Skip to main content
محمد مطر في زيارته الأولى والوحيدة إلى البحر. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جنود يطلقون النار من كمين على فتية همّوا بوضع عبوة محلية الصنع فيقتلون أحدهم ويصيبون اثنين آخرين

عندما وصل الفتية الثلاثة إلى الشارع أطلق عليهم جنود كانوا يختبئون في كمين الرصاص فأصابوا م.ع. في رجله وخاصرته وأصابوا أ.ع. في رجله. لاذ الفتيان الجريحان بالفرار نحو القرية فيما أربعة من الجنود يطاردونهم. الفتى الثالث محمد مطر أصيب أيضاً وفرّ يركض على امتداد الشارع نفسه حتى ابتعد بضع عشرات من الأمتار. عندئذٍ أمسك به أحد الجنود الذين لم يشاركوا في مطاردة الفتيين الآخرين. نادى هذا زملاءه الجنود فتوقّفوا عن المطاردة وقفلوا راجعين إلى الشارع.

 

نقل بعض أهالي القرية الفتيين اللّذين تمكّنا من الفرار إلى عيادة في القرية ونُقلا من هناك إلى مستشفىً في رام الله. أمّا الفتى محمد مطر فقد تمّ إدخاله إلى سيّارة إسعاف عسكريّة كانت قد وصلت إلى المكان بعد عدّة دقائق وبعد نحو السّاعة أوصلته إلى حاجز نعلين ومن هناك نُقل إلى سيّارة إسعاف إسرائيليّة مدنيّة. بعد وقت قصير نشرت وسائل الإعلام أنّه توفّي متأثراً بجراحه.

مقطع من الشارع الذي كمن الجنود بالقرب منه. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

لم تكلّف نفسها أيّة جهة إسرائيليّة عناء تبليغ عائلة الفتى محمد مطر بما حدث. بل وأكثر من ذلك: استدعى ممثّل "الشاباك" والدي الفتى إلى حاجز نعلين وطالبوهما بالتعرّف إلى جثمان ابنهما المقتول من خلال صورة في هاتف نقّال. كما أنّ السّلطات ما زالت تحتجز جثمان الفتى وترفض تسليمه إلى أسرته التي حُرمت حتى الآن من إجراء مراسيم تشييع جثمانه والحداد عليه. تحتجز إسرائيل جثامين الفلسطينيّين كجزء من سياستها الرّسميّة، وهي تتحفّظ اليوم على جثامين نحو 60 فلسطينيّاً قُتلوا منذ تشرين الأوّل 2015 ويضمنهم أربعة قاصرين.

نشرت وسائل الإعلام أنّ الجيش نصب كميناً للفتية بعد أن لاحظ "خلال الأسبوعين الأخيرين محاولات وضع عبوات ناسفة محلية الصنع على طرف الشارع". يُستنتَج من ذلك أنّ الجيش قد قرّر مسبقاً معالجة هذه الحالات باستخدام النيران الفتّاكة. أي أنّ الجنود انتظروا خفية وصول الفتية الثلاثة وحين أصبح هؤلاء على بُعد نحو عشرة أمتار منهم أطلقوا النار عليهم فقتلوا أحدهم وأصابوا الآخرَين. هذا التصرّفات تخالف أحكام القانون ومبادئ الأخلاق ولا سبيل لتبريرها - لا نصب الكمين مع معرفة النتائج الفتّاكة مسبقاً، ولا إطلاق الرّصاص الحيّ على الفتية - رغم أنّهم لم يعرّضوا حياة أحد للخطر حتى تلك اللّحظة، ولا قتل الفتى مطر (16 عاماً) وجرح اثنين من أصدقائه.

حول هذه الحادثة أدلى عدد من أهالي قرية دير أبو مشعل بإفادات أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد.

أحد أهالي القرية ويُدعى خ.أ. كان يجالس أخاه ع.أ. وصديقه ح.د. في منزله المشرف على الوادي الفاصل بين دير أبو مشعل وشارع 465 ويبعد نحو 500 متر عن الشارع. نحو السّاعة 22:30 سمع خ.أ بضع طلقات ورأى أربعة جنود يهبطون الوادي ركضاً. أدناه يصف خ.أ. ما حدث - من إفادة أدلى بها في 23.8.20:

سمعنا صوت طلقات خافتة. كانت نحو عشر طلقات متقطّعة. نظرت نحو الشارع فشاهدت أربعة جنود يحملون مصابيح ويركضون إلى الوادي في اتّجاه القرية. وكان جنديّ خامس ينتظر على الشارع. ركضوا مسافة 70 - 80 متراً تقريباً وكان واضحاً أنّهم يطاردون أحداً ما أو يبحثون عن شيء ما، لكنّ الجنديّ الذي كان ينتظر فوق ناداهم صارخاً "أمسكت بواحد منهم. أمسكت بواحد منهم". توقّف الجنود وردّوا عليه قائلين "أطلق الرصاص على رأسه". بعد دقائق معدودة وصلت إلى الشارع مركبات عسكريّة.

بعد دقائق معدودة أخرى سمعت امرأة في منزل يقع على بُعد نحو 80 متراً من منزلنا تصرخ: "النجدة! ساعدوهم، أسعفوهم. أسمع صراخ جرحى في الوادي. إنّهم يطلبون الإسعاف". ركضنا إلى أسفل الوادي وكنّا نسمع أصواتاً لكنّنا لم نعرف من أين تصدر.

عندما اقتربنا إلى الشارع المؤدّي للحيّ القديم وجدنا شابّين. في البداية لم نعرفهم بسبب الظلمة. حملت م.ع. وكان مصاباً في خاصرته ورجليه. كانت قواه خائرة وكان ينزف من خاصرته اليمنى ويعاني الغثيان. وحمل خ. الشابّ الثاني وكان مصاباً في رجله.

في هذه الأثناء كان أخي قد ذهب ركضاً لكي يعود بالسيّارة وقد التقيناه بعد أن سِرنا بالشابّين مسافة نحو ستّين متراً. أدخلنا الجريح م.ع. إلى السيّارة وتوجّهنا به إلى عيادة القرية. سألته إن كان معهما آخرون فقال "كان معنا شابّ ثالث، رحمة الله عليه". قلت له: "هل أنت متأكّد أنّه استُشهد؟" فأجابني "نعم، لأنّهم أطلقوا عليه النار ولم يركض أو يهرب معنا وإنّما بقي هناك". سألته ما اسم ذلك الشابّ فقال إنّه صديقهم محمد ضامر مطر ويبلغ من العمر 16 عاماً. المصاب أ.ع. نقله شخص آخر من القرية وكان قد وصل من قبل في سيّارة.

أدناه يصف م. ع. والد الفتى المصاب أ. ع. ما حدث في تلك اللّيلة - من إفادة أدلى بها في 23.8.20:

في يوم الأربعاء ليلاً عند السّاعة 22:30 تقريباً كنت جالساً في ساحة منزلي أنتظر اتّصالاً من اثنين من أولادي لكي أذهب وآخذهما بالسيّارة من صالون حلاقة في وسط القرية. يقع منزلنا في أعلى الجبل المقابل للشارع، على بُعد 700 - 1000 متر منه، وهناك وادٍ يفصل بين الشارع ومنزلنا.

فجأة سمعت إطلاق نار متقطّع وخافت. كان الصّوت ضعيفاً وقد سمعت 7 - 9 طلقات خلال أقلّ من ثلاثين ثانية. رأيت أربعة جنود يركضون والمصابيح تومض في أيديهم. ركضوا جنوباً حتى مسافة 50 - 70 متراً في اتجاه الوادي. وكان جنديّ آخر يقف عند الشارع فوق ويحمل مصباحاً. صرخ هذا الجنديّ بالعبريّة: "هناك واحد جريح هنا". ردّ عليه الجنود ولكن لم أفهم كلّ ما قالوه. فهمت فقط ما قاله أحدهم: "أطلق الرصاص على رأسه، أطلق الرصاص على رأسه". لم أسمع بعد ذلك إطلاق رصاص.

قفل الجنود راجعين ثمّ أحاطوا بشخص، يبدو أنّه الفتى المصاب. كانوا على بُعد 10 - 20 متراً من الشارع داخل أرض وعرة.

في هذه المرحلة علمت من بعض أهالي القرية أنّ ابني ضمن المصابين فتوجّهت نحو العيادة. عندما وصلت كان قد يخرج لتوّه من العيادة وساقه مضمّدة. أخذه ح.أ. في سيّارته إلى المستشفى وتبعته أنا في سيّارتي. في المستشفى أدخلوه إلى قسم الطوارئ وأجروا له فحوصات وصور أشعّة. كانت إصابته فوق كاحل رجله اليمنى. وحث تبيّن أنّه لا توجد كسور أعطوه مضادّات حيويّة وضمّدوا الجرح وعند السّاعة 3:00 فجراً خرج من المستشفى.

خرجنا من المستشفى وبعد عشر دقائق هاتفني ضابط المخابرات الإسرائيلي المسؤول عن المنطقة ويُدعى "كابتن عمري". سألني عن وضع ابني ثمّ قال لي بلهجة تهديد: "الأفضل أن تأخذه إلى المنزل وليس إلى أيّ مكان آخر". سألته: "لماذا؟ ماذا تريد منه؟" فأجابني: "ليس جيّداً ما فعله. أريد أن آتي وأراه، لكي أطمئنّ على صحّته وأن أتحدّث معه أيضاً". قلت له: "لقد غادر ابني المستشفى لكنّه لا يزال بحاجة إلى العلاج" فقال لي: "حسناً. أنا أعرف كيف أجده". أدركت أنّ ابني قد أصبح "مطلوباً" رغم أنّه لم يقل ذلك بصريح العبارة.

أدناه أقوال نصرة مطر (46 عاماً) والدة الفتى محمد محدّثة عن حياتها منذ أن قتل الجنود ابنها؛ وهي أمّ لخمسة أبناء - من إفادة أدلت بها في 8.9.20:

في يوم الأربعاء نحو السّاعة 23:00 ليلاً كنت في المنزل مع زوجي وابنيْنا. اتّصلت ابنتنا هيا (25 عاماً) وقالت إنها سمعت في القرية عن ثلاثة فتية مصابين بنيران الجيش وتخشى أن يكون من بينهم أحد إخوتها. أخذت تنتابني المخاوف أن قد حدث شيء لابني محمّد. سألت أخاه محمود (14 عاماً) هل رآه فردّ قائلاً إنّه لم يره ولا يعرف إلى أين ذهب. ازدادت مخاوفي. بعد عدّة دقائق جاء شابّان من أهالي القرية وأخذوا زوجي ضامر مطر (49 عاماً). عاد زوجي بعد نحو السّاعة وقال إنّهم حتى وصلوا إلى الشارع شماليّ القرية كان الجنود قد أخذوا الجريح ويُخشى أنّه محمد ابننا لأنّ اثنين من أصدقائه تمكّنا من الفرار ونُقلا إلى المستشفى. عندئذٍ اشتدّ قلقي وتعاظمت مخاوفي. كنت في حالة صعبة جدّاً.

في صباح اليوم التالي جاء قريب لنا وتحدّث مع زوجي بطريقة أدركت منها أنّ هناك سرّاً يريد إخفاءه عنّي. بعد لحظات عاد زوجي وقال لي: "محمد شهيد، رحمة الله عليه". انهرت ووقعت على الأرض ثمّ أجهشت بالبكاء. تقدّم الجميع لكي يحملوني وأخذوا يهدّئونني لكنّني واصلت البكاء والصّراخ: "أريد ابني! أريد ابني! أين أنت يا محمد؟ لماذا تركتني؟! دعوني أراه! حبّاً بالله، أين هو؟ دعوني أراه".

لم أصدّق أنّ محمد قُتل حتى استدعانا محقّق "الشاباك" بعد الظهر إلى حاجز نعلين. وجّه إلينا شتّى الأسئلة عن حياتنا وعن ابني ثمّ طلب أن نتعرّف إلى محمد من خلال صورة له بعد أن توفّي. لا يظهر في الصورة سوى الجزء العلويّ من جسده ولم نلاحظ وجود علامات لجراح. بعد أن أكّدنا أنّ هذا محمد سألناه أين يوجد محمد الآن لكي نذهب ونراه كما طلبنا أن يسلّموه لنا لكنّه رفض وقال: "لاحقاً، لاحقاً". ثمّ أمرونا أن نغادر المكان.

محمد مطر في زيارته الأولى والوحيدة إلى البحر. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

حتى وهو ميت رفضوا السّماح لنا برؤيته. فليدعونا على الأقلّ نراه ونودّعه. إنّه ابني الذي ربّيته حتى أصبح شابّاً تقريباً. كان إنساناً بسيطاً وهادئاً رائق الطّباع قليل الكلام ويحظى بمحبّة الجميع. بنى بُرج حمام على سطح المنزل وكان يعتني بالحمائم يوميّاً. قبل استشهاده بأسبوع ذهب مع أصدقائه في رحلة إلى بحر يافا. كانت هذه أوّل مرّة يرى فيها البحر. عندما عاد حدّثني كم استمتع هناك. قال: شربنا وأكلنا ولعبنا وكذلك سبحنا وتنزّهنا على الشاطئ. وقال إنّ أناساً كثيرين كانوا يتنزّهون على الشاطئ ثمّ أخذ يقنعني أن نذهب ذات يوم إلى هناك سويّة في نزهة عائليّة.

منذ أن قتلوه انتابني اكتئاب وأرق. أشعر أنّه لا يوجد ما يدعوني للنهوض صباحاً. يزورني محمد في المنام أحياناً وعندما أستيقظ أحسّ بألم فقدانه قد اشتدّ أكثر من ذي قبل. أتساءل وأنا أبكي: "لماذا لا يريد الإسرائيليّون تسليم جثمانه لنا؟ لماذا يرفضون تخفيف ألمنا وتمكيننا من دفنه؟ إنّه شهيد ويجب أن ندفنه لكي تستريح روحه. يجب السّماح بإكرامه لا مواصلة تعذيبنا حتى بعد موته. هل قلوبهم قاسية إلى هذه الدرجة؟!". ما زال يراودني أمل أن يطرق محمد الباب ذات يوم ويدخل حيّاً يُرزق.

في>