Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

19.12.06: محكمة العدل العليا تفرض القيود على سياسة الاغتيالات التي تتبعها إسرائيل

نشرت محكمة العدل العليا يوم 14.12.2006 قرار الحكم في الالتماس الذي تقدمت به اللجنة الشعبية ضد التعذيب ومنظمة "القانون"، في كانون الثاني 2002، ضد سياسة الاغتيالات التي تنفذها إسرائيل بصورة رسمية منذ بداية الانتفاضة الثانية. وفقا للمعطيات المتوفرة لدى بتسيلم، منذ أيلول 2000، قتلت إسرائيل 339 فلسطينيا في إطار سياسة الاغتيالات، من بينهم 210 كانوا هدفا للاغتيال و- 129 من المدنيين المارة.

وقد حددت محكمة العدل العليا في هذا الحكم أنه "يجب عدم التحديد مسبقا بأن أي عملية تصفية موضعية [أي اغتيال] محظورة حسب القانون الدولي المتعارف به، مثلما ينبغي عدم التحديد مسبقا بأن كل تصفية موضعية مسموح بها حسب القانون الدولي المتعارف به. إن أحكام التصفية الموضعية محددة في القانون الدولي المتعارف به، ويتوجب تحديد قانونية كل إصابة فردية على ضوئها" (البند 64 من قرار الحكم). وقد أرست محكمة العدل العليا هذا الاستنتاج بناء على عدد من الثوابت الأساسية بخصوص التفسيرات المعتبرة للقانون الإنساني الدولي والتي تُضيِّق، ولو بعض الشيء، على حرية ممارسة إسرائيل لعملياتها ضد المنظمات الفلسطينية التي تحاربها:

أولا: رفض قرار الحكم لموقف الدولة الذي يرى أن الأعضاء المسلحين في المنظمات الفلسطينية الذين يحاربون إسرائيل ليسوا بمثابة مدنيين أو مقاتلين – وهما مجموعتان محددتان في القانون الإنساني الدولي – بل ينتسبون إلى فئة ثالثة تسمى "مقاتلون غير قانونيين". ووفقا لإدعاء الدولة، فإن الأشخاص الذين ينتسبون إلى هذه الفئة، مثل المدنيين، لا يستحقون الميزات الخاصة بأسرى الحرب إذا تم إلقاء القبض عليهم، غير أنهم كما هو حال المقاتلين يعتبرون هدفا مشروعا للمس بهم ما دام النزاع العسكري مستمراً. وطبقا للحكم القضائي الصادر، فإن هذه الفئة غير موجودة. ويتضح من الحكم الصادر بأنه نظرا لعدم استيفاء الأعضاء المسلحين في المنظمات الفلسطينية لتعريف المقاتلين، فإنهم بالضرورة من المدنيين ويتوجب التعامل معهم طبقا للأحكام الواردة في القانون الإنساني الدولي المتعلق بالمدنيين الذين يشاركون في القتال.

ثانيا: طبقا لادعاء الدولة، نظرا لأن أعضاء المنظمات الفلسطينية من "المقاتلين"، حتى لو كانوا غير قانونيين، فإنها غير ملزمة حسب القانون الإنساني باعتقالهم، عندما يكون الأمر ممكنا، بدلا من قتلهم. ووفقا لما أدلت به الدولة، فإن إسرائيل عندما تفضل اعتقال هؤلاء "المقاتلين غير القانونيين" بدلا من قتلهم، فإنها تفعل ذلك من باب التساهل وعدم التمسك بصرامة القانون. وقد رفضت محكمة العدل العليا هذا الادعاء وحددت أن مبدأ التناسب يُلزم إسرائيل في كل الأحوال بإتباع وسيلة تُلحق أقل الضرر بحقوق الإنسان. "إن الاعتقال، التحقيق والمثول أمام القضاء ليست وسائل يمكن انتهاجها بصورة فورية"، كما ورد في قرار الحكم، "ومع ذلك، فهذه إمكانية يمكن دائما أخذها بالحسبان"، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش سيطرة فعالة (البند 40 من قرار الحكم).

كما تعاطت محكمة العدل العليا في قرار الحكم مع السؤال: من الذي يمكن أن يُعتبر هدفاً مشروعا للقتل ... وقد حددت محكمة العدل العليا أنه إذا لم يكن هناك إمكانية معقولة لتنفيذ الاعتقال، فإن القانون الإنساني يتيح قتل المدنيين الذين يشاركون بصورة غير قانونية في القتال، بشرط أن مشاركتهم هي مشاركة "مباشرة". ولا تقتصر هذه الفئة على الذين ينفذون الهجمات من الناحية الفعلية وحسب، بل تضم من أرسلهم ومن يُساعدهم بصورة مباشرة: وبضمن ذلك من يقوم باستطلاع المعلومات قبل الهجوم أو من يسير بمنفذي الهجوم إلى مكان الهجوم. غير أنه طبقا لقرار الحكم، فإن المساعدة من خلال توفير التحليل الإستراتيجي، الدعم اللوجيستي والمالي أو بث الدعاية، تعتبر مساعدة غير مباشرة. أي أن الأشخاص الذين يقومون بمثل هذه الممارسات لا يعتبرون هدفا مشروعا للقتل.


بالإضافة إلى ذلك، فقد حددت محكمة العدل العليا، بخلاف إدعاء الدولة، بأن المدني الذي يشارك بصورة مباشرة في القتال لا يفقد حمايته كمدني إلى الأبد، بل فقط طيلة المدة التي يشارك فيها بالقتال. ومع هذا، فإن التفسيرات التي وفرتها محكمة العدل العليا لهذه الأمر واسعة للغاية: "المدني الذي ينضم إلى منظمة إرهابية وصارت بمثابة بيت له، وفي إطار وظيفته في هذا التنظيم يقوم بتنفيذ سلسلة من الأعمال العدائية، من خلال التوقف لفترات قصيرة من الاستراحة فيما بينها، يفقد حصانته من الهجمات" (البند 40 من قرار الحكم). ومع هذا، وفي كل الأحوال، وأيضا طبقا لهذا التفسير الواسع، فإن الشخص الذي شارك لمدة زمنية معينة، حتى لو كانت المشاركة مكثفة وملحوظة، ولكنه بعد ذلك توقف عن هذا، فإنه لا يعتبر بعد ذلك هدفا مشروعا للقتل. />/>

بخلاف السياسة المتبعة اليوم من قبل إسرائيل، فقد حددت محكمة العدل العليا بأنه "بعد تنفيذ الهجوم على مدني مشتبه بمشاركته المباشرة، في ذات الوقت، بعمل عدائي، يتوجب (بعد حدوث ذلك) إجراء فحص أساسي بخصوص الهوية الدقيقة للمصاب وملابسات إصابته. يتوجب أن يتم إجراء هذا الفحص بصورة مستقلة" (البند 39 من قرار الحكم). ولم يُفصل قرار الحكم ما هو الذي من اللائق اعتباره فحصا "مستقلا". على أية حال، من الواضح أن الجهات الخاضعة لمن كان مسئولا عن الاغتيال لا يمكن اعتبارها جهة مستقلة لغرض إجراء الفحص المذكور، طبقا لأي معيار متعارف عليه.

بالإضافة إلى ذلك، فقد عاودت محكمة العدل العليا التأكيد على أنه طبقا لمبدأ التناسب، فإن العملية الموجهة ضد هدف مشروع (أي مدني يشارك بصورة مباشرة في القتال) في الوقت المناسب (أي، طيلة المدة الزمنية التي يشارك فيها المدني بالقتال) ليست أيضا بالضرورة مسموحة طبقا للقانون الإنساني الدولي، وهذا، عندما يكون الضرر المحتمل حدوثه نتيجة هذه العملية بحق مدنيين أبرياء "مبالغ فيه" قياسا إلى الفائدة العسكرية المرجوة منها. طبقا لهذا المبدأ، فإن عملية إطلاق النار على قناص فلسطيني يطلق النار من شرفة بيته "يجب أن تكون تناسبية بحيث لا يسفر ذلك عن إصابة مدني بريء يسكن إلى جانبه أو صادف مروره قرب البيت. فما بالك لو قصف البيت من الجو وأصيب عشرات الساكنين والمارة" (البند 46 من قرار الحكم).


إن هذه القيود التي فرضتها محكمة العدل العليا على إسرائيل بخصوص تطبيق سياسة الاغتيالات هي بحد ذاتها لائقة. ومن شأنها أن تساهم في تعزيز المفهوم، الذي يتجسد في القانون الإنساني الدولي، والقاضي بعدم مشروعية جميع الوسائل خلال الحرب. وربما يعود الفضل لها في تقليص حجم القتل غير المبرر نتيجة سياسة الاغتيالات. />/>

ومع ذلك، فإن الضبابية التي صيغت بها بعض القيود المذكورة أعلاه تفسح المجال أمام إسرائيل للاستغلال السيئ للوضع، والتي قد تدعي من باب الدفاع عن نفسها بأن سياستها قد حازت على قبول محكمة العدل العليا. هكذا على سبيل المثال، رغم أن محكمة العدل العليا حددت أن على إسرائيل فحص إمكانية اعتقال كل مشتبه به بأعمال إرهابية قبل اتخاذ القرار باغتياله، فقد امتنعت المحكمة عن المناقشة المفصلة للاعتبارات التي يتوجب أخذها بالحسبان عند فحص إمكانية تنفيذ الاعتقال. إلى جانب ذلك، فإن حقيقة امتناع محكمة العدل العليا عن تحديد أي فحص يمكن اعتباره بصورة لائقة "فحصا مستقلا" يتيح للدولة الادعاء بأن التحقيق الميداني الذي يتم القيام به بصورة عامة بعد كل اغتيال من قبل جهات عسكرية منضوية ضمن السلسلة القيادية، يتفق مع هذا التعريف.

وفي الختام، فمن المقلق بصورة خاصة التحديد الذي وضعته محكمة العدل العليا والذي يعتبر المدنيين الذين يشكلون "درعا بشريا"، من خلال دعم المنظمات الإرهابية، بمثابة أشخاص يشاركون بصورة مباشرة في القتال، بشرط قيامهم بذلك "طواعية" (البند 36 من قرار الحكم). وهذا، على ضوء الحقيقة بأنه في حالات كثيرة لا يكون الهدف الذي يرغب المدنيون العاديون بحمايته "مقرا إرهابيا" بل بيتا شخصيا. بالإضافة إلى ذلك، من المستغرب كيف لمحكمة العدل العليا أن تتوقع من إسرائيل التأكد من أن مثول المدنيين على شكل "درع بشري" ينبع حقا من إرادة حرة وليس بفعل الإجبار من هذا النوع أو ذاك.


إن الاختبار الحقيقي لقرار الحكم، بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات، سيكون إذن، كما هو الحال بالنسبة لمعظم قرارات الحكم الأساسية الصادرة عن محكمة العدل العليا، اختبار التطبيق على أرض الواقع. />/>

كلمات مفتاحية