Skip to main content
عزّ الدين التميمي. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
Menu
المواضيع

أردوه قتيلًا مع أنّه لم يشكّل خطرًا على أحد: جنديّ أطلق النّار من خلْف على عزّ الدين التميمي وهو يلوذ بالفرار، بعد أن رشق الجنديّ بحجر

Thumbnail
عزّ الدين التميمي. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في 6.6.2018 نحو الساعة 8:00 صباحًا دخلت إلى قرية النبي صالح الواقعة شمال غرب رام الله ناقلتا جنود وجيب عسكريّ. توقّفت إحدى السيّارتين قبالة محطة الوقود في المدخل الغربي للقرية بجوار المفرق المؤدي إلى بيت ريما ونزل منها ما يقارب عشرة جنود بهدف إجراء اعتقالات في القرية. انقسم الجنود إلى مجموعتين - توجّهت الأولى إلى منجرة هناك وأمرت العاملين فيها بإغلاقها ثم صعدت إلى سطح المنجرة. أمّا المجموعة الثانية فقد انتشرت في منطقة الكروم والمحلّات التجارية قبالة محطّة الوقود وإلى الشمال منها. أمّا السيّارة الثانية والجيب العسكريّ فقد توقفا في المنطقة المقابلة للمنجرة.

عند الساعة 9:30 تقريبًا اقترب إلى المكان من جهة الشرق شابّان من سكّان القرية في العشرين من عمرها (عزّ الدّين التميمي وصديقه أ.ت) وكانت غايتهما رشق الجنود بالحجارة. كان الشابّان ملثّمَين كلّ بقميصه واختبآ خلف الحوانيت المقابلة لمحطّة الوقود على بُعد نحو 15-20 مترًا من ناقلة الجنود التي كان يقف خلفها جنديّ.

في إفادته التي أدلى بها أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، قال أ. ت.:

كان جسم عزّ الدين مكشوفًا للجنود وكنت أنا خلف زاوية الدكّان أرشق الحجارة من هناك. عندما أصاب أحد الحجارة السيّارة العسكريّة او الجنديّ لا أعرف بالضّبط تنبّه الجندي لعزّ الدين الذي تأخّر عنّي وأطلق نحوه رصاصة لكنّه لم يُصبه. هربنا فورًا نحو الكرم الذي جئنا منه وافترقنا هناك: فرّ عزّ الدّين إلى قرب البيوت وواصلت أنا الفرار بين الأشجار. أثناء الرّكض سمعت طلقتين ناريّتين أطلقتا نحونا. لم أعرف ماذا أصابتا ولكنّي في هذه الأثناء لم أتمكّن من رؤية عزّ الدّين. ظننت أنّه اختفى بين المنازل. أثناء فراري عندما كنت على بُعد أكثر من مائة متر من الجنود أطلقوا قنابل الغاز نحو المنطقة التي هربت إليها. تابعت الرّكض واستدرت لكي أصل إلى الشارع الرّئيسي وسط القرية وألتقي عز الدّين هناك. في الطريق صادفت أولادًا من القرية وسألتهم إن كانوا قد رأوه ولكنّ أحدًا منهم لم يره.

Thumbnail
محطة الوقود في قرية النبي صالح ومقابلها مبنى خشبي يحوي دكاكين والذي اختبأ خلفه الشبان. في خلفية الصورة مستوطنة حلميش. تصوير: إيا

خالد حمدان (19 عامًا) من سكّان النبي صالح يدرس الاقتصاد في جامعة بير زيت ويعمل في الجامعة نفسها. وصل خالد إلى محطّة الوقود عند الساعة 9:00 تقريبًا وانتظر هناك السيّارة التي ستقلّه إلى الجامعة. في إفادة أدلى بها يوم 7.6.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، وصف خالد ما رآه:

في إفادة أدلى بها يوم 7.6.2018 أمام الباحث الميداني ل من بتسيلم، إياد حدّاد، وصف حمدان ما رآه: 

Thumbnail
خالد حمدان. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 7.6.2018

عند الساعة 9:35 على وجه الدقّة - وأنا متأكد من ذلك لأنّي صوّرت شريط فيديو بواسطة هاتفي رأيت شابّين من قريتنا هما عزّ الدين التميمي وأ.ت. يأتيان من جهة المنازل الشرقية نحو الزاوية الجنوبية الشرقية للحوانيت وكانا ملثّمَين ويحملان حجارة في أيديهما. كانا يبعدان عنّي مسافة 15 متر تقريبًا. خمّنت أنّهما سيقذفان الحجارة نحو ناقلة الجنود لأنّها كانت أقرب إليهما. فتحت كاميرا هاتفي النقّال وأخذت في تصوير الجنود استعدادًا لتوثيق ردّهم على رشق الحجارة. في الوقت نفسه كان أحد الجنود قد نزل من المقعد المجاور لمقعد السائق، نظر إلى الجانبين وذهب إلى خلف المركبة أي باتّجاه الشابّين.

حين وصل الشابّان إلى زاوية الحوانيت قذف أ.ت. حجارته أوّلًا - دون أن يكشف جسمه - وأصاب المركبة. أطلّ عزّ الدين من الزاوية وأصبح مكشوفًا لأنظار الجنديّ حين قذف الحجر الذي معه. أعتقد أن الحجر أصاب خوذة الجنديّ. فرّ الشابّان واحدًا وراء الآخر عائدين من حيث أتيا. كان ردّ فعل الجنديّ سريعًا فور إصابة الحجر: أطلق عيارًا ناريًّا نحو المنطقة التي ظهر منها الشابّان ولأنّهما فرّا إلى خلف الحوانيت تقدّم الجندي بضع خطوات إلى أن أصبح الاثنان في مرمى نيرانه وعندها أطلق الجندي وهو عند زاوية الحوانيت عيارين ناريّين متتاليين. أظنّ أنّ عزّ الدّين هو الذي كان يركض في المؤخّرة لأنّي لم أعد أرى أ.ت. ويبدو أنّهما انفصلا. عندما أطلق الجنديّ العيارين كانت المسافة بينه وبين عزّ الدّين نحو 40 مترًا.

بعد مضيّ بضع دقائق على إطلاق النار تقدّم الجنود نحو المكان الذي استلقى فيه التميمي جريحًا. في موازاة ذلك وصل إلى المكان بعض من سكّان القرية. وبعد بضع دقائق أخرى - قال شهود أنّ التميمي لم يتلقّ خلالها أيّ علاج طبّي سوى فحص خارجيّ وجسّ نبض - جلب الجنود حمّالة ونقلوا الشابّ الجريح نحو ناقلة جنود كانت متوقّفة قبالة محطّة الوقود. في أثناء ذلك ألقى الجنود عددًا من قنابل الصوت نحو السكّان الذين كانوا يتبعونهم. ظلّت ناقلة الجنود متوقّفة في المكان نحو خمس دقائق أخرى قبل أن تنقل التميمي الجريح. بعد مضيّ مدّة تراوحت بين نصف السّاعة والسّاعة أبلغت مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينية والدي التميمي أنّه قد فارق الحياة.

Thumbnail
نظرة على المكان الذي كان يقف فيه الجندي الذي أطلق النار. أصيب عز الدين التميمي بالقرب من المنزل الأخضر. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

في وقت لاحق من اليوم نفسه عند الساعة 15:00 تقريبًا جرى تشييع جثمان التميمي حيث انطلقت الجنازة من المستشفى الذي نُقلت إليه جثّته في رام الله متّجهة إلى قرية النبي صالح. عندما وصل المشيّعون إلى جوار عطارة الواقعة شماليّ رام الله أوقفهم جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود طيلة نصف الساعة تقريبًا. في النهاية سمح مندوبو الإدارة المدنيّة الذين كانوا هناك بعبور سيّارة الإسعاف التي أقلّت جثمان التميمي وعددٍ من السيّارات ومنعوا بقيّة السيّارات من مواصلة طريقها والمشاركة في التشييع. السيّارات التي سُمح لها بمواصلة طريقها أغلقت الشارع ونزل منها عدد من الرّكاب. عند ذلك توجّه جنود نحوهم ورشّوا غاز الفلفل على بعضٍ المشيّعين ممّن أغلقوا الطريق وأخذوا يدفعون بعضهم الآخر. إضافة إلى ذلك صادر الجنود مفاتيح سيّارة أحدهم. بعد مضيّ نحو عشرين دقيقة سمحت قوّات الأمن لجميع السيّارات بمواصلة طريقها نحو النبي صالح.

عبد الفتّاح التميمي (59 عاما) والد عزّ الدين التميمي أدلى بإفادته يوم 7.6.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، محدّثًا عن ذلك اليوم:

Thumbnail
عبد الفتّاح التميمي. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 7.6.2018

البارحة قرب الساعة 9:30 صباحًا كنت في المنزل وإذا بأحد سكّان القرية يهاتفني قائلًا إنّ الجيش أطلق النار على عزّ الدّين قرب محطّة الوقود في مدخل البلدة. توجّهت فورًا إلى هناك ومعي زوجتي وعندها تبيّن لنا أنّ الجيش قد نقله في مركبة عسكريّة إلى منطقة برج المراقبة الذي في مدخل البلدة. ذهبت إلى هناك لكنّ الجنود لم يسمحوا لي بالاقتراب. لم أتمكّن من معرفة ما إذا كانت المركبة التي نقلته موجودة هناك أم لا. كان في الموقع وجود مكثّف للجيش ودوريّات ومركبات تروح وتجيء. كان الجوّ متوتّرًا ومن حين لآخر كان الجنود يطلقون قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع لكي يبعدوا كلّ من يحاول الاقتراب للاستفسار عن عزّ الدّين. رجعت إلى القرية وعند الساعة 11:00 أخبرتنا مديرية التنسيق الفلسطينية أنّ الجيش أبلغهم بوفاة ابني. أدعو الله أن يتقبّله في الآخرة بين الشهداء والنبيّين والصدّيقين.

لدينا خمسة أبناء وعزّ الدّين كان أصغرهم. لقد ترك المدرسة وخرج إلى العمل وهو في الـ16 من عمره حين كان في الصف العاشر. لم يكن صاحب حرفة ولذلك عمل بما تيسّر من أعمال. لم تكن لديه أحلام وطموحات كبيرة أراد فقط أن يعيش حياة مستقرّة وأن يبني منزلًا ويتزوّج ويُنشئ أسرَة. لقد أحبّه الناس وكان حسن المعشر مع الجميع. لكنّ الجيش الإسرائيلي لم تمنحه فرصة للعيش بكرامة وتحقيق أحلامه مثل بقيّة البشر.

التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر أنّ الجندي أطلق النار على التميمي من الخَلْف من مسافة نحو 45 مترًا وأصابه في ظهره حين كان التميمي قد لاذ بالفرار ولم يشكّل أيّ خطر. تسمح تعليمات إطلاق النار بالتّصويب بهدف القتل فقط في مواجهة خطر محقّق وداهم يهدّد حياة عناصر قوّات الأمن أو حياة الآخرين وحتّى في هذه الحالة يُشترط انعدام أيّة وسيلة أخرى لدرء الخطر. إطلاق النيران الفتّاكة على التميمي أبعد من أن يلبّي هذه الشروط وعليه فهو مخالف للقانون وغير مبرَّر.

غداة الحادثة، نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية باشرت التحقيق في ملابسات مقتل التميمي. لكنّ تجربة الماضي تفيد بأنّ غاية مثل هذه التحقيقات والتصريحات إسكات أيّة انتقادات توجَّه للجيش، وبأنّ الشروع في التحقيق - وهو في حدّ ذاته حدث استثنائيّ - لن يُسفر عن محاكمة المسؤولين عن القتل المخالف للقانون، فكم بالحريّ محاكمة أيّ من كبار المسؤولين. مثل هذه الممارسات تُفرغ تعليمات إطلاق النار من مضمونها الذي كانت الغاية منه تقييد استخدام الذخيرة الحيّة والفتّاكة؛ كما تعكس عمق الاستهتار الإسرائيلي بحياة الفلسطينيين وسلامة أجسادهم. سياسة الطّمس الممنهج للحقائق المتعلقة بمقتل الفلسطينيين على يد الجنود، هي التي تتيح للجنود في نهاية المطاف الانتهاك الفظّ لتعليمات إطلاق النار، على ضوء إدراكهم بأنّه لا أحد يحاسبهم على ذلك. من هنا، تتيح هذه السياسة مواصلة استخدام القوّة الفتّاكة - التي تشكّل عنصرًا أساسيًّا في قدرة إسرائيل على الاستمرار في إدارة نظام السيطرة بالعُنف على ملايين الفلسطينيين. 

غداة>