Skip to main content
Menu
المواضيع

بتسيلم تقدّم استئنافًا على إغلاق ملف التحقيق بشأن مقتل إبراهيم سرحان

إبراهيم سرحان، الصورة بلطف من العائلةفي يوم 22/7/2013 قدّمت بتسيلم استئنافًا إلى النائب العسكريّ الرئيسيّ ضدّ قرار إغلاق ملف التحقيق في مقتل إبراهيم سرحان من دون تقديم اية شخص إلى المحاكمة. وأعلمت النيابة العسكرية بتسيلم أنّ "ملف التحقيق أُغلق لعدم وجود أدلة يستوجبها النهج الجنائيّ، على ارتكاب مخالفة واتخاذ التدابير". وقُدّم الاستئناف بعد أن أشارت معاينة ملف التحقيق إلى وجود أدلة حاسمة في الملف تشير إلى أنّ إطلاق الرصاص القاتل على سرحان تمّ خلافًا لأوامر إطلاق النار ومن دون أيّ مبرّر. وتشكّل مخالفة أوامر إطلاق النار جنحة جنائية. وعند الحديث عن حالة واضحة كهذه من انتهاك الأوامر، يجب اتباع عقوبة جنائية وتقديم الجنديّ مطلق النار إلى المحاكمة.

وقد قُتل إبراهيم سرحان رميًا بالرصاص يوم 13/7/2011 قرابة الساعة 5:00 صباحًا، أثناء حملة لاعتقال مطلوبين في مخيم الفارعة للاجئين في قضاء طوباس، في حين لم يكن سرحان من بين المطلوبين. ووفق الإفادات التي جمعتها بتسيلم ومواد التحقيق في الملف، فإنّ سرحان التقى بفرقة من عدة جنود وهو يسير في المخيم، وبناءً على طلب أحد الجنود توقف ورفع يديه، ولكنه استدار بعد ذلك وهرب من المكان. بدأ الجنديّ بالقيام بإجراء اعتقال مشتبه به: طلب منه التوقف، ثم أطلق رصاصة واحدة في الهواء وبعدها أطلق النار على سرحان وأصابه في فخذه. نجح سرحان في الهرب واختبأ في أحد البيوت، لكنّ الجنود الذين كانوا في أعقابه عثروا عليه. وفّر الجنود لسرحان العناية الطبية الأولية، ونتيجة لوضعيته الصعبة جدًا تقرّر نقله من هناك بسيارة إسعاف فلسطينية حضرت إلى الموضع. وقد توفي سرحان متأثرًا بجراحه في طريقه إلى المستشفى.

الجندي الذي أطلق الرصاص على سرحان طرح ثلاثة مسوّغات لتبرير إطلاق الرصاص: 1) كان سرحان يشبه في نظره الوصف الذي حصل عليه بخصوص أحد المطلوبين؛ 2) اعتقد الجنديّ أنّ سرحان استوفى تعريف "هارب"، وهي فئة معرّفة في ضمن أوامر إطلاق النار في إطار إجراء عملية اعتقال؛ و3) كان سرحان مشتبهًا، بحسب رأيه، في ارتكاب جريمة خطرة بمجرد قيامه بتلك التصرفات. ويرى الجنديّ أنه "في حال هروب (شخص) محليّ بهذا الشكل فإنّ لديه ما يخسره"، وإذا لم يكن لديه ما يخسره، "فسيحاول إثبات براءته، وسيتكلم ويتوقف عند سماعه كلمة "وقّف" ويجيب عن أسئلتنا". وادّعت بتسيلم في الاستئناف أنّه لا يمكن لأحد هذه التسويغات أن يبرّر إطلاق الرصاص. 1) الشبه الخارجي المزعوم استند على توصيف عام جدًا لهيئة المطلوب؛ 2) اتضح من ملف التحقيق تعريف واضح لفئة "هارب"، إلا أنّ سرحان لم يستوفِ شروط هذه الفئة؛ 3) وبالأساس، تسمح أوامر إطلاق النار بإطلاق الرصاص باتجاه شخص ما في حالة تشكيل خطر على الحياة أو أثناء تنفيذ اعتقال لمشتبه بارتكاب جريمة خطرة. ولكنّ الجنود لم يتعرضوا أثناء إطلاق الرصاص على سرحان إلى أيّ خطر، وسرحان لم يكن مشتبهًا بأيّ مخالفة، وهو بالتأكيد لم يكن متهمًا بارتكاب جريمة خطرة. وقد شُدّد في أوامر إطلاق النار على أنّ عدم الامتثال لأمر التوقف والهرب لا يشيران بالضرورة إلى اشتباه بارتكاب جريمة خطرة.

ومع أنّ أوامر إطلاق النار تفسح مجالاً لا بأس به لاعتبارات الجنديّ وتحكيم رأيه، إلا أنّ المسألة لا تكمن في هذا. فحيث تكون أوامر إطلاق النار حاسمة وقاطعة، مثل منع إطلاق الرصاص على شخص مشتبه بالهروب فقط، ليس هناك أيّ مجال لتحكيم الرأي. الغاية من أوامر إطلاق النار هي وضع قواعد أمان وتقليص الخطر المَبنويّ الذي ينبع من مجرد استخدام السلاح، وخصوصًا خطر المسّ بالأبرياء والمسّ غير التناسبيّ.

سير التحقيق في مقابل وجود استقصاء ميدانيّ:

كان إبراهيم سرحان الفلسطينيّ الأول الذي يقتله الجيش في الضفة الغربية بعد وضع سياسة التحقيق الجديدة،والتي تقضي بأن تفتح النيابة العسكرية تحقيقًا فوريًا لدى الشرطة العسكرية في كلّ حالة يُقتل فيها فلسطينيّ لم يشارك بالاقتتال في الضفة الغربية. ويتضح من ملف التحقيق أنّ النيابة العسكرية أمرت حقًا الشرطة العسكرية المحققة بفتح تحقيق في نفس يوم الحادثة، لكن وبرغم جهود الشرطة العسكرية المحققة منعت الجهات الميدانية وجهات رفيعة في الشرطة العسكرية المحققين من جمع إفادات من الجنود طيلة سبعة أيام من وقت وقوع الحادثة، حتى انتهاء الاستقصاء الميدانيّ بعد ستة أيام على ذلك، أي في يوم 19/7/2011.

لا ينحصر تأثير إجراء الاستقصاء الميدانيّ قبل جمع الإفادات في تأجيل التحقيق الجنائيّ فحسب، بل يؤثر أيضًا على الإفادات التي أدلى بها الجنود في التحقيق. وقد مُنع الجنود المشاركون في الاستقصاء الميدانيّ من الكشف في إفاداتهم عن تفاصيل يعرفونها من الاستقصاء نفسه. كما امتنع جنود أثناء إدلائهم لإفاداتهم في الملف، عن الإجابة على أسئلة المحققين، حيث لم يستطيعوا أن يقررّوا ما إذا كانت معلومة معيّنة معروفة لهم قبل الاستقصاء الميدانيّ أيضًا، الأمر الذي أثّر على نجاعة التحقيق. كما تمثلت مشكلة أخرى في إساءة استخدام هذا الأمر، كما حدث عندما رفض قائد السّريّة في أثناء إفادته الردّ على السؤال حول من كان الجنديّ مطلق الرصاص ومن كان معه من الجنود في الخلية. من الصعب الاقتناع بروايته، أنه لم يطّلع على تركيبة الخلايا المختلفة إلا في إطار الاستقصاء الميدانيّ، وذلك برغم دوره في الحملة. وحقيقة أنّ المحققة في الشرطة العسكرية التي سجّلت إفادته قبلت هذا الادعاء، هي أمر غريب. إلى جانب هذه المشاكل، لم تتخذ الشرطة العسكرية المحققة، في مقابل الاستقصاء الميدانيّ، أيّ نشاط تحقيقيّ آخر، مثل مصادرة أسلحة الضالعين في الحادثة. وقد اتضح فيما بعد أنه لا يوجد خلاف حقًا بشأن هوية مطلق الرصاص، إلا أنّ هذا لم يكن بالأمر الذي يمكن معرفته سلفًا.

اليوم، وخلافًا للسابق، لا يشكل الاستقصاء أساسًا للحسم والبتّ في قرار فتح تحقيق جنائيّ في حال مقتل فلسطينيّ لم يشارك في الاقتتال في الضفة الغربية. مع هذا، فإنّ حقيقة تمتع الاستقصاء بأولوية في مقابل التحقيق هي مسألة بالغة الإشكالية. فجودة الاستقصاء الذي يدلي في إطاره كلّ الضالعين في الحادثة روايتهم عمّا حدث، سوية، يسمح بتنسيق الروايات والإفادات، سواءً أكان هذا مقصودًا أم لا. زيادة على ذلك، يحقّ لمن يجري الاستقصاء أن ينفذ تدابير تحقيق إضافية، منها جمع أدلة ميدانية وفحص الأسلحة وغيرها، الأمر الذي قد يمسّ بصدقية الأدلة. في مثل هذه الحالة، يقوم الاستقصاء بالتشويش على الأدلة، كما أنه يؤخر سير التحقيق بشكل فعليّ، ويمس بنجاعته ويمنع المحققين من الوصول إلى معلومات هامة في أقصر فترة ممكنة فور وقوع الحادثة.