Skip to main content
متظاهر فلسطيني يقع أرضًا بعد إصابته خلال مواجهة مع جنود في مخيّم الجلزّون للّاجئين. تظهر في الخلفية منازل مستوطنة "بيت إيل". تصوير: عبّاس مومني، جتي إيمجيز، 31.1.2014
Menu
المواضيع

الحياة في ظلّ مستوطنة "بيت إيل": الوجود المكثّف لقوّات الأمن في مخيم الجلزون يجلب المواجهات وإطلاق النار على الشبّان

يعيش في مخيّم الجلزّون للّاجئين الواقع شماليّ رام الله نحو 14.000 شخص، نحو 5.000 منهم قاصرون. في عام 1977 أقيمت في جوار المخيّم مستوطنة "بيت إيل" ما استدعى وجود جنود بشكل دائم - في أبراج مراقبة ودوريّات عسكريّة على امتداد الشارع المحاذي وفي المساحة الفاصلة بين المخيّم والمستوطنة.

في أحيان كثيرة تندلع مواجهات بين الجنود وسكّان المخيّم وخاصّة الفتيان والشبّان ويدور معظمها عند مدخل المخيّم قرب المدارس. يطلق الجيش خلال هذه المواجهات ذخيرة تفريق المظاهرات وأحيانًا النيران الحيّة أيضًا. يقتحم الجيش المخيّم بمعدّل مرّة واحدة في الأسبوع على امتداد السنوات الخمس الماضية. خلال هذه السنوات جرح عناصر قوّات الأمن الإسرائيلي نحو 160 فلسطينيًّا جرّاء إطلاق النيران الحيّة (وفق معطيات مكتب تنسيق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية - OCHA) وقتلوا ستّة من بينهم أربعة قاصرين.

الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، استمع في الأشهر الأخيرة إلى إفادات أدلى به سكّان من المخيّم جُرحوا في هذه المواجهات حيث يصفون حياتهم في أعقاب الإصابة - المصاعب الجسديّة التي يواجهونها وتقلّص فرص العمل المتاحة لهم والعلاجات التي يحتاجونها وآثار الإصابة على حالتهم النفسيّة.

وكما سبق ونشرت بتسيلم لن يحاكَم أحد بتهمة التسبّب بهذه الإصابات - لا عناصر قوّات الأمن المنتشرة في الميدان ولا العسكريّون ذوو الرّتب الرفيعة المؤتمنون على الأوامر وتعليمات إطلاق النار. وأيضًا على المستوى المدنيّ ضمنت إسرائيل لنفسها حصانة شبه تامّة تعفيها من دفع تعويضات ماليّة للمصابين وذلك عبر توسيع نطاق الإعفاء القانوني ومراكمة المصاعب البيروقراطية أمام الفلسطينيين لصدّ تقديم دعاوى مدنيّة للمطالبة بتعويضات. بذلك تُبقي إسرائيل المصابين الفلسطينيين دون تعويض ماليّ ودون اعتراف بالأضرار اللّاحقة بهم مثلما تترك المسؤولين دون محاكمة - وتتيح مواصلة استخدام النيران ضدّ الفلسطينيين وأحيانًا الفتك بهم من حيث هو لبنة أساسيّة في الحفاظ على بُنية السيطرة العنيفة على ملايين الفلسطينيين.

المصاب كريم نخلة البالغ من العمر 11 عامًا - أصيب في 3.12.2014:

في 3.12.2014 نحو الساعة 16:00 وقعت عند مدخل مخيّم الجلزّون مواجهات بين فتيان وشبان - كانوا يرشقون الحجارة وجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود كانوا يطلقون عليهم الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. اختبأ كريم نخلة أحد سكّان المخيّم (وكان يبلغ الثامنة آنئذٍ) خلف سيّارة إسعاف متوقّفة قرب كراج قريب من مدخل المخيّم. عندما ارتفع وأطلّ برأسه لكي يشاهد ما يحدث أطلق نحوه جنديّ رصاص المعدن المغلّف بالمطّاط وأصابه في رأسه. حمله الفتية الذين كانوا هناك إلى سيّارة خصوصيّة نقلته إلى مستوصف المخيّم حيث قدّم له الإسعاف الأوّلي ثمّ أخذه والده إلى المنزل ومن ثمّ إلى مستشفى في رام الله. رقد كريم في المستشفى أربعة أيّام أجريت له خلالها عمليّة جراحية لإخراج الرّصاصة المعدنيّة التي استقرّت داخل رأسه.

في إفادته من يوم 3.1.2018 وصف حياته منذ الإصابة على النحو التالي:

Thumbnail
كريم نخلة. تصوير: بتسيلم, 21.2.18

بعد إصابتي بقيت ملازمًا البيت. لم أخرج ولم أذهب إلى المدرسة - خسرت امتحانات الفصل الأوّل وأيضًا في الفصل الثاني تغيّبت عن الدراسة بسبب فحوصات في عيادة الأعصاب التابعة للمستشفى. بدأت أعاني يوميًّا من دُوار وأوجاع في الرأس لا تخفّ إلّا حين أنام. صرت أخشى الخروج إلى الشارع أو اللعب مع أقراني وبقيت ملازمًا البيت. في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الإصابة كنت أحسّ وكأنّ في رأسي "خُرخيشة"ـ لكّن الطبيب طمأنني قال "لا تهتمّ. هذا سببه الإصابة وسوف يختفي مع الوقت".

بقيت مدّة طويلة في حالة صدمة وهلع. أخذت تنتابني أوجاع في الرّجلين وتقلّصات في العضلات. أفكاري مشتّتة ولا أقدر على التركيز. كنت أتذكّر كثيرًا لحظة إطلاق النار فينتابني الهلع. كنت أخاف أن أنام بسبب الكوابيس. بعد الإصابة ولمدة سنة ونصف على الأقلّ كنت أنام في غرفة والديّ. واليوم أيضًا من حين لآخر أصاب بنوبات هلع وأخاف النوم وحدي وعندها أذهب للنّوم في غرفة والديّ.

منذ إصابتي أصبحت عصبيًّا جدًّا جدًّا. تغضبني أتفه الأمور وأتخاصم مع إخوتي وأصدقائي من أبناء الحيّ. أصبحت لا أحبّ الذهاب إلى المدرسة كما في السابق. قبل الإصابة كان معدّل علاماتي في الثمانينيّات ومن يومها هبط إلى الستينيّات. كنت أحبّ لعبة كرة القدم ولكنّي اليوم أكاد لا أمارسها. عندما أفعل أخاف من أيّ شيء قد يقترب من رأسي أرتعد خوفًا حتّى من ظلّ إذا اقترب منّي.

أنزعج جدًّا عندما يتحدّثون قربي عن أناس أصابتهم نيران الجيش. عندما يحدث ذلك أصرخ في الناس وأطلب منهم أن يصمتوا او يغيّروا الموضوع أو أنّني أقوم وأترك المكان. عندما تحدث مظاهرات في محيط المدرسة أتوتّر كثيرًا وأرغب في الفرار إلى البيت لأنّي أخاف أن يحدث لي الشيء نفسه مرّة ثانية. أنا الآن في الصف السادس. أفكّر أحيانًا وأتساءل: لماذا حدث هذا لي؟ ما ذنبي أنا؟ ماذا فعلت لكي يطلقوا عليّ النار؟ لماذا لا يمكنني الخروج واللّعب مثل بقيّة الأولاد دون خوف ودون معاناة الدّوار وكثرة التعب.

محمد نخلة والد كريم البالغ من العمر 45 عامًا وصف في إفادته أمام بتسيلم في 7.2.2018 أثر الإصابة على حياة ولده: 

Thumbnail
محمد نخلة. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم, 28.3.18

يعاني ابني من الرهاب (الفوبيا) من كل شيء يقترب من راسه وهو لا يتحمّل أن يقترب أحد منه حتّى عندما يلعب مع الأولاد في الحارة. هو يتوتّر أيضًا من منظر الدم أو أيّ جريح حتّى لو في حادث طرق. وعندما نشاهد منظرًا كهذا في التلفزيون أو الإنترنت يدير رأسه ويطلب منّي أن أغلقه. بعد إصابته لم يرغب في الخروج إلى أيّ مكان وفضّل الانغلاق على نفسه داخل المنزل وهذا أثّر على العائلة كلّها. حاولنا أن نساعده على التأقلم رويدًا رويدًا. خشينا أن يتدهور وضعه النفسي. طلبنا من أصدقائه أن يأتوا لزيارته وقضاء الوقت معه عندنا في المنزل. أكثر وقت كان يخاف فيه هي ساعات اللّيل وكان يخشى النوم وحده. ظلّ ينام في غرفتنا طيلة أكثر من سنة ونصف.

في السنتين الأخيرتين أراد كريم أن نعامله كما الكبار وكان يغضب كثيرًا عندما نعامله على أنّه طفل. يُستثار بسهولة ويردّ بعنف على إخوته وأخواته عندما يطلبون منه شيئًا. أحيانًا تصيبه نوبات عصبيّة يظلّ يغلي مدّة بضع دقائق وأحيانًا يضرب رأسه بالحائط. في مثل هذه الحالات نحن نحاول أن نحتوي غضبه ونهدّئه ونتحدث إليه كما نتحدّث مع شخص بالغ.

المصاب فادي نخلة البالغ من العمر 34 عامًا وهو سائق تاكسي ومتزوّج وأب لثلاثة - جُرح يوم 23.11.2013:

في 23.11.2013 نحو الساعة 17:00 وقعت مواجهات بين سكّان مخيّم الجلزّون والجنود قرب مدخل المخيم وفي داخله. في الساعة 17:30 عاد فادي نخلة (سائق تاكسي من سكّان المخيم وكان آنئذٍ في الثلاثين من عمره) إلى المخيّم ومعه ركّاب. نظرًا للمواجهات أنزل نخلة الركّاب وأوقف سيّارته في الجهة الغربية من المخيّم بعيدًا عن موقع المواجهات ثمّ تابع طريقه مشيًا إلى منزله. أطلق نحوه جنديّ كان في المنطقة النيران الحيّة وأصابه في ركبته اليمنى وقد حمله من المكان شبّان كانوا قريبين منه ونقلوه إلى مستوصف المخيّم حيث تلقّى الإسعاف الأولى ومن ثمّ نُقل في سيارة إسعاف إلى مستشفى في رام الله كانت قد اضطرّت إلى سلوك طريق التفافيّ.

في المستشفى تبيّن أن الرّصاصة أصابت عصبًا وشريانًا في الركبة وتسبّبت في كسر العظم كما تبيّن وجود شظايا في بطن نخلة - الذي رقد في المستشفى طيلة 12 يومًا أجريت له خلالها عملية لإخراج الشظايا وتجبير للكسر في رجله. منذ ذلك الحين وهو يعاني آلامًا في رجله ويلاقي صعوبة في الحركة كما أنّه اضطرّ إلى تقليص عمله بحيث ينقل المسافرين داخل المخيّم فقط.

Thumbnail
فادي نخلة. تصوير: بتسيلم, 27.2.18

في إفادة أدلى بها يوم 11.2.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، تحدّث عن حياته منذئذٍ:

بعد أن خرجت من المستشفى بقيت في الفراش مدّة أسبوع. كنت استعين بالآخرين لكي أذهب إلى المرحاض واستخدمت أيضًا كرسيًا متحركًا. احتجت الكرسي المتحرك لمدّة شهرين ثمّ استخدمت جهاز تنقّل (walker) لمدّة ثلاثة أشهر وانتقلت من بعدها إلى استخدام العكاكيز طيلة سنة ونصف - إلى أن تمكّنت من الدوس برجلي على الأرض. تسبّبت الإصابة برجلي اليمنى بقصر فيها وعرَج. غيّرت الإصابة حياتي كلّيًّا. في السنوات الثلاث الأولى لم أستطع العمل بتاتًا واضطرّ والدي إلى بيع التاكسي الذي كنت أعمله عليه. دعمني والدي وإخوتي ماليًّا كما أنّني تلقّيت مخصّصات من دائرة الجرحى الفلسطينيين بمبلغ 1200 شيكل شهريًّا. تحدّدت نسبة العجز عندي بـ40%. شعرت بأنّني عالة على الآخرين.

كنت أحلم بتوفير مبلغ كافٍ لشراء منزل خارج المخيّم وبدء حياة جديدة مع أسرتي لكنّ هذا الحلم تلاشى وانتهى أمره. المخصّصات التي أتلقّاها تكاد لا تكفي لشراء الأكل لأفراد أسرتي. فوق ذلك فطيلة سنة كاملة كنت أسافر ثلاث مرّات أسبوعيًّا للتأهيل في مركز أبو ريّا لطبّ العظام في رام الله. موّلت السلطة الفلسطينية العلاج ولكن ليس مصاريف السّفر ووضعي لم يكن يسمح باستخدام المواصلات العامّة، فكنت أضطرّ لطلب تاكسي خصوصي ودفع 30 شيكل في كلّ سفرة.

قبل سنة ونصف عدت للعمل كسائق تكسي لكن في داخل المخيّم فقط لأنّ هذا أسهل عليّ من السّياقة بين المدن حيث يحتاج الأمر مركبات ضخمة كـ"الترانزيت". أكسب في الشهر 1.500 شيكل بصعوبة يضاف إليها المخصّصات التي أتلقّاها من دائرة الجرحى الفلسطينيين. التنزّه في الخارج والخروج إلى المطاعم أو المتنزّهات أو السفر أصبحت أمورًا لا أستطيع حتّى التفكير فيها.

بسبب قعودي في المنزل لمدّة طويلة سوى الخروج للعلاج وبسبب حساسيّة رجلي، تولّد عندي خوف من إنشاء علاقة مع الناس. يكفي أن يمرّ بقربي أحد لأحسّ أنّه على وشك أن يدوس على رجلي وأحيانًا أبادر لدفعه بعيدًا عنّي. أحاول الامتناع عن ذلك ولكن الأمر ليس بيدي. أصبحت عصبيّ المزاج جدًّا وقليل الصّبر وأحيانًا أصرخ على زوجتي وأولادي أو إخوتي. في الماضي كنت أخطّط لنقل الأولاد من مدرسة المخيّم إلى مدرسة خاصّة في قرية جفنا المجاورة أمّا الآن فلا يمكنني ذلك. وفي الماضي كنت أشتري لهم ملابس جديدة كلّ شهرين أو ثلاثة وكنت أوفّر لهم كلّ ما يحتاجونه أمّا اليوم فأشتري لهم الملابس مرّتين في السنة في العيدَين بصعوبة. في فترة المعاناة بعد الإصابة كنت أرى والدي وأولادي يبكون لحالي. كان ذلك يؤلمني جدًّا. كل ما في الأمر أنّني كنت عائدًا من عملي عندما قرّر الجندي الإسرائيلي أن يطلق عليّ النار مسبّبًا لي كلّ هذه المعاناة والأضرار. لقد حطّم أحلامي وآمالي والتي كانت بسيطة مثل أحلام وآمال كلّ الناس في المخيّم: أن أشتري قطعة أرض خارج المخيّم أبني عليها منزلاً صغيرًا لي ولأسرتي. حلمت أن يرتاد أولادي مدارس خاصّة وأن تتاح لهم حياة مختلفة عن حياتنا الصعبة داخل مخيّمات اللّاجئين - نحن نعيش في معاناة وبؤس وتعاسة وفقر. كان أملي أن يعيشوا حياة سعيدة ومريحة مثل غيرهم من أطفال العالم.

المصاب جهاد مصري البالغ من العمر 24 عامًا - أصيب في 7.2.2014

في 7.2.2014 وقعت مواجهات قرب مدخل مخيّم الجلزّون للّاجئين احتجاجًا على مقتل محمد مبارك (كان يبغ من العمر 20عامًا وهو من سكّان المخيّم) الذي أطلق الجنود النار عليه يوم 29.1.2014 قرب عين سينيا شماليّ المخيّم. أشعل السكّان خلال المواجهات إطارات وأغلقوا الشارع فيما أطلق عليهم الجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود النيران الحيّة وقنابل الغاز المسيل للدّموع من مسافة لا تتجاوز بضعة عشرات من الأمتار. في خضمّ الأحداث أصيب من سكّان المخيّم جهاد مصري (وكان يبلغ 20 عامًا آنئذٍ) في خاصرته بنيران أطلقها أحد عناصر شرطة حرس الحدود. نُقل مصري إلى المستشفى وهناك تبيّن أنّ الرّصاصة مزّقت أمعاءه وأعصاب رجله اليسرى وأنّه يعاني نزيفًا داخليًّا. رقد مصري في المستشفى طيلة أسبوعين وأجريت له خلالها عمليّة جراحية. وقد واصل في منزله تلقّي العلاج بالمسكّنات وأدوية لمعالجة الجهاز الهضمي وفي هذه الأثناء كان يعود إلى المستشفى لمتابعة الفحوصات الطبّية.

في 7.4.2014 جاء جنود إلى منزل مصري وكبّلوه واقتادوه إلى مركز توقيف "بيت إيل". وحين جُلب للتحقيق لدى جهاز الأمن العامّ الإسرائيلي (الشاباك) وجّه إليه المحقّقون تهمة رشق الحجار ومن ثمّ جرى نقله إلى سجن "عوفر" ومن هناك إلى عيادة مستشفى سجن الرملة حيث رقد مكبّلاً بالسرير. أمضى مصري يومين في العيادة ثمّ أعيد إلى سجن "عوفر" حيث جرى احتجازه طيلة ثلاثة أشهر ونصف وأخلي سبيله ضمن صفقة ادّعاء. :

في إفادة من يوم 13.2.2018 قال

Thumbnail
جهاد مصري. تصوير: بتسيلم, 21.2.18

عندما كنت في السجن اهتمّ بي بقيّة السجناء بسبب وضعي الصحّي. المعاناة الأكبر كانت عند نقلي في "البوسطة" وهي السيارة التي يجلبون فيها السجناء إلى المحكمة. كانوا يأخذوننا مرّة في الأسبوع تقريبًا حيث نخرج في الساعة 4:00 أو 5:00 فجرًا مكبّلي الأيدي والأرجل في حافلة ملأى بالسجناء إلى معبر الرّملة. هناك كانوا يحتجزوننا طيلة النهار داخل غرفة انتظار صغيرة قذرة ومقرفة ورائحتها كريهة لا تتعدّى مساحتها بضعة أمتار، أشبه بزنزانة. المرحاض موجود داخل الغرفة وهو قذر ورائحته الكريهة تعبق في المكان. أحيانًا كانوا يدخلون إلى هذه الغرفة حتّى ثمانية أسرى بحيث كنّا نعثر بصعوبة على فرشة نستلقي عليها.

كذلك داخل السجن مرّت عليّ أيّام صعبة خاصّة لأنّ جرحي كان ما يزال جديدًا. عندما كنت أطلب من طبيب السجن أن يعطيني دواء كان يعطيني فقط "أكامول" (مسكّن أوجاع) أو ينصحني بشرب الماء. في النهاية توقّفت عن التوجّه إليه. كذلك الطعام كان عذابًا بالنسبة إليّ. كنت بحاجة إلى طعام صحّي وحيث لا يوجد في السجن شيء كهذا كنت أتناول أطعمة أكثر صحّية أشتريها من "الكنتين" مثل الحليب والتونا والفواكه وأنواع من الحساء.

قبل إصابتي كنت رياضيًّا أرفع الأثقال وأشارك في مسابقات ضمن النادي الرياضي في مخيّم الجلزّون. وقد فزت أيضًا بكؤوس وميداليات - كانت هذه من أفضل أيّام حياتي. هذا كلّه فقدته بعد الإصابة. كان وزني 105كغم وهبط بعد الإصابة إلى 73 كغم. الشعور بالخدر في فخذي الأيسر يقيّد حركتي ويصعّب عليّ المشي لمسافات طويلة. في السابق كنت أحبّ النّزهات ولكنّي اليوم لا أجرؤ على المشي لمسافة أكثر من 200 أو 300 متر من بعدها تشتدّ أوجاعي فأعرُج. أمّا عن الرّكض فلا حاجة للكلام. أكثر ما أشتاق له اليوم رفع الأثقال لكنّي لا أحسّ أنّ هناك احتمال للعودة إلى ممارسته كما في السابق. كان حلمي أن أفوز ببطولة ولم يتبقّ من هذا الحلم شيء. 

Thumbnail
جهاد مصري قبل إصابته. الصورة قدّمتها العائلة مشكورة

عليّ أن أجد عملاً مناسبًا لوضعي بحيث لا يحتاج جهدًا كبيرًا فهذا يؤثر على صحّتي. لهذا السبب لم أستطع العودة إلى العمل في سوبرماركت والدي على سبيل المثال لأنّه عمل يتطلّب حركة كثيرة ووقوفًا مستمرًّا ورفع أغراض ثقيلة - وكلّها أمور لا يمكنني القيام بها. في الوقت الحالي وحيث أنّ الوضع المادّي لعائلتي جيّد أتلقّى الدعم من والدي بل هو كلّما رآني أبحث عن عمل قال لي "استرحْ حاليًّا فأنت الآن لست بحاجة" لكنّي لا أستطيع. أنا أريد أن أكون مثل بقيّة البشر أن أعمل وأن أبني مستقبلي وأقيم أسرَة. لذلك لم أوقف البحث عن عمل. قبل ثلاثة أشهر وجدت عملاً في وكالة لبيع السيّارات في رام الله. إنّه عمل مكتبيّ يتضمّن إنشاء العلاقات مع الزبائن ولا يحتاج جهدًا جسديًّا كبيرًا. صاحب الوكالة إنسان متفهّم لوضعي ولا يطلب منّي القيام بأعمال تفوق قدرتي. الرّاتب لا يكفي لشيء بصعوبة يكفي لمصاريف السفر والسجائر وساندويش أشتريه وأنا في العمل. امّا لو فكّرت بالزواج وإقامة أسرة أو بتحقيق جزء من أحلامي - مثل شراء سيّارة وبناء أو شراء منزل فلا يوجد احتمال لحدوث ذلك مع مثل هذا الرّاتب - 2.000 شيكل في الشهر. لولا أنّي أتلقّى الدعم المالي من والدي لكنت الآن غارقًا في الدّيون. أنا متوتّر وقلق طيلة الوقت ومُحبَط وأحسّ أنّ الأفق مسدود أمامي فوضعي لا يبشّر باحتمالات لتحسّن جسديّ أو نفسيّ.

المصاب مالك غوانمة البالغ من العمر 19 عامًا - أصيب في 13.3.2015:

في 13.3.2015 نحو الساعة 13:00 جرت مظاهرة قرب مدخل مخيّم الجلزّون للّاجئين احتجاجًا على بناء جدار على امتداد الحدّ الغربيّ لمستوطنة "بيت إيل" المجاورة. خلال المظاهرة رشق بعض الشبّان الجنود بالحجارة بواسطة المقاليع فأطلق هؤلاء بدورهم قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع والرّصاص "المطّاطي" نحوهم فأصيب بنيرانهم مالك غوانمة (كان يبلغ 17 عامًا آنئذٍ) في رجله اليمنى حين كان قرب مفرق جنوبيّ المخيّم. نُقل المصاب إلى المستشفى حيث رقد أسبوعًا أجريت له خلاله عملية جراحيّة. خرج غوانمة إلى منزله ورجله مثبّتة بالبلاتين وملفوفة بالجبس لكنّ وضعه تدهور لاحقًا وأجريت له عمليّتان إضافيّتان.

Thumbnail
مالك غوانمة. تصوير: بتسيلم, 21.2.18

في إفادة أدلى بها يوم 2.1.2018 أدلى بما يلي:

أنا قابع في البيت منذ الإصابة لا أقدر على العمل كما في السابق ولا على التحرّك بحرّية. ما زلت أحتاج العكاكيز من حين لحين.

قبل الإصابة كنت أحبّ اللّعب على لوح التزلّج (skateboard) واللّعب مع أصحابي حيث كنّا نخرج للبريّة ونصطاد العصافير بواسطة الشباك لكنّي لا أستطيع اليوم أن أفعل شيئًا من هذا. وكانت لديّ رغبة في العمل وتوفير المال لأجل بناء منزل لي وإيجاد شريكة لحياتي وإقامة أسرة كما يفعل كلّ شابّ وجميع الناس وأيضًا لا أستطيع اليوم تحقيق شيء من هذه الأمور. أنا بصعوبة أتمكّن من التجوّل في الحيّ والوصول إلى دكّان البقالة. لا يوجد في المخيّم مركز تأهيل أو مكان يمكن تعلّم مهارات جديدة واكتساب مؤهّلات بديلة. الوصول إلى رام الله صعب ومُكلف وأبي يعيلنا بصعوبة. في البرد تؤلمني رجلي كثيرًا ويصيبني فيها خدر وعليه لا أستطيع الخروج في البرد بتاتًا.

قبل نصف سنة تقريبًا وجدت عملاً بتنظيف العمارات في مدينة روابي غير أنّي عملت هناك مدّة عشرين يومًا ثمّ اضطررت إلى ترك العمل بسبب تقلّصات كانت تنتابني في رجلي وأحيانًا كنت أقع بسببها. كنت أستريح لوقت قصير ثمّ أعود للعمل ولكن التقلّصات كانت تستمرّ لساعات فأضطرّ إلى العودة إلى المنزل. تجاهل صاحب العمل الموضوع بضع مرّات ولكن حين تكرّر الأمر يوميًّا أصبح من الصعب عليه القبول بذلك. الآن أنا أجلس في البيت وأعاني الملل والتعب. أنغلق على نفسي وأردّ بعصبيّة على إخوتي وأخواتي وأحيانًا على أبي وأمّي حتّى. بسبب توتّر الأجواء في البيت جرّاء تصرّفاتي يشجّعني والداي على الخروج من المنزل والتجوّل قليلاً في الخارج.

قبل شهرين وجدت عملاً جديدًا في شركة البينار لمنتجات الألبان في رام الله وأيضًا في هذه المرّة لم أنجح بسبب الأوجاع والتقلّصات واضطررت لترك العمل. أنا الآن عاطل عن العمل مجدّدًا. لا يوجد مكان أذهب إليه لقضاء الوقت. يوجد في المخيّم مقهى إنترنت وفيه ألعاب إلكترونيّة. ألله وحده يعلم ما الذي سيحصل معي.

المصاب إبراهيم أبو عوقة البالغ من العمر 25 عامًا - أصيب في 8.5.2015:

في 8.5.2015 نحو الساعة 14:00 وقعت مواجهات قرب المدارس خارج المخيّم بين بضعة عشرات من السكّان الذين رشقوا الحجارة وبين جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود. أصيب إبراهيم أبو عوقة وهو من سكّان المخيّم (كان يبغ 22 عامًا أنئذٍ) في رقبته بالرصاص المطاطي أطلقه نحوه جنديّ. على أثر ذلك حمله بعض الشبّان إلى سيّارة إسعاف لاقتهم خارج المخيّم ونقلته إلى مستشفًى في رام الله. رقد أبو عوقة في المستشفى مدّة أسبوع أجريت له خلاله عمليّة جراحية لكنّ الأطبّاء حذّروه أنّ عليه الامتناع عن العمل الذي يتطلّب جهدًا لأنّ هذا قد يمزّق شرايين وأوتار رقبته. ف

ي إفادة أدلى بها يوم 8.2.2018 قال:

Thumbnail
إبراهيم أبو عوقة. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم

بعد خروجي من المستشفى بقيت في البيت ولم أقدر على العمل رغم أنّ مهمّة إعالة أسرتنا كانت ملقاة عليّ. نحن ثمانية أنفار ولا أحد يعمل غيري. قبل إصابتي كنت أعمل بالبناء وأعمالًا صعبة أخرى. شعرت أنّني سجين في المنزل ولم أستطع تحمّل ذلك. من حسن حظّي أنّ أصدقائي كانوا يُخرجونني من حين لآخر لقضاء الوقت.

أحيانًا حين أبذل جهدًا أحسّ أنّ القطب الداخليّة تشتدّ وتؤلمني. أكثر ما أخافه أن تنفكّ القطب ويحصل لي سوء. لقد اختفت الأوجاع ولكنّي أعاني نفسيًّا منذ الإصابة. عندما أتحدّث مع الناس أحاول أن أزيح رأسي بحيث لا يلاحظوا التشوّه في رقبتي. أنا شابّ في مقتبل العمر وأريد أن أجد شريكة لحياتي وأتزوّج مثل كلّ الشبان. الإصابة والندوب تؤثّر على ثقتي بنفسي ولكنّي مع ذلك آمل أن أنجح في إيجاد زوجة. وددت لو أجري عمليّة تجميل لكنّ الأطبّاء قالوا لي إنّ هذا يكلّف آلاف الدولارات وأنا مدخولي محدود جدًّا. من أين سأحصل على مثل هذه المبالغ؟ أحاول عدم التفكير في ذلك.

فقط قبل أربعة أشهر عدت للعمل. وجدت عملاً كمساعد في حانوت ملابس لكنّي أتقاضى راتبًا بقيمة 1.800 شيكل في الشهر وهذا يكاد لا يكفي لشيء ولكنّي لا أملك بدائل فأنا لا أستطيع العودة لعمل يتطلّب جهدًا كما في السابق كالعمل في البناء مثلاً.