Skip to main content
إطلالة من سطح المبنى الذي أُطلق الرصاص على زيد قيسية وهو يقف عليه نحو مخيم الفوار. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم 13.5.20.
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

مرّة أخرى: الجيش يقتحم مخيّم لاجئين ويرتكب جريمة قتل بشعة ضحيّتها هذه المرّة فتىً لم يتجاوز 17 عاماً

نحو الخامسة والنصف من صباح يوم الأربعاء الموافق 13.5.20 اقتحم ما يقارب عشرين جنديّاً في مركبة تجاريّة ذات لوحة فلسطينيّة حيّ بيت جبرين في الناحية الشرقيّة من مخيّم الفوّار للّاجئين الواقع جنوبيّ الخليل. انتشر بعض هؤلاء الجنود على أسطح المنازل وواصل البقيّة التوغّل في الحيّ. عشرات الشبان والفتية رشقوا الجنود بالحجارة والزجاجات الفارغة. وصل الجنود إلى أحد المنازل لكي يعتقلوا مطلوباً وحين لم يعثروا عليه في منزله قفلوا راجعين في اتّجاه مخرج المخيّم. أثناء ذلك كانوا يتعرّضون بين الفينة والأخرى لرشق الحجارة فيطلقون نحو راشقي الحجارة قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط إضافة إلى إطلاق النيران في الهواء.

زيد قيسيّة. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة

كان زيد قيسيّة (17 عاما) يقيم في بناية تبعد بضع مئات من الأمتار عن حيّ بيت جبرين وفي ذلك الوقت كان يقف خارج منزله ويتسلّى بهاتفه النقّال. عندما اقترب الجنود حتى أصبحوا على بُعد نحو مئة متر من منزله صعد إلى السّطح حيث كان بعض أفراد أسرته يشاهدون الأحداث من هناك. كان زيد يقترب من زاوية السّطح المحاط بجدار منخفض والأسرة تحذّره ألّا يقترب لأنّ قنّاصاً يتربّص عن زاوية الشّارع - لكنّ زيد لم يستمع إليهم. اقترب زيد من السّطح لكي يشاهد ما يحدث ولكنّ القنّاص عاجله فوراً برصاصة "توتو" (قطرها 0.22 إنش) أصابته في وجهه وكان يبعد عنه مسافة مئة متر تقريباً.

وقع زيد أرضاً من فوره ونُقل بسرعة إلى مستشفى في بلدة يطّا المجاورة لكنّ الأطبّاء أعلنوا وفاته بعد وصوله بوقت قصير. أصيب خلال الحدث نفسه أربعة آخرون من الأهالي بالرّصاص الحيّ أحدهم قاصر. نُقلوا جميعهم لتلقّي العلاج في المستشفى وغادروا خلال الأسبوعين الماضيين. ومن جانبه أعلن الجيش أنّ جنديّاً واحداً أصيب بجروح طفيفة.

قنّاص يطلق الرّصاص على رأس زيد قيسيّة دون أيّ سبب ودون أن يشكّل الأخير خطراً على أحد وكما في أحداث سابقة يسارع الناطق بلسان الجيش إلى التصريح بأنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق في الحادثة. ولكنّنا في بتسيلم سبق أن نبّهنا مراراً وتكراراً استناداً إلى تجربتنا المديدة أنّ هذه التحقيقات لا تهدف إلى سبر غور الحقيقة وإنّما هي جزء من جهاز طمس الحقائق الذي تديره النيابة العسكريّة، ولهذا السّبب يفلت المتورّطون في الجريمة من العقاب. الجنود وقادتهم ومن وضعوا التعليمات ومن طمسوا الحقائق يصولون ويجولون دون حسيب أو رقيب ولهذا ويتكرّر باستمرار إطلاق النيران الفتّاكة على الفلسطينيّين بما يخالف أحكام القانون ومبادئ الأخلاق.

إطلالة من النقطة التي تواجد فيها القناص نحو السطح الذي قُتل زيد قيسية وهو واقف عليه (المشار إليه بالسهم). تصوير: كريم جبران، بتسيلم 16.5.20.

أدناه إفادة هديل الفيومي (14 عاما) طالبة في الصفّ العاشر وهي ابنة خال زيد وكانت قد صعدت إلى سطح البناية مع شقيقتها أسيل وخالتها نمارق نحو السّاعة 5:30 صباحاً - أدلت بها في 18.5.20 أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش محدّثة عمّا شاهدته:

هديل الفيومي. تصوير: موسى أبو هشهش, بتسيلم, 4.6.20

دارت المواجهات في مكان بعيد عنّا وكنّا نسمع صوت إطلاق الرّصاص وانفجار قنابل الصّوت. كنّا نقف على السّطح في الزاوية الشرقيّة منه التي تطلّ على حارة بيت جبرين. لم يخطر في بالنا أنّنا معرّضات للخطر في هذا المكان. كان عدد من الأهالي على أسطح المنازل الأخرى وعشرات منهم في الشارع الرئيسي تحت منزلنا.

مع مرور الوقت كانت المواجهات تقترب منّا متّجهة نحو الشارع الرئيسيّ. صعد إلى السّطح عمي عزيز أيضاً. كان في الشارع تحت أولاد يلحقون الجنود ويرشقونهم بالحجارة من الأزقّة فيتوقّف الجنود في كلّ مرّة ويطلقون النار قليلاً ثمّ يواصلون السير. كانوا لا يزالون بعيدين عنّا.

شاهدت جنديّاً يحمل بندقيّة طويلة يركع في زاوية الشارع بين الحوانيت. كان يبعد عنّا مسافة مئة متر تقريباً. صوّب الجنديّ بندقيّته نحونا فنبّهت شقيقتي أسيل ونمارق زوجة عمي وابتعدنا نحو الجهة الأخرى من السّطح وجلسنا على الأرض. عندئذٍ شاهدت زيد ابن عمتي يصعد إلى السّطح مع أخيه جهاد (13 عاماً) ويتّجه فوراً نحو الزّاوية الشرقيّة من السّطح. قال له عمّي أن يهبط عن السّطح وحذّره ألّا يقترب إلى الطرف ولكنّ زيد تجاهل التحذير. فجأة رأيت زيد يمشي إلى الخلف خطوة أو خطوتين ويقع أرضاً على ظهره. لم أفهم ما الذي حدث. نمارق وجهاد ركضتا نحوه وسمعت نمارق تقول لا بدّ أنّه "يمثّل" عليها. شاهدت دماً على وجهه ثمّ رأيت دماءً كثيرة تنزف منه وتسيل على السّطح. حين فهمت أنّه أصيب أخذت أصرخ بأعلى صوتي. كنت مذعورة ولذلك لم أقترب منه. كنت أبكي وأصرخ وكذلك نمارق وشقيقتي أسيل.

لقد صوّب الجنديّ بندقيّته نحو منزلنا وأطلق النّار بكلّ بساطة. لقد كان هذا من سوء حظّ زيد الذي لم يتوقّع أن يطلق عليه الجنديّ النّار ويقتله خاصّة وأنّ الجنديّ كان بعيداً وزيد لم يفعل شيئاً سوى أنّه نظر ليشاهد ما يجري في الشارع.

أدناه إفادة عزيز الفيّومي خال زيد ( 33عاماً). صعد عزيز إلى السّطح قبل إطلاق النّار على زيد بوقت قصير وقد أدلى بإفادته في 14.5.20 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش واصفاً ما جرى بعد ذلك:

عزيز الفيّومي. تصوير: موسى أبو هشهش, بتسيلم, 7.6.20

صرخت على زيد وحذّرته إلّا يقترب من زاوية السّطح لكنّه تجاهلني وتقدّم حتى وصل الزاوية بالضّبط. فجأة رأيته يسقط إلى الخلف بين خزّانات المياه وشاهدت الدّم ينزف من رأسه. اضطربت ولم أعرف ماذا أفعل. ركضت على الدّرج هابطاً إلى منزل أخي سمير. أيقظته من نومه وقلت له إنّ زيد أصيب في رأسه ثمّ صعدنا معاً إلى السّطح. زوجتي وبنات أخي كنّ لا يزلن هناك وكنّ يصرخن. صعد إلى السّطح عدد من الأهالي وبعد دقائق معدودة أخذوا زيد وهبطوا به إلى الشّارع وكان رأسه مغطّى بقميص ومن هناك نقلوه في سيّارة إلى المستشفى الحكومي في يطّا. النزيف القويّ من خلف رأس زيد والدّماء الكثيرة التي شاهدتها على السّطح بعد نقله جعلاني أرجّح أنّه لن يخرج حيّاً من هذه الإصابة. لحقنا بهم إلى المستشفى وفعلاً عندما وصلنا إلى هناك كان الأطبّاء قد أعلنوا وفاته.

أدناه إفادة والدة زيد برلنت قيسيّة (46 عاماً) وهي سيّدة مطلّقة وأمّ ل تسعة أبناء - أدلت بها في 26.5.20 محدّثة عن ابنها وعمّا جرى في ذلك اليوم:

برلنت قيسيّة. تصوير: موسى أبو هشهش, بتسيلم, 4.6.20

عندما أصيب زيد قالوا لي إنّه أصيب بجروح طفيفة في الكتف ولكنّني لم أصدّق ذلك. توجّهت نحو المستشفى ولمّا وصلت هرعتُ لكي أدخل فأوقفني شقيقي الذي كان واقفاً هناك وقال لي "رحم الله زيد، ادعي له بالرّحمة".

بعد مضيّ ساعتين تقريباً أخذوا جثمان زيد ليدفنوه في مقبرة بلدة الظاهريّة حيث يقيم والده. ذهبت إلى هناك لكي أودّعه. لم أصدّق أنّ زيد قُتل هكذا. لقد خرج من المنزل وكنت لا أزال نائمة. أتمنّى لو أنّني كنت مستيقظة فأحظى بنظرة أودّعه فيها قبل خروجه بل لربّما نجحت في منعه من الخروج إلى حين مغادرة الجنود المخيّم.

كان زيد فتىً هادئاً ومبدعاً ومحبّاً للحياة. كان يحبّ الغناء في مناسبات العائلة وحفلات الأصدقاء. لطالما تمنّى أن يصبح موسيقيًا وكان يخطّط أن يدرس الموسيقى في بيت لحم. كان حين يطلب منّي نقوداً يقول "إنّه دَين وسوف أسدّده حين أصبح مطرباً مشهوراً". بعد أن استُشهد أرسل لي أصدقاؤه أشرطة كثيرة يظهر فيها وهو يغنّي. عزائي أنّ زيد ترك لي ذكريات جميلة وأنّه عاش متمتّعاً بحياته.

ما زلت لا أصدّق أنّه مات. أنا أشتاق إليه كثيراً وأتخيّل أنّه سيأتي إليّ في يوم العيد يقبّلني ويقول لي "كلّ عام وأنتِ بخير" كما كان يفعل دائماً.