Skip to main content
من اليمين إلى اليسار: عثمان لدادوة ومحمود شريتح. صور قدّمتها العائلتان مشكورتان.
Menu
المواضيع

عناصر من شرطة حرس الحدود انضمّوا لهجوم شنّه مستوطنون على أراضي المزرعة القبليّة وأطلقوا نيرانهم الفتّاكة على سكّان المزرعة الذين خرجوا لصدّ الهجوم فقتلوا منهم اثنين وجرحوا سبعة

تقع قرية المزرعة القبليّة شمال غرب رام الله ويبلغ عدد سكّانها نحو 5,000 شخص. إلى الشمال من القرية يوجد موقع أثريّ يسمّى خربة نعلان، يخرج إليه الأهالي للترفيه عن أنفسهم. في عام 2007 بدأ المستوطنون في الاستيلاء على أراضي القرية. في بادئ الأمر أخذوا يفلحون أرضًا تتبع للقرية وتقع على بُعد نحو كيلومتر واحد إلى الغرب من خربة نعلان؛ وفي عام 2012 أقاموا في جوار الأرض كرفانات سكنيّة حيث تحوّلت الأرض إلى مستوطنة سمّيت "كيرم راعيم" وجرى لاحقًا دمجها مع مستوطنة طلمون. في تمّوز 2018 رمّم السكّان الفلسطينيون خربة نعلان - أناروا المنطقة، وضعوا مقاعد وطاولات وكراسي. في الفترة نفسها أخذ المستوطنون في القدوم إلى المكان في أيّام الجمعة برفقة عناصر من قوّات الأمن لكي يصلّوا فيه.

Thumbnail
نظرة من خربة نعلان نحو النقطة الاستيطانيّة كيريم ريعيم؛ وتبدو في الخلفيّة مستوطنة نيريا. تصوير ألكس ليباك

في بعض الأحيان كان احتكاكهم بالسكّان الفلسطينيين يتطوّر إلى مواجهات بين السكّان وقوّات الأمن، أصيب فيها عدد من السكّان جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ. إضافة إلى ذلك وثّقت بتسيلم منذ شهر تمّوز الماضي ثلاث حالات تخريب قام بها مستوطنون اعتدوا على منشآت ومرافق الموقع الأثريّ التي أقامها السكّان. علاوة على ذلك، اقتحم المستوطنون القرية نفسها وقاموا بأعمال تخريب أتلفوا خلالها 28 سيّارة. لا تقتصر هذه الممارسات على قرية المزرعة القبلية انما في أماكن كثيرة في أنحاء الضفة الغربية يشنّ المستوطنون هجماتهم على الفلسطينيين ويتلفون ممتلكاتهم بدعم من الجيش أو حتّى بمشاركة منه وبتشجيع من السلطات الإسرائيلية. كلّ ذلك بهدف إبعاد السكّان عن أراضيهم ممّا يسهّل على الدولة الاستيلاء عليها وتسخيرها لغاياتها واحتياجاتها.

خريطة المنطقة

في يوم الجمعة الموافق 26.10.18 استعدّ المستوطنون للإغارة على خربة نعلان كدأبهم منذ أربعة شهور وكجزء من مساعي الدولة والمستوطنين مواصلة الاستيلاء على أراضي المنطقة - إمعانًا في إقصاء السكّان الفلسطينيين عن المكان. ابتداءً من الساعة 10:00 صباحًا تجمّع في "كيرم راعيم" نحو خمسين مستوطنًا بهدف الخروج "للصّلاة" في خربة نعلان. تواجد معهم في المكان نحو خمسين جنديًّا وشرطيًّا من عناصر حرس الحدود وعدد من المركبات العسكرية. قبالتهم، في منطقة الخربة، أخذ يتجمّع عدد من سكّان قرية المزرعة. نحو الساعة 14:00، عندما تجاوز عدد السكان الـ200 شخص، انطلق المستوطنون وأخذوا يتقدّمون نحو الخربة برفقة عناصر قوّات الأمن. عندئذٍ، تحرّك عشرات من سكّان القرية متقدّمين نحوهم، وكان بعضهم يرشق الحجارة نحو المستوطنين عن بُعد عشرات من الأمتار؛ فأخذت قوّات الأمن الرّاجلة تطلق على السكّان الرصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدموع. إضافة إلى ذلك جرى إطلاق قنابل الغاز المُدمِع آليًّا بواسطة أجهزة مركّبة فوق الجيبات العسكرية. أصيب عدد من سكّان القرية بالرّصاص المطّاطي وآخرون جرّاء استنشاق الغاز المُدمِع. في هذه المرحلة عاد معظم المستوطنين على أعقابهم؛ وبعد مواجهات استمرّت ساعة تقريبًا انسحب السكّان أيضًا إلى منطقة الخربة. ولكن لاحقهم نحو عشرة من عناصر قوّات الأمن - جنود وشرطة حرس الحدود فتواصلت المواجهات في منطقة الخربة وإلى الشرق منها حتى الساعة 17:00. خلال هذه الساعات أصيب عدد من السكّان بالرصاص "المطّاطي".

عند الساعة 17:00 تقريبًا، أخذ عناصر قوّات الأمن في العودة نحو "كيرم راعيم" ولحقهم بضعة عشرات من سكّان القرية وهم يرشقونهم بالحجارة. أطلق العناصر نحو السكّان قنابل الغاز المسيل للدموع، وفي هذه المرحلة أطلق على الأقلّ شرطيّ واحد من عناصر حرس الحدود الرّصاص الحيّ نحوهم. خلال دقيقة تقريبا، أطلقت عليهم عشرون رصاصة ومن مسافة قريبة. أصيب تسعة من سكّان القرية اثنان منهم كانت جراحهم بليغة. بعد ذلك مباشرة غادرت قوّات الأمن المكان.

توفّي اثنان من المصابين متأثّرين بجراحهما - الأوّل، عثمان لدادوة (33 عامًا) مخلّفًا وراءه زوجة في أشهر متقدّمة من حملها وأربعة أولاد. كان عثمان يقف على بُعد نحو عشرة أمتار من الشرطيّ الذي أطلق عليه النار وأصيب في فخذه الأيسر من الخلف فاخترقت شظايا الرصاصة بطنه وتوفّي بعد وقت قصير. والثاني، محمد شريتح (28 عامًا) الذي خلّف وراءه زوجة وولدين. كان محمد يقف على بُعد نحو خمسة أمتار من الشرطيّ الذي أطلق عليه النار وأصابه في رأسه. وصل محمد إلى المستشفى الاستشاري في رام الله في حالة غيبوبة وتوفّي متأثّرًا بجراحه بعد أسبوعين في 10.11.18. إضافة إلى ذلك، ما زال أحد المصابين يتلقّى العلاج في المستشفى بعد أن أصيب بالرصاص الحيّ في رجله. وقد أصيب خلال الحادثة خمسة آخرون بالرّصاص "المطّاطي" الذي أطلقه عناصر قوّات الأمن وأصيب شخص آخر من قنبلة غاز ارتطمت برأسه مباشرة. من جهة أخرى، زعمت شرطة حرس الحدود أنّ ثلاثة من عناصرها أصيبوا خلال الحادثة.

Thumbnail
خربة نعلان في قرية المزرعة القبليّة. تصوير ألكس ليباك

انتهت هذه الحادثة على نحو استثنائي، مقارنة بغيرها: لهو أمر غير مألوف، أن يطلق على الأقلّ واحد من عناصر شرطة حرس الحدود النيران الفتّاكة نحو راشقي حجارة فلسطينيين عن مسافة قريبة - نحو عشرين رصاصة بعضها في صليات ويتسبّب بمقتل اثنين منهم وجرح سبعة آخرين. لا حاجة بنا إلى التذكير بما هو مفهوم ضمنًا، ومع ذلك: إطلاق النار بهذا الشكل أمرٌ مخالف للقانون لا مبرّر له ويتعارض مع كلّ حرف ورد في تعليمات إطلاق النار.

ولكن ما هو مألوف وغير استثنائيّ كيفيّة تعامُل جهاز الأمن مع هذه الحادثة، إذ لم يكلّف نفسه التطرّق إليها من تلقاء نفسه. وعندما تمّ التوجّه إليه في شأنها برّر المسؤولون سلوك عناصر الأمن دون أن يرمش لهم جفن بدعوى أنّه قد حدثت في الموقع "مشاغبات عنيفة". ولكن لأجل رفع العتب وعلى سبيل "الضريبة الكلاميّة" أعلن بخصوص هذه الحادثة أيضًا، أنّ "وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية قد باشرت التحقيق في الحادثة بالتعاون مع شرطة إسرائيل". ولكن تجربة الماضي تعلّمنا أنّ مثل هذا "التحقيق" لا ينتهي باتّخاذ إجراءات تأديبيّة ضدّ الضالعين في الحادثة - لا ضدّ الشرطيّ الذي أطلق النيران ولا ضدّ الضابط المسؤول ولا ضدّ عسكريّين أصحاب مراتب الأعلى. هذا الأداء يُظهر ليس فقط عُمق استهتار إسرائيل بحياة الفلسطينيين وسلامة أجسادهم وإنّما هو فوق ذلك يمهّد السبيل أمام عناصر قوّات الأمن لتواصل ارتكاب مثل هذه الانتهاكات دون حسيب أو رقيب.

ادناه بعض الافادات التي أدلى بها بعض السكّان الذين كانوا شهود عيان على الحادثة أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد:

وسيم لدادوة (40 عامًا) مدير مركز الشبيبة ومركّز طاقم المسعفين المتطوّعين في القرية، أدلى بإفادته يوم 28.10.18 فوصف ما حدث كما يلي:

Thumbnail
وسيم لدادوة. تصوير: إياد حدّاد, 28.10.18

نحو السّاعة 17:00 كان المتظاهرون على رأس التلّة، في منطقة الخربة. وكان عناصر القوّة العسكرية في منطقة أكثر انخفاضًا، ثمّ انسحبت نحو البؤرة الاستيطانيّة فلحق بهم نحو أربعين شابًّا. توقّعت أنّ الوضع سوف يتدهور فطلبت من المسعفين الأربعة الذين كانوا برفقتي أن ينقسموا إلى فريقين، اثنان في كلّ فريق، وأن يتموضعوا على جانبي المنطقة التي انتشر فيها الشبّان. فجأة أطلق أحد عناصر حرس الحدود صليات من الرّصاص الحيّ. في كلّ صلية أطلق رصاصتين أو ثلاثًا مباشرة نحو الشبّان. أنا كنت وسط الشبّان على مسافة لا تتجاوز عشرين أو ثلاثين مترًا من ذلك الشرطيّ. أخذ الجرحى يتساقطون واحدًا وراء الآخرمن بينهم اخي عثمان. في البداية لم أعرف أنّه أصيب. تقدّمت نحو أحد المصابين - المسعف حمزة شريتح، 22 عامًا، الذي أصيب في رجله وأخذت أصرخ وأنادي المسعفين الآخرين لكي يساعدوني على حمله. عندما حملناه سمعت صرخات "جريح آخر - مصاب في صدره!" و"وهنا جريح - مصاب في رأسه!". تركنا حمزة لكي نسعف المصابين الآخرين الذين كانت حالتهم أخطر. أصابني حالة جمود لبضعة ثوانٍ ولم أعرف ماذا أفعل لأنّني رأيت حولي أكثر من عشرين شابًّا مبطوحين على الأرض. بعضهم كانوا جرحى وبعضهم انبطحوا لكي يحتموا من الرّصاص.

بعد دقيقة أو دقيقتين توقّف إطلاق الرصاص وأخذ الشباب في إخلاء الجرحى ونقلهم إلى سيّارة الإسعاف. تمالكت نفسي واتّجهت نحو سيّارة الإسعاف لكي أعالج الجرحى الذين جلبهم الشباب. كان موقفًا صعبًا - فوضى وصراخ ونداءات لا تتوقّف: "هنا يوجد مصاب جراحه خطيرة" و"الجريح الذي هناك حالته أخطر" … وهكذا. وجّهت الإرشادات إلى المسعفين وفقًا لخطورة الإصابات. كان الشباب قد أخلوا ثلاثة أو أربعة جرحى وقد نقلتهم سيارة الإسعاف إلى المستشفى الاستشاري. وكان أربعة أو خمسة جرحى آخرين مستلقين على الأرض ويتلقّون العلاج على يد المسعفين. فقط عندئذٍ رأيت أخي عثمان مستلقيًا على الأرض وفمه مفتوح وعيناه أيضًا. كان جسمه في حالة استرخاء تامّ. للحظة ظننته ميتًا. بالنظر إلى الأعراض الأوّلية بدا وكأنّه قد بلع لسانه. قلبته لكي أتفقّد موضع الإصابة لكنّي لم أر دمًا أو جرحًا - ربّما بسبب الضغط الشديد والتوتّر. عند ذلك خمّنت أنّه ربّما وقع فارتطم رأسه بحجر وأغمي عليه. قرّرت معالجته وفق فرضيّة بلع اللسان. رفعت رأسه والجزء الأعلى من جسده وأملته إلى الأمام لكي يتحرّك لسانه ويقدر على التنفّس. فعلت ذلك مرّتين أو ثلاثة ولكنّه لم يتجاوب. أعدته إلى وضعية الاستلقاء ونفّذت عمليّة تنفّس اصطناعي عبر الفم فاستجاب وأخذ يتنفّس ولكن بصعوبة كبيرة. لم أعرف ماذا أفعل بعد ربّما لأنّني كنت متوتّرًا جدًّا.

حمل الشباب عثمان وأخذوه إلى سيّارة خاصّة نقلته إلى عيادة في القرية ولحقت أنا بهم. عندما وصلت رأيت الطبيب يعالجه على أساس أنّه بلع لسانه فأخبرته أنّني قد فحصت ذلك وأنّ الحالة ليست بلع لسان وقد وافقني الطبيب الرأي. حتى هذه اللحظة لم ير أحد أنّ عثمان أصيب جرّاء إطلاق النار. حوّل الطبيب عثمان إلى المستشفى فورًا. صعدت معه في سيارة الإسعاف، ورافقتنا طبيبة تعمل في العيادة. في الطريق وصلوا عثمان بجهاز الأكسجين. رأيت أنّ هناك بخار يتراكم على قناع الأكسجين. وكنت في الطريق أراقب مستوى الأكسجين لديه ونبضه، وأتحسّس جسده. عندما مررنا قرب جامعة بير زيت على بُعد نحو كيلومترين من القرية أخذ وضع أخي يتدهور. توقّف عن التنفس وأخذ النبض يهبط حتى وصل إلى الصّفر. أدركت حينها أنّه قد فارق الحياة وأخبرت الطبيبة فأخذت تصرخ على السائق أن يسرع أكثر.

وصلنا إلى مستشفى الاستشاري خلال خمس أو عشر دقائق. أدخلوا عثمان إلى قسم الطوارئ وحاولوا إجراء إنعاش وعلاجات فيما انتظرت أنا في الخارج. في البداية عندما سألت الأطبّاء هل مات أخي، لم يودّوا الإجابة ربما لئلّا أنهار. هدّأت من روعهم وقلت لهم أنّني قد عرفت ونحن في الطريق إلى المستشفى أنّه توفّي ولا يوجد ما نفعله. بعد خمس أو عشر دقائق أبلغوني أنّه توفّي وفي هذه المرحلة كانوا لم يعلنوا وفاته رسميًّا بعد. بعد ذلك أجروا له صور CT لكي يعرفوا كيف أصيب. تبيّن أنّ الرّصاصة اخترقت الجزء الأعلى من فخذه وسبّبت نزيفًا داخليًّا أدّى إلى وفاته.

المُسعف حمزة شريتح (24 عامًا) كان حاضرًا أثناء المواجهات مرتديًا الزيّ الطبّي. نحو الساعة 15:30 أصيب شريتح في رجله من رصاص "مطّاطيّ". بعد إخلائه من المكان وإسعافه عاد شريتح إلى منطقة المواجهات لكي يسعف المصابين. في إفادة أدلى بها يوم 29.10.18، قال:

Thumbnail
حمزة شريتح. تصوير: إياد حدّاد, 29.10.18

عند الساعة 16:00 أخذت القوّات في الانسحاب التدريجي ولكنّ المواجهات استمرّت بشكل متقطّع. سمعت أنّ هناك مصابين جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدموع والرّصاص المطّاطي فقرّرت العودة إلى منطقة المظاهرات لكي أساعد في عمليّات الإسعاف. في هذه الأثناء جلب الشباب فتًى في الـ16 من عمره يعاني كسرًا في العظم نتيجة إصابته برصاص مطّاطي. وبينما كنت أسعفه أخذت أسمع صوت رصاص حيّ يُطلق في صليات. كانت الساعة 17:00 تقريبًا. سمعت صراخًا ونداءات "إسعاف! إسعاف!".

ركضت إلى المكان الذي سمعت منه الصرخات على بُعد خمسين أو سبعين مترًا. وصلت إلى المتظاهرين خلال ثوانٍ وإطلاق الرّصاص ما زال مستمرًّا - إطلاق عشوائيّ وعن مسافة قريبة. رأيت شابًّا مصابًا في رجله وعندما تقدّمت منه تقدّم أيضًا محمد شريتح المصوّر الصحفي وهو من سكّان القرية. فجأة أصابت رصاصة محمد في فخذه. ظلّ واقفًا على قدميه وأخذ يبتعد عن المكان.

وصلت إلى الجريح وأخذت في حمله لكي أخليه من هناك. كان إلى جانبي شبّان آخرون أرادوا مساعدتي وعندها بالضبط أصابتني رصاصة. أحسست وكأنّ تيّار كهرباء ضرب العظم في رجلي اليسرى. لم أتمكّن من الوقوف فوقعت على الأرض. ناديت وسيم لدادوة فتقدّم منّي وفحص رجلي. قال أنّ إصابتي قد تكون جدّيّة ونادى المسعفين الآخرين. حملني مع ثلاثة منهم وأخلوني من المكان.

أخلي حمزة شريتح في سيّارة خاصّة إلى مستشفى الاستشاري حيث تمّ تصوير أشعّة لرجله ومن ثمّ إجراء عمليّة جراحيّة له في صباح اليوم التالي. خرج من المستشفى بعد يومين.

محمد حسن شريتح (22 عامًا) طالب جامعي يدرس الإعلام أدلى بإفادته يوم 29.10.18 واصفًا ما شاهده:

عند الساعة 17:00، كانت القوّة العسكرية التي عملت على تفريق المتظاهرين على بُعد 70-100 متر إلى الغرب من الخربة في منطقة منخفضة نسبة إلى المكان الذي كان فيه الشباب. بعض الشباب - ثلاثين إلى خمسين شابًّا - اقتربوا كثيرًا من عناصر الشرطة والجنود حتى أصبحوا على مسافة 20-30 مترًا منهم. اشتدّت المواجهات. كنت أقف جانبًا وعلى بُعد 15 مترًا لا أكثر. كنت أرتدي الصدريّة الخاصّة بالصحفيّين وكان واضحًا أنّني صحفيّ. أحد عناصر قوّات الأمن أطلق الرّصاص الحيّ في الهواء وبعد بُرهة اطلق مجدّدًا ولكن هذا لم يردع الشباب حيث واصلوا مجابهة القوّة.

تقدّم الشباب أكثر حتى كادوا يقفون وجهًا لوجه أمام عناصر الشرطة. كانت تفصلهم عنهم خمسة مترات لا أكثر. في هذه الأثناء اقتربت أنا حتى وصلت إلى مسافة خمسين مترًا منهم. أخذ شرطيّ أو اثنان يطلقان الرّصاص الحيّ في صليات متتالية. أصيب أحد الشبّان في رجله وكان على مسافة خمسة أمتار منّي. قبل أن يتقدّم منه الشباب لأجل إخلائه تقدّمت أنا منه. حين كنت على مسافة مترين منه أطلق أحد عناصر الشرطة نحوي صلية من ثلاثة أو أربعة رصاصات. أطلق عشوائيًّا على كلّ ما شيء أمامه.

Thumbnail

شعرت بالإصابة في فخذي الأيمن من الأمام. الحمد لله أنّ الرّصاصة ارتطمت قبل ذلك بهاتفي النقّال - الذي كان في جيب بنطالي وفقط بعد ذلك اخترق الفخذ. أحسست بالدماء تنزف منّي ولكنّني صمدتُ على قدميّ وابتعدت عن المكان وأنا أعرج. مشيت نحو عشرة أمتار وبعد ذلك حملني الشباب ونقلوني إلى سيّارة الإسعاف حيث كانت واقفة فوق قرب الخربة. رأيت شبّانًا آخرين يُصابون ويتساقطون مثل العصافير واحدًا تلوَ الآخر. كان أحدهم المُسعف حمزة شريتح (24 عامًا) الذي تقدّم ليُسعف الشابّ الذي حاولت أنا التقدّم لإسعافه من قبل؛ لكنّ القوّة أطلقت صلية نيران نحوه أيضًا فأصيب في رجله.

عندما نقلوني في سيّارة الإسعاف كان معي ثلاثة جرحى آخرون وكانت إصاباتهم في الرأس والرّقبة والذراع. وبينما كان المسعفون منهمكين في إسعافعم قمت أنا بإسعاف نفسي وقصصت بنطالي لكي أكشف عن مكان الإصابة في فخذي. كنت أضغط على الجرح بقطع شاش لأجل وقف النزيف وكذلك ناولني المسعفون لفّة لكي أضمّد الجرح. كان المسعفون يعالجون المصاب في رأسه، محمد شريتح، ويحاولون الحفاظ على تيقّظه لئلّا يُغمى عليه. سمعتهم يقولون من حين لحين "ما زال حيًّا، إنّه يتنفّس". سمعته هو أيضًا يتأوّه من الألم. خلال عشر دقائق وصلنا إلى مستشفى الاستشاري. أدخلونا إلى قسم الطوارئ وأخذت طواقم الأطبّاء في معالجتنا. في قسم الطوارئ كنّا أكثر من عشرة جرحى.