Skip to main content
عز الدين في سيارة عبد الله ابن عمه. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.8.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

شرطيّ من حرس الحدود يصوّب نيرانه إلى داخل سيّارة ويصيب ركّابها الثلاثة. أحدهم فقد عينه

في يوم الأربعاء الموافق 5.8.20 نحو السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل كان عبد الله الشعّار (20 عاماً) وابن عمّه عزّ الدين (18 عاماً) في طريقهما من منزليهما في مدينة نابلس إلى قرية العقربانيّة شمال شرق المدينة حيث يملك الإخوة منزلاً يقضون فيه العطل مع عائلاتهم وكان يُفترض أن يلحق بهما بقيّة الأقارب في الصّباح. لدى دخول عبدالله وابن عمّه إلى الشارع الترابيّ المؤدّي إلى المنزل تقدّم منهما عبد الرّحمن جبارة (22 عاماً) وطلب أن يتوقّفا.

تملك عائلة عبد الرّحمن منزلاً في العقربانيّة تستخدمه كحظيرة مواشٍ - وكان هو هناك لحراستها. ومن هنا فوجهُه مألوف لعبد الله وابن عمّه لكنّهما لا يعرفان اسمه. عندما أوقفا السيّارة قال لهما عبد الرّحمن إنّه لا يمكنهما التقدّم بسبب وجود جنود كثيرين هناك ثمّ طلب منهما أن يقلّاه معهم فوافق عبد الله. بعد أن دخل عبد الرّحمن إلى السيّارة استدار عبد الله وانطلق ليعود أدراجه لكنّه بالكاد تحرّك بضعة أمتار إذ تقدّمت منه سيّارة جيب بيضاء تقدمت بسرعة وتوقّفت في مواجهة سيّارته. بعد ذلك ترجّل من السيّارة ثلاثة من عناصر وحدة خاصّة في شرطة حرس الحدود وفوراً وقف أحدهم عند مقدّمة السيّارة وأطلق رصاصة واحدة أصابت زجاجها الأماميّ واخترقته لتُصيب رأس عبد الرّحمن جبارة وكان يجلس في المقعد الخلفيّ. أصابت شظايا الزجاج عبد الله وابن عمّه.

الثقب الذي خلفته الرصاصة في نافذة السيارة الأمامية. تصوير سلمى الدبعي، بتسيلم 10.8.20

مباشرة بعد ذلك اقترب عناصر الشرطة من السيّارة وضربوا نوافذها بأسلحتهم ثمّ أخذوا يحقّقون مع عبد الله وابن عمّه. أمّا عبد الرّحمن فقد تمّ إخراجه من السيّارة ونقله في طائرة "هليكوبتر" إلى مستشفى "تل هشومير" الإسرائيلي. اقتاد عناصر الشرطة ابني العمّ مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعيُن لتحقيق إضافيّ معهما وبعد ذلك أخلوا سبيلهما. في تلك الساعات اقتحم الجنود منزل عائلة عبد الرّحمن جبارة في قرية سالم المجاورة وبحثوا عن شقيق عبد الرحمن وأجروا في المنزل تفتيشاً قلبوا خلاله المنزل رأساً على عقب ثمّ غادروا. في المستشفى تبيّن أنّ الرّصاصة أفقدت عبد الرّحمن بصره في إحدى عينيه ويُخشى أن يفقد البصر في العين الثانية أيضاً. ويُذكر أنّه بعد أن رقد قيد العلاج مدّة تزيد عن شهر ونصف الشهر غادر إلى منزله مباشرة لإكمال العلاج التأهيليّ.

عقّب الناطق بلسان شرطة حرس الحدود على الحادثة قائلاً: "خلال عمليّة ميدانيّة لقوّات الأمن في منطقة الأغوار ضدّ سارقي سيّارات جرى إطلاق نار نحو فلسطينيّ بعد أن فرّ مع آخرين من وجه القوّات. تمّ تحويل الحادثة لوحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة لفحص ملابسات إطلاق النّار". في هذا التعقيب يحاول الناطق بلسان شرطة حرس الحدود - مخالفاً القانون بنفسه - تبرير إطلاق النار بهدف القتل في ملابسات وظروف أبعد ما تكون عن تعريض حياة أحد للخطر؛ وكلّنا يعلم أنّ إطلاق النار بهدف القتل يُسمح به فقط لأجل لدرء هذا الخطر. علاوة على ذلك فإنّ التعقيب لا يمتّ بأيّة صِلة لوقائع الحادثة: عناصر شرطة أوقفوا السيّارة ثمّ وقف أحدهم عند مقدّمتها وأطلق النار داخلها.

فيما بعد تبيّن أنّ عناصر الشرطة اشتبه عليهم الأمر فظنّوا خطأ أنّ أحد الركّاب الثلاثة "مطلوب" فكان هذا على ما يبدو سبباً كافياً من ناحيتهم لإطلاق النار عليه. ولكن لا سبيل لتبرير إطلاق النار داخل السيّارة بغضّ النظر عن الأسباب ومهما كانت الشبهات تجاه ركّاب السيّارة.

لا يتوقّعنّ أحد أن ينتهي الفحص الذي باشرت به وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة - وفقاً لتصريح الشرطة- إلى أيّة نتائج ذات أهميّة، لأنّ هذا الإجراء ليس سوى جزء من آليّة الطمس التي يديرها جهاز إنفاذ القانون لتحقيق أهداف عدّة منها إتاحة استمرار العُنف الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين والسيطرة عليهم. هذه الحادثة الأخيرة - بما في ذلك إطلاق النار والتفتيش العنيف داخل المنزل واحتجاز الشبّان والتحقيق معهم - ليست إلا جزءا من هذا النهج العنيف الذي أصبح منذ زمن واقعاً يوميّاً يعيشه ملايين الفلسطينيّين.

عبد الله الشاعر بجانب سيارته. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 10.8.20

أدناه إفادة عبد الله الشعّار - أدلى بها في 9.8.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

جلست خلف المقود. الجنديّ الذي وقف عند مقدّمة السيّارة أطلق فوراً رصاصة واحدة. أحسست بشيء ساخن يمرّ قرب رأسي وشعرت بألم شديد في عُنقي ورأسي. ظننت أنّ الرّصاصة أصابتني. الجندي الذي كان واقفاً قرب النافذة الأماميّة اليسرى من جهتي ضرب زجاج النافذة ببندقيّته ففتحت النافذة بسرعة. عندئذٍ صوّب هذا الجنديّ بندقيّته نحوي وقال لي بالعبريّة "ارفع يديك" وكذلك أشار لي بيديه. رفعت يديّ وأيضاً رفع ابن عمّي عزّ الدين يديه.

فتح الجنديّان أبواب سيّارتي وعندئذٍ ترجّل من الجيب الأبيض شخص آخر واقترب منّا. سألني باللّغة العربيّة: "من هذا الذي أصيب؟" فأجبته "أنا لا أعرفه". قال لي: "يجلس في سيّارتك شخص لا تعرفه؟" فأجبته: "أنا أعرفه شكلاً فقط لأنّه من سكّان المنطقة وأنا أراه قريباً من منزلنا ولكنّني لا أعرف ما اسمه". قال لي: "اسأله ما اسمُه".

استدرت إلى الخلف لكي أسأل الشابّ ما اسمه وعندئذٍ رأيت وجهه تكسوه الدّماء وبدا لي أنّه أصيب في عينه. كانت حالته صعبة جدّاً. أجابني الشابّ: "اسمي عبد الرّحمن جبارة". سمعت الجنود يتحدّثون عبر جهاز اللّاسلكي وقال لي ذاك الجنديّ إنّ طبيباً سوف يصل بعد قليل ليعالج جرحي. في هذه المرحلة بعد مضيّ عشر دقائق تقريباً على إطلاق النار حضر عدد كبير من الجنود وكانوا يتقدّمون نحونا وجاء أيضاً جيب عسكريّ. سمعت عبد الرّحمن يتقيّأ وأردت أن أستدير نحوه لكي أساعده لكنّ أحد الجنود صرخ عليّ يأمرني ألّا ألتفت إلى الخلف. أخرج الجنود عبد الرّحمن من السيّارة وأخذوه. كنت مذهولاً وخائفاً لدرجة أنّني لم ألاحظ كيف نقلوه من هناك بالضبط.

طلبوا بطاقتي هُويّتي وهُويّة عزّ الدّين فناولناهم إيّاهما. بعد ذلك قام الجنديّ الذي كان يقف في جهتي بسحبي من داخل السيّارة بالقوّة ثمّ كبّل يديّ بأصفاد بلاستيكيّة وفعلوا الأمر نفسه مع عزّ الدّين. الجنديّ خلع عنّي قميصي ثمّ تقدّم جنديّ آخر قال لي إنّه طبيب وأخذ يمسح الدّم الذي كان ينزف من الجهة اليسرى من رأسي وعنقي ثمّ وضع قميصي على عنقي.

أجلس عناصر الشرطة والجنود الشابّين عبد الله وعزّ الدّين الشعّار قرب السيّارة وعصبوا أعينهما ثمّ أجروا تفتيشاً داخل السيّارة. بعد أن حقّقوا معهما ثانية أخذوهما إلى معسكر للجيش وهناك حقّق معهما رجل "شاباك" حول معرفتهم بعبد الرحمن جبارة.

يواصل عبد الله في إفادته كما يلي:

قال لي "كان يمكن أن تموت بسبب مسألة لا علاقة لك بها فقط لأنّك أقلّيت مجرماً. هذه مخالفة عقوبتها السّجن لمدّة سنتين ولكنّني سأكون طيّباً معكما وأدعك تذهب أنت وابن عمّك. لقد كُتب لك عمرٌ جديد إذ كان يمكن أن يموت جميع من في السيّارة لولا احترافيّة الجنديّ الذي أطلق النار". بعد ذلك قال: "أنت بدورك كُن شابّاً جيّداً ونحن لن نحبسك عقاباً على نقلك لمجرم". أزال الأصفاد عن يديّ ثمّ هاتف والدي وطلب منه أن يأتي ويأخذنا إلى البيت. يتّضح أنّنا كنّا في معسكر للجيش في منطقة الحمرا. خرجت وعزّ الدين من المعسكر وسرنا حسب توجيهات الضابط لكي نلاقي والدي. في النهاية لم يكن والدي في انتظارنا فقد جاء ليأخذنا من هناك قريب لنا وابنه. أخذانا إلى المنزل لكي نستريح.

بعد أن وصل عبد الله إلى منزله توجّه إلى المستشفى في نابلس حيث أجريت له صور أشعّة وإخراج شظايا الزجاج من عنقه ورأسه؛ وقد تلقّى عزّ الدين العلاج في عيادة محلّية حيث تمّ إخراج شظايا الزجاج من عينيه.

أمّا عبد الرّحمن جبارة فقد وصل إلى مستشفى "تل هشومير" في طائرة "هليكوبتر" وقد تمّ إخضاعه لتخدير كليّ وتنفّس اصطناعيّ قبل وصوله إلى هناك. بعد عدّة أسابيع أفاق من غيبوبته تدريجيّاً وتابع العلاج في المستشفى حتى غادر إلى منزله في 24.9.20. وفقاً لنتائج الفحوصات التي أجراها المستشفى أصيب عبد الرّحمن في كلتي عينيه وهو يعاني من تلف دماغيّ وفقد البصر في عين واحدة ويتهدّد الخطر عينه الثانية.

عبد الرحمن جبارة قبل وبعد الإصابة. الصور قدمتها عائلته مشكورة

أدناه يصف عبد الرّحمن جبارة الأحاسيس التي تنتابه منذ ذلك اليوم - من إفادة أدلى بها في 22.9.20 وهو في المستشفى وقد استمعت إليها هاتفيّاً باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

حين فتحت عينيّ وجدت نفسي داخل طائرة "هليكوبتر" فظننته حلماً ثمّ فقدت الوعي مرّة أخرى. حين أفقت من جديد كانت قد مرّت عدّة أيّام. فتحت عينيّ لكنّني لم أستطع أن أرَ شيئاً بسبب الضمادات. عندئذٍ أدركت أنّني ربّما لن أُبصر ثانية أبداً. لن أستطيع أن أشاهد وجه تالا خطيبتي وحبيبتي. لن أستطيع رؤية وجه أمّي التي ما زالت لا تصدّق أنّني أصبحت كفيف البصر. لن أبصر ضوء الشمس ولا نور القمر. لن أبصر أيّ شيء وحتى أغنامي المسكينة التي أعرفها واحدة واحدة لن أرها مرّة أخرى.

في البداية قيل لي إنّني فقدت البصر في عيني اليسرى التي استُؤصلت في عمليّة جراحيّة غير أنّه قد تمّ إنقاذ عيني اليمنى وسوف أستطيع الإبصار بها. ولكن تبيّن لي لاحقاً أنّ التلف قد لحق بعيني اليمنى أيضاً لأنّ الرّصاصة دخلت من عيني اليسرى وخرجت من عيني اليمنى. أجريت لي عمليّة جراحيّة أخرى في عيني اليمنى ولكنّني حتى الآن ما زلت لا أبصر بها شيئاً وما زلت أنتظر طبيب العيون. لم أعد قادراً على تحمّل هذا الوضع أحسّ بأنّني على شفا انهيار. أريد العودة إلى منزلي إلى سريري هناك وإلى حياتي وعائلتي وأصدقائي.

نحو السّاعة 3:30 فجراً في وقت إطلاق النار على عبد الرّحمن جبارة والشابّين من عائلة الشاعر دهم جنود منزل والدي عبد الرّحمن جبارة في قرية سالم حيث أفزعوا جميع أفراد الأسرة من نومهم فجمعوهم في إحدى الغرف وباشروا تفتيش المنزل. زعم الجنود أنّهم أتوا للبحث عن عمرو شقيق عبد الرّحمن رغم أنّه يقيم مع عائلته في منزل آخر. غادر الجنود بعد ساعة ونصف السّاعة مخلّفين وراءهم فوضى عارمة حيث قلبوا المنزل رأساً على عقب. حاولت العائلة الاتّصال بعمرو وعبد الرّحمن وحين لم تتلقّ ردّاً منهما توجّهت إلى منزلها في العقربانيّة للبحث عنهما.

هالة جبارة. تصوير: سلمى الدّبعي, بتسيلم, 10.9.20

أدناه أقوال هالة جبارة (59 عاماً) والدة عبد الرّحمن وسبعة أبناء آخرين - أدلت بها في 10.9.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي محدّثة عمّا جرى بعد وصولهم إلى العقربانيّة:

كان عدد كبير من أهالي القرية متجمّعين هناك ممّا وتّرني كثيراً. سألت الناس ما الأمر ما الذي يحدث؟ فقالوا إنّ جنوداً أطلقوا النار على شخص من نابلس. حين سألتهم أين حدث ذلك أخذوني إلى موقع الحادثة وأروني السيّارة. شاهدت آثار دماء داخل السيّارة بقعة دم كبيرة في أرضيّة السيّارة وبقايا لوازم إسعاف مثال ضمّادات وأشياء أخرى. حزنت على الشابّ الذي أصيب ودعوت له بالشفاء وقد سمعتهم يقولون إنّ الجنود اعتقلوه. بعد وقت قصير تقدّم منّي زوجي وقال إنّ المصاب هو ابننا عبد الرّحمن.

جُنّ جُنوني حين سمعت ذلك. في البداية قالوا لي إنّه أصيب في الكتف فقلت "بسيطة. الكتف تُشفى". ولكنّني علمت عند العصر أنّ الإصابة في رأسه. لن أستطيع أن أصف لك حالتي حين سمعت ذلك. حتى الآن لا أصدّق ما جرى له. هذا ظُلم! هو لم يفعل شيئاً ولم يسبق أن اعتُقل من قبل. عروسُه من قريتنا وهي تدرس الهندسة في جامعة النجاح. تمّت خطوبتهما في شهر آذار 2020 وقد حدّدنا موعد العُرس في شهر أيلول ولكن حدث ما حدث.

عبد الرّحمن خامس أبنائي. إنّه يحبّ الضحك والمزاح والجميع يحبّه. ما حدث أمرٌ مروّع حتى لو كان ضحيّته شخص آخر غير ابني فلذة كبدي.

لقد تغيّرت حياتي تماماً. أنا اليوم لا أقدر على النوم أو حتى الجلوس بهدوء. لا أستطيع أن أفعل شيئاً. أحسّ ناراً تشتعل في صدري. أتنقّل من غرفة إلى أخرى. أنا لم أزُره في المستشفى بعد لأنّني أخاف أن أراه في هذه الحالة. أصابتني حالة انهيار حين رأيت صورة له في هاتف زوجي. لقد قددت ثوبي وبكيت، بكيت وبكيت حتى أنهكني البكاء ولم أعد قادرة على التنفّس.