Skip to main content
مي أبو رويضة في منزلها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 10.12.19.
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

لم يعودوا يبصرون: 21 مشاركا في مظاهرات غزة على الأقل فقدوا عيونهم نتيجة إطلاق النار من قبل قوات الأمن وفتى في الـ 16 فقد بصره كليًا

فقدَ 21 متظاهرا على الأقل البصر في عين واحدة خلال العامين الأخيرين عندما كانوا يتظاهرون على مقربة من الشريط الحدودي في غزة كما فقد فتى يبلغ الـ 16 بصره كليًا.* إن المأساة الشخصية لكل واحد منهم تضاف إلى الحصيلة المُرعبة لضحايا المظاهرات: أكثر من 200 قتيل ونحو 8,000 جريح بالذخيرة الحية ونحو 2,400 جريح جراء إصابات الأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط ونحو 3,000 جريح جراء إصابات قنابل الغاز.**

ألحقَ الحصار المفروض على قطاع غزة منذ حوالي 13 عاما ضررا بالغا بمستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان. يعاني الجهاز الصحي المتداعي من النقص في الأدوية والأطباء والمعدات والتأهيل الطبي. نتيجة لذلك لا تتوفر الكثير من العلاجات في القطاع. تستغل إسرائيل سيطرتها على المعابر وباستثناء حالات استثنائية للغاية التي تعتبرها "حالات انقاذ حياة" فإنها ترفض بصورة واسعة تمكين سكان القطاع من مغادرته لغرض الحصول على العلاج الطبي خارج الحدود- بما في ذلك الضفة الغربية وشرقي القدس. ولهذا السبب يُضطر الجرحى إلى الاكتفاء بالعلاج المحدود في القطاع أو محاولة الوصول للعلاج في دول أخرى في حال سُمح لهم بالخروج عن طريق معبر رفح وتحمل تكاليف العلاج الباهظة. وهذا كله رغم تواجد مستشفيات على بعد عشرات الكيلومترات فقط يمكن فيها الحصول على العلاج الضروري الذين يحتاجونه.

على غرار ما كتبت بتسليم في السابق فإن استعمال وسائل تفريق المظاهرات كوسائل فتاكة- التي قد تقتل أو تسبب إصابات بالغة- هو أحد أوجه سياسة إطلاق النار التي تطبقها إسرائيل منذ حوالي عامين في التعامل مع المظاهرات بالقرب من الشريط الحدودي. إنّ هذه السياسة ليست قانونية وليست أخلاقية وتعبر عن الاستخفاف بحياة وسلامة الفلسطينيين. وما دامت إسرائيل مستمرة في اتباعها- رغم النتائج المهولة المترتبة عليها- سوف يستمر القتل والمس البالغ بالمتظاهرين. إن رحلة العذاب المستمر الذي يضطر الجرحى والمعالجين إلى تكبده في القطاع رغم توفر علاجات أفضل خارج القطاع هو ركيزة مذهلة أخرى للسياسة الإسرائيلية القاسية بخصوص سكان القطاع.

* طبقا لمعطيات منظمة الصحة العالمية (WHO). تم تحديث المعطيات أعلاه بتاريخ 27.2.20.
** طبقا لقاعدة البيانات بخصوص حماية المدنيين بإدارة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

 

وقد قام الباحثون الميدانيون في قطاع غزة بجباية إفادات من متظاهرين فقدوا عيونهم نتيجة إطلاق النار من قبل عناصر قوات الأمن. فيما يلي قصص ثلاثة منهم.

 

מאי אבו רווידה בהפגנה לפני פציעתה. צילום: מחמוד אבו מוסלם, 6.12.19
مي أبو رويضة في المظاهرة قبل إصابتها. تصوير: محمد أبو مسلم 6.12.19

مي أبو رويضة (20 عاما) 6.12.19

يوم الجمعة الموافق 6.12.19 قرابة الساعة 14:30 وصلت مي أبو رويضة وهي من سكان مخيم المغازي لللاجئين والبالغة من العمر 20 عاما مع أختيها الاثنتين إلى "مظاهرات العودة" التي تتم بالقرب من الشريط الحدودي شرق مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة. بعد أن أدت الصلاة في الخيام تقدمت مع عدد من صديقاتها مسافة تصل إلى عشرات الأمتار من الشريط الحدودي وكن يرفعن علم فلسطين. قرابة الساعة 15:30 تقدمت أبو رويضة أكثر باتجاه الشريط وعندها أطلق عليها أحد عناصر قوات الأمن رصاصة "مطاطية" أصابتها في عينها.

وقد روت في الإفادة التي أدلت بها أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد بتاريخ 10.12.19:

أنا أشارك في "مظاهرات العودة" شرقي مخيم البريج للاجئين منذ أن بدأت. يوم الجمعة الموافق 6.12.19 قرابة الساعة 15:30 بعد أن ابتعدت عن صديقاتي ووقفت على مسافة بضع عشرات الأمتار من الشريط، قام أحد الجنود بإطلاق عيار "مطاطي" نحوي وأصابني بعيني اليسرى. وقعتُ على الأرض ووضعت يدي على عيني التي كانت تنزف بشدة وكذلك كان فمي ينزف. كنتُ واثقة بأنني فقدت عيني. صرختُ وحضرت صديقاتي برفقة شاب وقد حملوني وأخذوني إلى مكان يتواجد به المُسعفون الذين قاموا بنقلي إلى سيارة الإسعاف ومن ثم إلى العيادة الميدانية وهناك قام الأطباء بتنظيف الجرح وإرسالي فورا إلى مستشفى شهداء الأقصى.

أما صديقتها شيماء أبو يوسف (26 عاما) من سكان مخيم النصيرات للاجئين فقد روت في إفادتها التي أدلت بها أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد بتاريخ 15.12.19:

شيماء أبو سيف. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 15.12.19

تقدمتُ نحو الشريط مع مي وعدد من الفتيات ورفعنا علم فلسطين وعندها أطلق علينا الجيش قنابل الغاز المسيل للدموع فهربنا إلى الوراء. بعد ذلك عدنا وتقدمنا مسافة مئة متر تقريبا من الشريط. بعد بضع دقائق تقدمت مي عشرات الأمتار نحو الشريط وعندها تماما بدأت بالاستدارة نحو اتجاه مغاير وعندها أطلق الجنود على مي رصاصة "مطاطية" ومن ثم سقطت. ركضتُ نحوها أنا وعدد من الصديقات. كان وجهها مليئا بالدم. قلت: "استشهدت مي!" وبدأت صديقاتنا بالصراخ بصوت عال. وصل أحد الشبان وقام برفع مي وقال إنها لم تمت. نظرت إليها وكانت مصابة بعينها اليمنى. قمنا بنقلها إلى المسعفين الذين كانوا على مسافة عشرين متر منا وبعد ان قدموا الإسعاف الأولي لمي قاموا بنقلها إلى سارة الإسعاف التي نقلتها إلى عيادة ميدانية ومن هناك نقلوا مي إلى مستشفى شهداء الأقصى.

ما الذي فعلته مي؟ لقد حاولت رفع علم فلسطين ولم تُشكل خطرا على الجنود. لماذا يستهدفنا الجيش الإسرائيلي مع أننا حضرنا للتظاهر بهدوء؟

انتقلت مي بين عدد من المستشفيات وفي النهاية خضعت لعملية جراحية في مستشفى النصر وتم تنظيف حجرة العين وبعد مرور يومين نٌقلت إلى مستشفى الشفاء لعلاج الكسر في جمجمتها.

وقد روت ايضا في إفادتها:

عندما خرجت من العملية الجراحية كانت عيني مغطاة. سألت والدي: "ما الذي حصل لعيني؟" ورد والدي "الكل على ما يرام" لأنه لم يرغب بالتسبب لي بصدمة. عندما فحصني الطبيب سألته وعندها قال لي إنني فقدت عيني. أنا حزينة للغاية. فقدت عيني هباء ودون سبب. لم أشكل خطرا بالمطلق على الجيش الإسرائيلي. أحيانا أشعر أن وجهي مشوه. أنظر في المرآة ولا أحب وجهي. لقد حطّم الجيش حياتي ومستقبلي. لقد حطّموا حياتي كامرأة. إنّ ما يهمني الآن هو الخروج من القطاع للحصول على علاج وزراعة عين اصطناعية كي أعود إلى ذاتي وأتخلص من هذه الفجوة في وجهي.

محمد أبو ريدة (10 سنوات) 27.12.19

يوم الجمعة الموافق 27.12.19 وصل محمد أبو ريدة وهو في العاشرة من عمره من سكان بلدة خزاعة إلى المظاهرة التي كانت تجري بالقرب من الشريط الحدودي شمالي خزاعة وذلك لجمع المخلفات المعدنية بهدف بيعها. وقد درج إلى جانب أصدقائه على جمع قنابل الغاز التي تطلقها قوات الأمن نحو المتظاهرين وحتى قطع السلك اللولبي الذي يضعه الجيش بالقرب من الشريط الحدودي وهذا بهدف الحصول على بعض الشواكل. في الساعة 16:00 تقريبا عندما كان يقف بالقرب من الشريط الحدودي أصيب محمد أبو ريدة بعينه اليمنى وقد تبيّن في المستشفى بأنه أصيب بقنبلة غاز.

محمج أبو رويضة ووالدته جيهان. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 6.1.20

وقد روى في الإفادة التي أدلى بها بتاريخ 6.1.20 أمام الباحث الميداني في بتسيلم خالد العزايزة:

عندما أصبت بعيني فقدت وعيي وسقطت على الأرض. عندما استيقظت وجدت نفسي في المستشفى الأوروبي. كنت أرى بالعين اليسرى فقط بينما كانت عيني اليمنى مضمدة وكنت أعاني من صداع شديد.

في الأيام الأربعة الأولى في المستشفى كنت مصدوما ولم أكن قادرا على مخاطبة أحد. بعد بضعة أيام تراجع الورم من حول عيني لكن لم أتمكن من الإبصار بها مطلقا. قاموا بتبديل الضماد كل يوم عن عيني.

خرجت من المستشفى بعد مرور عشرة أيام. أنا الآن في البيت. أنام طيلة الوقت وأتناول الأدوية وقطرات للعين من أنواع عديدة- كل ساعة أو عدة ساعات.

أما والدته جيهان أبو ريدة (41 عاما) وهي متزوجة وأم لأربعة أبناء، فقد روت في إفادتها التي أدلت بها بتاريخ 6.1.20 أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد حول حياة ابنها منذ إصابته:

يوم الجمعة الموافق 27.12.19 تناولت مع أبنائي الغداء. طلبت من محمد عدم الذهاب إلى الشريط رغم أنه لا يذهب إلى هناك من أجل التظاهر وانما لجمع قطع الحديد وعبوات قنابل الغاز الفارغة. وضعنا المادي سيء وهو يقوم ببيع قطع الحديد بثلاثة شواكل وهكذا يحصل على بعض المصروف الشخصي. ومع هذا فقد ذهب. وقد انتظرت عودته في البيت ليتناول الحلويات التي أعددتها له. في الساعة 16:00 تقريبا قالت لي ابنتي حنان (13 عاما) إن محمد قد أصيب.

وقد قال لي الأطباء في المستشفى الأوروبي إن حالة عين محمد حرجة وإنه قد يفقد البصر. عندما رأيته أغمي عليّ فقد كان وجهه مغطى بالدم وخشيت أن يكون على وشك الموت.

كان محمد ينزف ويعاني من الألم ولم يكن بمقدور الأطباء فعل شيء له عدا عن إعطائه المضادات الحيوية ومسكنات الألم. وقد قال الأطباء إنه ينبغي لمحمد السفر للعلاج خارج قطاع غزة لإنقاذ عينه. عندما جاء أصدقاؤه لزيارته بكى ولم يتحدث معهم. ابن عمه إبراهيم وهو في العاشرة من عمره أيضا يأتي لزيارته يوميا. وقد سألني طيلة الوقت: "لماذا يرفض محمد التحدث معي؟ لماذا يصمت طيلة الوقت؟ اشتقت إلى سماع صوته". أوجع الاثنان قلبي وبكيتُ كثيرا أنا أيضا.

بعد مغادرة محمد للمستشفى وعودته إلى البيت صار هادئا للغاية. قبل الإصابة كان نشيطا جدا وكان الروح الحية في البيت وكان يخرج كل يوم لبيع الخضروات وقطع الحديد والألومنيوم من أجل توفير بعض المال للبيت. بعد خروجه من المستشفى كان يقول لي طيلة الوقت: "أريد الخروج من البيت واللعب مع أصدقائي. أريد أن ألعب كرة القدم والركوب على الدراجة. أشعر بالاختناق. لقد سئمت ومللت".

ما يزال محمد يعاني من آلام شديدة في موضع الإصابة ويعاني الصداع والدوخة وهو لا يري مطلقا بعينه اليمنى ويتلقى العالج عن طريق قطرات العيون والمضادات الحيوية. آمل كثيرا أن يحصل على تحويلة لإجراء عملية في مستشفى في شرقي القدس أو الضفة.

محمد هو ابني الصغير والمدلل. أنا إلى جانبه طيلة الوقت. أنظر إليه وأشعر بوخز بالقلب حسرة عليه. إنه في العاشرة من عمره ولم يُشكل خطرا على الجيش الإسرائيلي. أدعو الله أن يمنحه الصحة وأن أراه مرة أخرى يلعب ويركض في الحي وأن تعود الابتسامة إلى وجهه.

لم يحصل محمد أبو ريدة على تحويلة للعلاج في مستشفى بالضفة وفي منتصف شهر كانون الثاني 2020 سافر مع والديه للعلاج في مصر.

 

سائد مهاني. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم, 2.1.20

سائد مهاني (28 عاما) 27.12.19

يوم الجمعة الموافق 27.12.19 ونحو الساعة 15:00 وصل سائد مهاني (28 عاما) وهو أعزب من سكان مدينة غزة إلى المظاهرة بالقرب من الشريط الحدودي شرق مخيم البريج للاجئين الواقع وسط القطاع. وقد اقترب سائد من الشريط ورشق حجارة نحو الجنود المتمركزين على الجانب الآخر منه. في الساعة 16:30 تقريبا أطلق عليه جندي رصاصة "مطاطية" أصابته في عينه.

كان المراسل والمصور الصحفي محمود أبو مسلم حاضرا في المظاهرة في إطار عمله وقد روى في إفادته التي أدلى بها بتاريخ 8.1.20 أمام الباحث الميداني في بتسيلم خالد العزايزة ما يلي:

محمود أبو مسلم. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 8.1.20

في ذلك اليوم كان يتظاهر في الموقع بضع عشرات فقط لأنه تقرر إلغاء "مظاهرات العودة". يبدو أن الشبان الذين جاءوا لم يعرفوا هذا. وقد وقفوا على مسافة بضع عشرات الأمتار من الشريط. قرابة الساعة 16:00- 16:30 نزل جندي من جيب عسكري وشتمهم وبعد ذلك أطلق عليهم أعيرة "مطاطية". انبطحت على الأرض. سمعت ثلاثة أعيرة تقريبا وعندما وقفت سمعت الشبان يقولون إن أحد الشبان لم ينهض وإنه استشهد. حملوه وأخذوه إلى سيارة إسعاف كانت تقف في شارع جكر. عندما مروا من جانبي رأيت عينه اليسرى تنزف كثيرا. لم يتكلم وصمتنا جميعا لأننا كنا مصدومين من منظر الدم الذي تدفق وغطى وجهه كله.

وقد وصف سائد مهاني في إفادته التي أدلى بها بتاريخ 2.1.20 أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد ما حدث:

في الساعة 16:30 تقريبا كنتُ قريبا من الشريط. أطلق عليّ أحد الجنود رصاصة "مطاطية" أصابتني بعيني ووقعت على الأرض. جاء بعض المتظاهرين وقدموا لي المساعدة وأخذوني إلى سيارة اسعاف نقلتني إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح ومن هناك تم تحويلي مباشرة إلى مستشفى ناصر للعيون في مدينة غزة. وقد أخبرني الأطباء أن حالتي خطيرة للغاية وأنه لا مناص من استئصال عيني رغم أنني وعائلتي اعترضنا على هذا.

بعد العملية تم تسريحي من المستشفى ومنذ ذلك الحين لا أرغب بالخروج ولا رؤية أحد. لقد أصبت في الماضي ضمن المظاهرات لكن فقدان العين أثر عليّ كثيرا. كنتُ أفضل قطع يدي على فقدان عيني. أنا مُحبط ويائس وأشعر بالشفقة على نفسي. لم يخطر ببالي أبدا أنني سأفقد عيني. أشعر بأن لا مستقبل لي. سأسافر مع أخي إلى مصر وآمل أن أنجح في الحصول هناك على علاج وزرع عين اصطناعية.

لغاية 2.2.20 لم تتح الجهات المصرية لسائد الخروج عن طريق معبر رفح لغرض العلاج في مصر.

 

المكان