Skip to main content
حطام على سطح منزل أسامة حسين. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 16.8.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

سياسة قصف المناطق المأهولة توقع الضحايا مجدّداً - في هذه المرّة أصيب طفلان في رأسيهما وتضرّرت منازل

خلال شهر آب وطوال ثلاثة أسابيع بين 6.8.20 و- 31.8.20 شنّت إسرائيل - وفقاً لتصريحات الجيش - غارات جوّيّة ومدفعيّة استهدفت أكثر من مئة موقع في قطاع غزّة. أطلق الفلسطينيّون نحو إسرائيل خلال هذه الفترة الصّواريخ والبالونات الحارقة والمتفجّرة. وفقاً لمعطيات الأمم المتحدة أصيب جرّاء القتال إسرائيليّ واحد وخمسة فلسطينيّين هُم أربعة أطفال وامرأة. وقد لحقت أضرار طفيفة بمبنى مدرسة وستّة منازل في القطاع تسبّب بها القصف الإسرائيليّ.

تستمر إسرائيل في تطبيق سياسة القصف في قطاع غزّة بما في ذلك قصف المناطق المكتظّة بالسكّان. أمامنا مثال آخر يُثبت مرّة أخرى أنّ "الصواريخ التحذيرية" لا تحقّق الهدف الذي تعلن إسرائيل أنّها ترجوه منها وأنّه من غير المعقول أن يتوقّع أحد من السكّان المدنيّين إخلاء منازلهم خلال دقائق معدودة في دجى اللّيل وفي غمرة الاضطراب والذّعر الناجمين عن قصف صواريخ الإنذار ذاتها حيث يحتارون ماذا يفعلون أوّلاً وفوراً لكي ينقذوا أنفسهم وأطفالهم من القصف الوشيك، ناهيك عن إدراكهم أنّهم يتركون منازلهم وممتلكاتهم عُرضة للتدمير جرّاء القصف بعد قليل. لقد تمخّضت جولة القتال هذه المرّة عن جرح خمسة فلسطينيين وإلحاق الأضرار بسبعة مبانٍ في القطاع. نذكّر مرّة أخرى ما سبق أن نوّهت إليه بتسيلم من قبل: هذه السياسة التي أوقعت آلاف القتلى تلوح من فوقها راية سوداء تشير إلى مخالفتها أحكام القانون ومبادئ الأخلاق.

في إحدى الغارات والتي وقعت يوم الجمعة الموافق 14.8.20 بعد السّاعة 22:30 بقليل أطلق الجيش "صاروخين تحذيريين" نحو مجمّع منازل عائلة حسين شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين، ويشمل سبعة منازل يقيم فيها 38 شخصاً. الصّواريخ التي يسمّيها الجيش "صواريخ تحذيرية" صغيرة نسبيّاً ويزعم الجيش أنّ هدف إطلاقها هو إنذار السكّان المدنيّين بغارة أكبر (صواريخ هجوميّة) تلي ذلك وعليهم بالتالي الابتعاد عن المكان. كان الفارق الزمنيّ بين الصاروخ التحذيري الأوّل والثاني 5 - 10 دقائق وقد سقطت على بُعد نحو 15 متراً من منازل آل حسين. بعد مضيّ نحو عشر دقائق أخرى أطلق الجيش صاروخاً هجوميّاً سقط في الموقع نفسه وأصيبت جرّاءه أربعة منازل كما أصيبت الطفلة رفيف حسين (3 سنوات) بجروح في رأسها ورجليها وأصيب الطفل براء حسين (11 عاماً) بجروح في رأسه؛ وقد تمّ نقلهما إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح حيث تلقَّيا العلاج وغادرا بعد ساعات معدودة. المنازل التي تضرّرت بعضها من طوب وبعضها من الصفيح وقد تحطّم فيها زجاج النوافذ وتصدّعت الجدران كما تلفت جميع محتوياتها.

كانت أسرة أحمد حسين (34 عاماً) وزوجته أسماء (27 عاماً) تستعدّ للنوم في منزلها المسقوف بلصّفيح، بما في ذلك طفلاهما رفيف البالغة من العمر 3 سنوات وخالد البالغ من العمر سنتين. فجأة سمعت أسماء سقوط صاروخي الإنذار قرب منزلها.

أدناه أقوال أسماء حسين - من إفادة أدلت بها في 18.8.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد:

رفيف حسين البالغة من العمر ثلاثة أعوام. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 16.8.20

فجأة سمعت صاروخي إنذار. خرج أحمد، زوجي، ووقف قرب باب المنزل وركضت رفيف خلفه. بعد سقوط صاروخي الإنذار أطلق صاروخ سقط في أرض زراعيّة تقع خلف منزلنا. أخذت أصرخ وأبكي وخفت على طفلي خالد. حملته وأخذت أبحث عن زوجي وعن رفيف. وجدت زوجي يحملها ويقف عند مدخل المنزل. كانت رفيف مصابة بجُرح في خدّها الأيمن وجوف فمها مليء بالدّماء. وكانت مصابة أيضاً في رجلها اليمنى.

أغمي على رفيف فوراً لكنّها أفاقت حين بلّلنا وجهها بالماء. ابتعدنا عن المنزل وقد خرجت بملابس الصّلاة . عندما أفاقت رفيف قالت لي: "ماما، الأرض تتحرّك". توجّهنا نحو سيّارات الإسعاف التي وصلت تباعاً بعد القصف وتوقّفت قرب منزلنا. صعدنا جميعاً إلى إحدى سيّارات الإسعاف وأخذتنا هذه إلى مستشفى شهداء الأقصى. عندما وصلنا أجريت لرفيف صورة أشعّة لرأسها وفحوصات دم لأنّهم اشتبهوا بوجود نزيف داخليّ، والحمد لله إذ تبيّن أنّها لا تعاني من كسور أو نزيف. أبقى الأطبّاء رفيف تحت المراقبة في تلك اللّيلة ونحن بقينا معها.

في الصّباح غادرنا المستشفى إلى منزل والديّ في دير البلح حيث استرحنا بضعة ساعات ثمّ عدنا إلى منزلنا. انتابتني الصّدمة عندما شاهدت مدى الدّمار الذي لحق بالمنزل. كان السقف محطّماً والمنزل كلّه والسّاحة مليئان بالحجارة والرّمل والجدران مصدّعة. كانت رائحة المنزل وكلّ ملابسنا تشبه رائحة الكبريت بسبب الصّواريخ التي سقطت قرب المنزل. نظّفت المنزل وأزلت أكوام الحجارة والرّمل.

منذ القصف وحالة رفيف النفسيّة غير جيّدة. إنّها في صدمة. خدّها لا يزال منتفخاً وهي تبكي طوال النّهار. أحسّ أنّ في داخلها رُعب هائل. أبقى طوال النهار إلى جانبها. لا أستطيع أن أتركها للحظة واحدة. لقد بدأت أيضاً تبلّل فراشها في اللّيل. منذ ذلك اليوم لا نستطيع النوم في منزلنا فنذهب لننام في منزل والديّ أو والديّ زوجي. وعن نفسي، أنا أشعر أنّني مذعورة طوال الوقت وغير مستقرّة نفسيّاً. أنا متعبة وأشعر بالإرهاق طوال الوقت، وكلّما حدث تصعيد ينتابني الرّعب والهلع. أتمنى لو نقيم في مكان أكثر أمناً ولكنّ زوجي عاطل عن العمل ولا نستطيع شراء منزل آخر ومغادرة مخيّم اللّاجئين. عندما يحدث تصعيد يطلق الجيش مقذوفاته نحو منطقتنا. حتى اليوم كنّا محظوظين ولم يُصبنا شيء، وحتى بيوتنا لم تتضرّر. أنا لا أقدر على مواصلة العيش هكذا في هلع ورُعب دائمين. كلّما حدث قصف أشعر أنّني سأفقد عزيزاً من عائلتي.

أسامة حسين (47 عاماً) متزوّج وأب لخمسة أبناء ويعمل موظّفاً في حكومة حماس. كان أسامة في منزله مع أبناء أسرته حين سمع أزيز طائرات الاستطلاع تحلّق في الجوّ. بعد ذلك مباشرة سمع انفجار "صاروخ إنذار" سقط في أرض زراعيّة تقع خلف منزله، وقد أصابت شظاياه المنزل. خرج أسامة وأسرته من المنزل وانتظروا في الخارج قربه. بعد سقوط "صاروخ الإنذار" الثاني، حين سمع هدير الطائرات الحربيّة في المنطقة وفيما هو منهمك في تحذير إخوته وعائلاتهم كي يبتعدوا عن المكان سقط صاروخ هجوميّ في أرض مجاورة.

أسامة حسين حاملا بيده قطعة من الصاروخ الذي سقط بالقرب من منزله. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 16.8.20

أدناه يصف أسامة حسين ما حدث بعدئذٍ - من إفادة أدلى بها في 16.8.20 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة:

فجأة حدث في أرض مجاورة لنا انفجار قويّ جدّاً هزّ المنطقة كلّها. تصاعد دخان أسود وغطّى كلّ شيء بحيث لم نستطع رؤية أيّ شيء. كنت أسمع صوت تساقط الشظايا وكتل الوحل من حولنا بين المنازل وكذلك صُراخ النساء والأطفال وقد تملّكهم الرّعب. لشدّة الانفجار ظننت أنّ منزلي قد تهدّم. بعد لحظات أخذنا نتفقّد بعضنا البعض.

بعد ذلك رأيت براء ابن أخي (11 عاماً) يخرج من بين المنازل وهو يصرخ ويده على رأسه. تفحّصت جسمه ولكن لم أشاهد نزيفاً. حين سألته ما الذي جرى لك أجابني أنّ حجراً أصابه في رأسه. غسلنا رأسه وهدّأنا من روعه؛ ولكن بعد مضيّ ساعة تقريباً أحسّ براء بدُوار وغثيان وأوجاع في البطن فاستدعينا سيّارة إسعاف أتت وأخلته إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.

حين حدث القصف كانت الكهرباء مقطوعة فزاد الظلام من حالة الخوف والاضطراب. قرب منتصف اللّيل، ما بين الـ11:30 والـ12:00، عادت الكهرباء فأخذت أتفقّد وضع المنازل. وجدت جدران منزلي قد تصدّعت وزجاج النوافذ محطّماً وخاصّة في الجهة الشرقيّة لأنّها الأقرب إلى مكان سقوط الصّاروخ. حين صعدت إلى السّطح وجدت قطعاً من السّور المحيط بالمنزل وكانت ألواح السّخان الشمسيّ محطّمة. لدى تفحّصي منزل أخي سمير (39 عاماً) المجاور لمنزلي وجدت أنّ جدرانه قد تصدّعت أيضاً وبعض ألواح صفيح السّقف قد تحطّمت، وكذلك أبواب الحمام ونوافذ المطبخ، وباب الثلّاجة.

أدناه إفادة جاكلين حسين (35 عاماً) والدة براء، وهي متزوّجة وأمّ لخمسة أبناء - أدلت بها في 7.9.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد محدّثة عن القصف والمصاعب التي لا يزال ابنها براء يعانيها منذ تلك الغارة.

براء حسين البالغ من العمر 11 عاما. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 16.8.20

حين عدت إلى منزلي كنت كأنّي أدخل إلى منطقة كارثة. كانت النوافذ محطّمة جرّاء القصف، جدران المطبخ تصدّعت وكذلك أرضيّة المنزل. جميع خزّانات المياه التي على السّطح كانت مدمّرة. داخل المنزل كان مليئاً بشظايا الصّاروخ وقطع الطوب المحطّم وأكوام الرّمل. زوجي موظّف بسيط في السّلطة الفلسطينيّة وراتبه الشهريّ يبلغ 1،500 شيكل. لقد شقي وتعب كثيراً لكي يبني لنا هذا المنزل، والآن لا نملك المال اللّازم لترميم الأضرار الناجمة عن القصف. سوف يحلّ الشتاء بعد عدّة أشهر، وأتمنّى أن نتمكّن قبل ذلك من ترميم المنزل.

بعد الغارة بقي براء في البيت ولم يذهب إلى المدرسة. كان يعاني من دُوار وإرهاق، ولا يزال حتى الآن يشعر بالهلع والتعب. يخاف عندما يسمع صوت الطائرات في السّماء، ولا يحبّ أن يتذكّر ما حدث في ذلك اليوم. من شدّة خوفه ظلّ براء طوال أسبوعين تقريباً يعاني التبوّل اللّاإراديّ من شدّة الخوف. كان وضعه سيّئاً إلى درجة أنّني اضطرت إلى النوم بجانبه واحتضانه طوال اللّيل. كنّا، أنا ووالده، نأخذه في نزهة خارج المنزل لكي نجعله يحسّ أكثر ثقة وأمناً ونساعده على العودة إلى وضعه السّابق، قبل الغارة.

أحياناً يرفض براء الخروج من المنزل في ساعات المساء. حتى أنّه يرفض الخروج إلى الدكّان القريب من منزلنا حين أطلب منه الذهاب لشراء بعض الحاجيّات. يقول لي إنّه يخاف. الحمد لله أنّه خرج سالماً وكلّ أملي الآن أن يعود إلى سابق عهده، مثلما كان قبل الغارة. أولادي يقولون طوال الوقت أنّهم يريدون أن نترك هذا البيت وننتقل إلى مكان أكثر أمناً، بعيداً عن القصف والغارات.

المكان