو أربعة جنود يتجمّعون في أعلى التلّة وكان أمامهم ضابط وإلى جانبه استلقى قنّاص. قبالتهم، عند أسفل التلّة، كان 20-30 فتىً على جانب الطريق ومن خلف أسوار حجريّة (سناسل) على مسافات من الجنود تراوحت بين 30 و-70 متراً. اختبأ الفتية لكي لا يراهم القنّاص. في ذلك الوقت كنت مستنداً إلى سور أرض عائلة الحاج محمد ورأيت علي يتفرّج هو أيضاً على الأحداث - لم يكن بعيداً عنّي. الفتية المنخرطون في مواجهات مع الجنود كانوا بعيدين عنّا. أثناء ما كنّا نتفرّج قال لي علي: "أنا اليوم مسرور. لا أريد أن أبقى هنا كثيراً لأنّ اليوم عيد ميلادي وأريد الذهاب إلى البيت لكي أحتفل".

بعد وقت قصير قطع علي الطريق الترابي قادماً إلى جهتي لكي ينظر من هناك. فجأة، حين كان على الطريق في مرمى القنّاص أطلق القنّاص رصاصة واحدة أصابت علي في بطنه. وضع علي يده على بطنه وصرخ بألم "أه بطني! آه بطني!".

في البداية ظننته يمزح لأنّه معروف بحُبّه للمزاح وأيضاً لأنّني لم أسمع سوى صوت خافت أشبه بـ"تك" لمرّة واحدة ولم أسمع إطلاق رصاص حيّ. كان علي على بُعد ثلاثة أمتار منّي. أدركت أنّه جدّي عندما رأيته يحاول أن يمشي وظهره محنيّ ويداه على بطنه ويصيح "آه بطني! آه بطني!". قال أيضاً "لقد أصبت! لقد أصبت!"، ثمّ وقع أرضاً على ظهره.

نظرت إلى بطنه لكي أرى موضع الإصابة فرأيت في وسط قميصه ثقباً صغيراً جدّاً بقُطر سيجارة وتقريباً لم ينزف. حمل أحد السكّان (و.ن.) علي مسافة أربعين متراً تقريباً ثمّ أخذه بعض الشباب وأدخلوه في سيّارتهم، في المقعد الخلفيّ. رافقهم مسعف تواجد في المكان وشابّ آخر.

أدناه يصف و.ن. ما جرى، وهو شابّ في الـ23 من سكّان المغيّر - من إفادة أدلى بها في 6.12.20. يُذكر أنّ و.ن. كان يقف قرب علي عندما أصيب الأخير، وكلاهما كانا على بُعد نحو 150 متراً من القنّاص:

نحو السّاعة 13:30 رأيت الجنديّ الذي كان يحمل بندقيّة التوتو يستلقي على الأرض بوضعيّة قنص وإلى جانبه وقف ضابط وكان الضابط يوجّهه في اعتقادي. في تلك اللحظة كان علي يقف خلفي على مسافة ثلاثة أمتار منّي وكلانا كنّا نشاهد التظاهرة عن بُعد نحو 150 متراً. رأيت الضابط يشير إلى الفتية المنتشرين في الحقول لكنّ الجنديّ لم يطلق الرّصاص لأنّ الفتية كانوا حذرين وقد اختبأوا خلف صخور أو سواتر ترابيّة.

استدرت للحظة لكي آخذ ولّاعة سجائر من صديق لي، وللأسف تقدّم علي في تلك اللحظة بضعة أمتار إلى وسط الطريق في مرمى القنّاص. لم أره يتقدّم وإلّا لحذّرته. أطلق القنّاص طلقة واحدة كان صوتها خافتاً جدّاً. أدركت فوراً أنّ علي قد أصيب ثمّ انحنيت لكي أحمي رأسي إذ خشيت أن يطلق القنّاص مرّة ثانية نحونا. صرخ علي "آه بطني!" ووقع أرضاً، في البداية على جنبه ثمّ انقلب على ظهره.

تقدّمت منه بسُرعة، أزحت يده التي كانت تغطّي موضع الإصابة فرأيت أنّه أصيب في وسط بطنه تماماً، فوق "الصُّرّة" بقليل. كان علي غائباً عن الوعي وجسمه في حالة ارتخاء. حملته وركضت قرابة 50 متراً نحو سيّارة خاصّة كانت متوقّفة هناك، وقد جاء مُسعف وساعدني. أدخلنا علي إلى المقعد الخلفي وصعد المُسعف مع السّائق وابن عمّه. عندما كشفوا عن بطن علي رأيت فتحة دخول الرّصاصة في بطنه، ثمّ انطلقوا نحو المستشفى.

في المساء ذهبت إلى المستشفى في رام الله لكي أسأل عن وضع علي، وعند السّاعة 18:30 أعلن الأطبّاء وفاته. أفكّر طوال الوقت بهذه الحادثة ونتائجها ولا أعثر على أيّ مبرّر لإطلاق الرّصاص من قبَل القنّاص. لقد قتل فتىً كان يقف هادئاً ولم يشكّل خطراً على أحد. لم يشارك حتى في المظاهرة.

أدناه والد علي، أيمن أبو عليا، يصف ما جرى في ذلك اليوم - من إفادة أدلى بها في 16.12.20 - وهو في الـ42 من عمره، متزوّج وأب لستّة أبناء:

قبل عشر سنوات فقدت ابني وسام وهو في العاشرة من عمره، إثر إصابته بمرض السّرطان. الآن هذا الموت الثاني، ولكنّه في هذه المرّة أكثر قسوة وإيلاماً لأنّه كان بسبب محتلّ غاشم لا يعرف الرحمة ولا الشفقة إذ يستهدف الطفل والمسنّ والشجر والحجر. مهما قلت لن أوفي الوصف حقّه في إجرام أولئك الذين قتلوا ابني.

يومَ قُتل عليّ أيقظته باكراً في الـ6:00 صباحاً، وطلبت منه أن يذهب ويساعد جدّه في إطعام المواشي وحَلبها. كان يحبّ العناية بالماشية كثيراً. قبل أن يذهب قال لوالدته: "أمّي، اليوم عيد ميلادي وأريد أن تعدّي لي كعكة". نحن عائلة قرويّة ولا نحتفل عادة بأعياد الميلاد، ومع ذلك قالت له والدته: "حسناً يا علي، سوف أخبز كعكة كبيرة ولذيذة لكي تستمتع مع أخوتك وأصحابك".

لاحقاً، نحو السّاعة 13:30، كنت جالساً في الشّرفة وإذ بسيّارة مُسرعة جدّاً قادمة هي تزمّر من ناحية منطقة المظاهرة إلى مخرج القرية في اتّجاه ترمسعيّا. بعد دقائق معدودة هاتفني أخي حمدي وسألني: "هل صحيح أنّ ابنك أصيب؟" فأجبته "ليس لديّ علم بهذا". قال لي: "أولاد القرية يقولون أنّ علي أصيب وأنّه نُقل إلى المستشفى في سيّارة خاصّة". صار قلبي يدقّ بسُرعة وانتابني التعرّق من خوفي على حياة علي. لقد عملت وشقيت ليلاً نهاراً لكي أربّيه وأعتني به متلهّفاً لرؤيته يكبر ويصبح شابّاً ثمّ رجُلاً متعلّماً يفيد مجتمعه. ضجّ رأسي لكثرة ما تراكضت فيه الأفكار وكأنّني داخل كابوس. توجّهت فوراً إلى منطقة المظاهرة فقال الأولاد هناك أنّ علي أصيب وأنّه بخير لأنّ إصابته طفيفة. لم أصدّقهم. سافرت مع أخي إلى المستشفى في رام الله وهناك قيل لي أنّ علي في غرفة العمليّات لأنّه أصيب برصاصة "توتو" في بطنه. فهمت أنّ هناك خطر على حياة ابني وكدت أنهار لولا دعم العائلة وأهالي البلد الذين جاءوا إلى المستشفى ووقفوا إلى جانبي يدعمونني ويصبّرونني. في هذه الأثناء كنت في انتظار أن يخرج الطبيب من غرفة العمليّات والدّقائق تمرّ كأنّها سنوات.

عند السّاعة 18:30 خرج طبيب وأبلغنا أنّ علي قد استُشهد. تمالكت نفسي رغم الألم الذي لا يوصف. في صباح اليوم التالي شيّعنا علي في جنازة كبيرة من المستشفى إلى مقبرة القرية. عندئذٍ حدث شيء يصعب تفسيره: أثناء موكب التشييع هطل مطر شديد فقط فوق الموكب وحوله ولم يهطل في أماكن أخرى- كأنّ السّماء بكت روحه الطاهرة.

منذ انقضت أيّام العزاء الثلاثة تعيش أسرتنا في حداد وحسرة قلب. الجميع يفتقد علي ويشتاقه. بعد استشهاده ولدت ابنتي أسيل وأسمت ابنها علي، وهناك شخصان من القرية قالا لي أنّهما أطلقا اسم علي على مولوديهما. كان علي ذا قلب كبير يحبّ الناس. كان يحبّ كرة القدم ويلعبها أينما وُجد - في الشارع، في المدرسة، في الحارة. كان حلمه أن يصبح لاعباً في المنتخب الوطني الفلسطيني عندما يكبر.