Skip to main content
أحمد مناصرة.  صورة قدّمتها الأسرة مشكورة
Menu
المواضيع

جنود أطلقوا النّار على سيّارة توقّفت جرّاء عطل وأصابوا سائقها بجروح وقتلوا شخصًا تقدّم لمساعدة الأسرة

أحمد مناصرة. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة

في يوم الأربعاء الموافق 20.3.19 نحو السّاعة 21:00 كان علاء غيّاضة (38 عامًا، يعمل بلّاطًا ولديه تصريح عمل داخل إسرائيل) وزوجته ميساء (34 عامًا) وابنتاهما (5 و-8 سنوات) يستقلّون سيّارتهم عائدين إلى منزلهم في نحالين الواقعة غربيّ بيت لحم بعد زيارة عائليّة قاموا بها في قرية إرطاس. في الطريق حدث شجار بين علاء غيّاضة وسائق آخر. وصلت الأسرة إلى مسافة خمسين مترًا من حاجز النشّاش/إفرات شمال - الواقع جنوب غرب بلدة الخضر والذي كان مفتوحًا حينئذٍ ويشغل جنود برج المراقبة الملحق به - وعندها أوقف علاء السيّارة لمواجهة السّائق الآخر لكنّ هذا تجاوزه وتابع في طريقه. نزل علاء من سيّارته فأطلق عليه الجنود النار وأصابوه في بطنه.

في الوقت نفسه وصلت إلى الحاجز سيّارة أخرى تقلّ أربعة شبّان عائدين من عرس في بيت لحم. رأى الركّاب ميساء تنادي طالبة النجدة فخرجوا من سيّارتهم ليساعدوها وزوجها. نقل ثلاثة من الشبّان المصاب علاء بسيّارتهم إلى مستشفى اليمامة في الخضر. في تسجيلات كاميرات المراقبة المثبّتة في المستشفى والتي نشرتها مواقع التواصل الاجتماعي يظهر الثلاثة لحظة وصولهم إلى المستشفى وهم يُخرجون جريحًا من سيّارتهم. الشابّ الرّابع أحمد مناصرة (22 عامًا) دخل إلى سيّارة عائلة غيّاضة لكي يساعد ميساء وبناتها.

في إفادة أدلت بها ميساء غيّاضة في 21.3.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش حدّثت عمّا جرى بعد إطلاق النّار الأوّل:

كان زوجي متّكئًا على السيّارة. من حيث جلست داخل السيّارة سمعته يقول إنّه أصيب. خرجت بسرعة من السيّارة وأخذت أصرخ طالبة النجدة. وصل جيب ونزل منه أربعة شبّان. تقدّم ثلاثة منهم إلى زوجي ونقلوه فورًا إلى سيّارتهم ثمّ غادروا المكان. الشابّ الرّابع دخل إلى سيّارتنا وحاول تشغيلها لكي يُبعدها عن المكان. في اللحظة نفسها أطلق الرّصاص الحيّ مرّة أخرى عندما كنت أنا وابنتاي والشاب في داخل السيّارة. حاول الشابّ تشغيل السيّارة وعندما لم يتمكّن من ذلك خرج من السيّارة وفورًا أطلقت النيران مرّة أخرى. تملّكني الخوف وارتبكت كثيرًا فأجهشت بالبكاء وأخذت ابنتاي الصغيرتان في الصّراخ - حتّى أنّ إحداهما تقيّأت. لم أعرف ماذا أفعل ولم أفهم ما الذي يحدث من حولي. حاولت أن أهدّئ من روع طفلتيّ. اتّصلت هاتفيًّا بوالدي وسِلفي ووصلا بعد مضيّ 20 دقيقة. في هذه الأثناء جاء ضابط وسألني ماذا أفعل هناك ثمّ قال لي "تنفّسي ولا تخافي".

عندما وصل والدي أخذني وابنتيّ في سيّارته وذهبنا إلى مستشفى اليمامة الذي نُقل إليه زوجي. عند مدخل المستشفى سمعت أحدهم يقول إنّ هناك شهيد فظننت أنّه يقصد زوجي لكنّ أحد الممرّضين طمأنني وقال لي إنّه يقصد شخصًا آخر موجود في مستشفى الحسين في بيت جالا. حاول الممرّض أن يهدّئ من روعي وقبّل ابنتيّ واحتضنهما لتهدآ هما أيضًا. كنت أنتظر في المستشفى وأنا لا أصدّق ما يجري. أجريت لزوجي عمليّة جراحيّة استمرّت 6 ساعات. لم أعرف كيف حاله والجميع كان يحاولون طمأنتي. عدت إلى منزل والديّ منهكة وخائفة وقلقة. علمت من أسرتي أنّ الرّجل الذي حاول مساعدتي في تشغيل السيّارة قد استُشهد وأنّ اسمه أحمد مناصرة من بلدة وادي فوكين.

مكان الحدث. سيارة عائلة غيّاضة مرت من البوابة ووقفت مباشرة بعد المكعبات الأسمنتية في الجهة اليمنى. تصوير: موسى أبو هشهش، 25.3.19

أحد الشبّان الأربعة ويُدعى ع. أدلى بإفادته يوم 25.3.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش محدّثًا بما جرى:

نحو السّاعة 21:00 وصلنا إلى حاجز النشاش. كان و.م. يسوق السيّارة وجلست أنا في الخلف وإلى جانبي كان يجلس أحمد مناصرة. كان الشارع خاليًا. عندما وصلنا إلى مسافة نحو 50 مترًا من المفرق رأينا امرأة تركض نحو سيّارتنا وهي تصرخ وتبكي. لم نفهم ما الذي يجري. سمعنا المرأة تقول إنّ زوجها قد أصيب. قفزنا جميعًا من السيّارة وركضنا خلفها إلى سيّارة من نوع جولف كانت متوقّفة على الشارع. رأينا رجلًا يتّكئ على الجزء الخلفيّ من السيّارة يضع يده على بطنه ويقول "بناتي بناتي". ساعدته مع و.م. على الوصول إلى سيّارتنا وقد سار متّكئًا على كتف و.م. الرّجل لم ينزف ونحن لم نعرف ما طبيعة إصابته. أذكر أنّني سمعت صوت إطلاق نار بعد أن نقلناه إلى سيارتنا. في البداية كانتا ربّما طلقتان، ثم تلتهما عدّة طلقات. لم أستوعب ما الذي يجري ومن يطلق النار وعلى من. في أثناء ذلك شغّل و.م. السيّارة بسرعة وانطلق مسرعًا إلى مستشفى اليمامة القريب من المكان. في الطريق واصل الرّجل قوله "بناتي بناتي". في منتصف الطريق أخذ صوته يخفت ثمّ توقّف عن الكلام. وصلنا به إلى المستشفى وعندها قرّر و.م. العودة إلى موقع الحادثة لكي يبحث عن أحمد.

بعد مضيّ 15 دقيقة عندما كنت عند مدخل مستشفى اليمامة جاء و.م لكي يأخذني. كان منفعلًا جدًّا وقال لي إنّ أحمد مناصرة أصيب ونُقل إلى مستشفى الحسين في بيت جالا. بعد مرور دقائق معدودة على وصولنا إلى هناك أعلن الأطبّاء وفاة أحمد. أصابتني الصّدمة. فهمت حينها أنّ إطلاق النار الذي سمعته كان يستهدف أحمد.

م.ك. وصل إلى الموقع في سيّارة يقودها أخوه وبرفقتهما شخص ثالث. عندما تجاوزوا الحاجز متّجهين يمينًا سمعوا عدّة طلقات فتوقّفوا. في إفادة أدلى بها يوم 27.3.19 أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش قال معتزّ:

عندما أوقف أخي السيّارة نزلت منها مسرعًا بدافع الفضول لكي أستطلع ما الذي يحدث. كنت على بُعد نحو عشرة أمتار من الإشارات الضوئيّة وعن يساري على بُعد عشرين مترًا تقريبًا برج المراقبة العسكري. كان الجو معتمًا، ومن المكان الذي وقفت فيه رأيت سيّارة متوقّفة وفي داخلها امرأة. أخرجت هاتفي وأخذت في التصوير. سمعت مجدّدًا إطلاق رصاص ولكنّه في هذه المرّة استمرّ وقتًا اطول. لم أفهم ولم أرَ على من أطلق الرّصاص. لم أر أحدًا في الشارع سوى السيّارة المتوقّفة هناك وفي داخلها تجلس امرأة. بقيت هناك وتابعت التصوير لكنّ الجنود في برج المراقبة أتوا إليّ وأمروني بالابتعاد عن المكان بسرعة. كان لديّ الوقت لأتّصل بالإسعاف. أبلغتهم أنّ هناك حادث طرق في مفرق النشاش. في المرّتين أطلقت النيران من البرج العسكريّ.

لدى تشريح جثمان أحمد مناصرة تبيّنت ثلاثة مداخل لثلاث رصاصات - واحدة في صدره وواحدة في يده اليمنى والثالثة في اليسرى. نشرت وسائل الإعلام أنّ "وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة باشرت التحقيق" بعد أن بيّن التحقيق - وفقًا لمزاعم الجيش في بيانه - أنّه جرت في الموقع أعمال رشق حجارة نحو سيّارات عابرة هناك وأنّ الجنديّ الذي كان يقف في برج المراقبة قام بتنفيذ إجراء اعتقال مشتبه فيه انتهى بإطلاق النيران التي جُرح جرّاءها علاء غيّاضة وقُتل أحمد مناصرة. بيان الجيش الذي جاء مبهمًا ولامباليًا ولا يمتّ للواقع بأيّة صلة يعكس جيّدًا عمق استهتار إسرائيل بحياة الفلسطينيّين. بسبب ذلك يحدث عادة وحدث في الحادثة المروّعة التي أمامنا: عابر سبيل يدفع حياته ثمنًا لمساعدة أسرة أطلق الجنود النيران على سيّارتها دون سبب. هذه الحادثة واحدة من أربع حالات قتل حقّقت فيها بتسيلم منذ بداية شهر آذار 2019 وفي جميعها تبيّن بوضوح أنّه لم يكن أيّ مبرّر لإطلاق النيران الفتّاكة.