Skip to main content
من اليمين الى اليسار: أحمد أبو طيور, عزّ الدين السمّاك، عثمان حيلس. صور قدّمتها العائلة مشكورة
Menu
المواضيع

نصف سنة من المظاهرات في قطاع غزّة قرب الشريط العازل: قوّات الأمن قتلت بنيرانها 31 قاصرًا فلسطينيًّا

منذ 30.3.2018، في ذكرى "يوم الأرض"، تجري قرب الشريط الذي يفصل قطاع غزة مظاهرات احتجاج واسعة النطاق، يتراوح عدد المشاركين فيها بين المئات وعشرات الآلاف. خلال هذه المظاهرات، التي تجري عادة في أيّام الجمعة، يشعل بعض المتظاهرين الإطارات ويرشقون الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط، والذي يطلقون نحو المتظاهرين الغاز المسيل للدّموع والرّصاص الحيّ. منذ أن ابتدأت موجة المظاهرات الحالية، في "يوم الأرض"، قُتل جرّاء نيران قوّات الأمن على 166 شخصًا على الأقلّ، بينهم 31 قاصرًا؛ وجُرح أكثر من 5.300 شخص. معظم القتلى والجرحى لم يشكّلوا خطرًا على على قوّات الأمن، الذين كانوا منتشرين في الجهة الأخرى من الشريط. هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى هو نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار التي تطبّقها إسرائيل في المنطقة المتاخمة للشريط الذي يفصل قطاع غزة، وخلال المظاهرات التي تجري قربه. آثار هذه السياسة معروفة جيّدًا، لكنّ السلطات الإسرائيليّة ترفض تغييرها، نظرًا لاستهتارها بحياة الفلسطينيين وعدم اكتراثها لموتهم. بدلًا من ذلك، يدعم رئيس الحكومة ووزراؤها مواصلة تطبيق هذه السياسة (بل يتنافس أعضاء المجلس الوزاري المصغّر - "الكابينت": وزير الأمن يُفاخر بأعداد القتلى والجرحى، ووزير التربية والتعليم يرى أنّ هنالك تقصير ويطالب بالمزيد)، وتأتي ممارسات الجيش بالتلاؤم. علاوة على ذلك، يعزّز الجيش هذه الممارسات بما لديه من أجهزة طمس الحقائق، التي تضمن ألّا يُحاسب أحد على قتل الفلسطينيّين، سوى في حالات نادرة جدًّا. 

فيما يلي إفادات جرى جمعها في إطار البحث الميدانيّ الذي تقصّى ملابسات مقتل أربعة من بين 31 قاصرًا الذين قتلتهم إسرائيل بهذه الطريقة، حتى تاريخ 8.10.2013. 

مقتل عزّ الدين السمّاك، 13 عامًا، شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين، في 14.5.2018

Thumbnail
عزّ الدين السمّاك، 13 عامًا. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الإثنين الموافق 14.5.2018، نحو الساعة 8:00 صباحًا، خرج ثلاثة فتية من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، هم: عزّ الدين السمّاك (13 عامًا)، إبراهيم الهور (14 عامًا) وحارث السمّاك (14 عامًا) للمشاركة في مظاهرة أقيمت قرب الشريط الفاصل، شرقيّ المخيّم. 

جلس الفتية الثلاثة لمشاهدة المتظاهرين من فوق تلّة ترابيّة، على بُعد نحو 300 متر من الشريط الفاصل، قريبة من منطقة خيام العودة. أطلقت النيران على عزّ الدين السمّاك، أصابته في بطنه، وتوفّي في المستشفى متأثّرًا بجراحه.

 

في إفادة سجّلها الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة، قال حارث السمّاك: 

Thumbnail
حارث السمّاك. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 16.5.18


نحو السّاعة العاشرة صباحًا قمنا نحن الثلاثة واتّجهنا نحو عربة حجارة كانت متوقّفة على بُعد نحو 200 متر جنوبيّ الخيام. جمعنا حجارة في كيس قماشيّ وعُدنا. جلسنا قرب التلّة الترابيّة، على بُعد نحو 300 متر من الشريط، قرب شارع جكر. جلس عزّ الدّين على كيس الحجارة، قبالتنا. كان يجلس معنا شابّان آخران.

فجأة سمعنا صوت إطلاق نار. رفع عزّ الدين يده اليمنى، ثم أنزلها، وظلّ جالسًا في مكانه. أردنا البحث عن مخبأ، وقرّرنا أنا وإبراهيم الهور، أن نسحب عزّ الدين معنا، وعندها تنبّهنا إلى أنه ينزف من ظهره والدم قد وصل إلى رُكبتيه، وكان فاقدًا الوعي. 

 

في إفادة أدل بها إبراهيم الهور يوم 16.5.2018 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزازة، وصف ما حدث:

Thumbnail
إبراهيم الهور. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 16.5.18

فجأة سمعت صوت إطلاق نار. نظرت إلى عزّ الدين الذي كان يجلس قبالتي. رأيته يرفع يده اليمنى ويُنزلها ويواصل الجلوس في مكانه. مددت يدي لكي أجرّه وأبعده من المكان، وعندها رأيت انّه ينزف من ظهره. أدركت أنّه قد أصيب. كان نزف دمائه شديدًا، وقد وصل الدّم إلى رُكبتيه. لم يكن يتكلّم، كان مغمًى عليه. تمّ إخلاؤه في سيّارة إسعاف إلى مستشفى شهداء الأقصى. ذهبنا أنا وأصدقائي إلى بيته لكي نخبر عائلته. بعد مضيّ ساعة تقريبًا بلغنا أنّ عزّ الدين استُشهد في غرفة العمليّات في المستشفى.

كان عزّ الدين بحبّ أن يلعب كرة القدم وأن يسبح في البركة. كان سبّاحًا ماهرًا، وكان متفوّقًا في دروسه، وقد أحبّه الجميع. كان يحدّثنا عن حلمه - أن يصبح لاعب كرة قدم شهير، وكان يشجّع فريق برشلونة. إنّه كابوس. أنا لا أصدّق أنّه ذهب ولن يعود. لقد فقدت شهيّتي للطعام، ولا أستطيع النوم

بشكل طبيعي. يصعب عليّ تخيّل حياتي بدون عزّ الدّين. 


في المستشفى تبيّن أنّ عزّ الدين أصيب برصاصة اخترقت بطنه وخرجت من ظهره. تقرّر إجراء عمليّة جراحيّة له، لكنّه توفّي أثناء العمليّة. 

والدته سهيلة السمّاك (54 عامًا، أمّ لثمانية أولاد) أدلت بإفادتها يوم 29.8.2018 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكُرد. تقول الوالدة: 

Thumbnail
سهيلة السمّاك. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 29.8.18

منذ بداية مسيرات العودة اعتاد عزّ الدين الذهاب مع أصدقائه وأولاد آخرين من الحيّ للمشاركة في المسيرات الجارية شرقيّ مخيّم البريج. كان متأثّرًا من الوضع السياسي والحصار على القطاع طيلة هذه السنين. كان يعرف منّي ومن والده أنّ لدينا أراضٍ في مدينة يافا، لكنّ طردونا منها في احتلال الـ48. كان يهمّه أن يبعث برسالة إلى العالم أنّه متألّم، كبقيّة الأولاد في غزة، ويعاني الكثير بسبب الحصار.

مرّ أسبوعان على استشهاده ولم أدخل إلى غرفته سوى مرّة واحدة. شعرت بأنّني اختنق. أخذت أنظر إلى أغراضه. رأيت سجّادة الصّلاة خاصّته. رتّبت سريره وأخرجت ملابسه من الخزانة لكي أشمّ رائحته، ثمّ طويتها وأعدتها إلى مكانها. جلست على سريره، احتضنت وسادته وأجهشت بالبكاء.

إنّه لا يفارق خاطري حتى لثانية واحدة. أجلس خارج المنزل وأتساءل بيني وبين نفسي، هل يمكن أن يدخل الآن إلى المنزل؟ احيانًا، حينما أنظر إلى صورة عزّ الدّين المعلّقة على حائط الصّالون، لا أصدّق أنّه استُشهد، أقول لنفسي إنّه ليس ميتًا، ولكن في اللحظة نفسها أشعر بطرقات في رأسي، كأنّ أحدًا يقول لي: بلى، لقد استُشهد. عندما أذهب للنّوم أتذكّره كيف كان يلاطف وجهي ويقول لي: أريد أن أنام إلى جانبك. 

يصادف اليوم افتتاح السنة الدراسيّة. جلست خارج المنزل منذ الساعة السادسة والنصف صباحًا، وأخذت أتذكره وهو خارج في طريقه إلى المدرسة. رأيت أصدقاءه ذاهبين إلى المدرسة، نظرت إليهم وأجهشت بالبكاء. سألتني ابنتي ما الذي حصل، قلت لها: لا شيء، فقط أشعر باختناق وصدمة. منذ أن قتلوا عزّ الدّين توقّفت عن مقابلة الناس، وأكاد لا أخرج من المنزل. خرجت فقط لكي أزور قبر ابني. عندما أذهب إلى هناك، أُمضي ساعة ونصف تقريبًا، أصلّي وأدعو لأجله، أتذكّر جميع مراحل حياته، منذ أن كان طفلًا رضيعًا وحتّى أيّامه الأخيرة قُبَيل مقتله. .

 

مقتل ياسر أبو النجا، 11 عامًا، شماليّ بلدة خُزاعة، في 29.6.2018:

في 29.6.2018، أثناء مظاهرة جرت قرب الشريط الفاصل، شماليّ بلدة خزاعة، أطلقت قوّات الأمن النيران على رأس ياسر أبو النجا (11 عامًا، من سكّان خان يونس) حين كان يختبئ خلف ساتر بُنيَ من بقايا سلك لولبيّ وإطارات وحاوية نفايات. يزعم الجيش أنّه قد ألقيت في ذلك اليوم زجاجات حارقة في منطقة خان يونس.

 مادلين القرع (19 عامًا)، من سكّان دير البلح، كانت موجودة في المظاهرة ضمن وظيفتها كصحفيّة. أغمي عليها نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع، الذي أُلقي نحو المنطقة التي يقف فيها صحفيّون ومتظاهرون، وجرى إخلاؤها إلى منطقة الخيام، ومن ثمّ عادت إلى قرب الجدار. 

في إفادة أدلت بها يوم 1.7.2018 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وصفت مادلين ما حدث في ذلك اليوم:

Thumbnail
مادلين القرع. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 1.7.18

عدت إلى المنطقة لأكمل تغطية الأحداث. وقفت إلى جانب أحد زملائي الصحفيّين، ويعمل في الوكالة نفسها التي أعمل لديها. كنّا نقف نحن الإثنين خلف المتظاهرين. نظرت نحو الشريط الفاصل فرأيت عددًا من الفتية والشباب يبعدون بضع عشرات من المترات عن الجدار، مختبئين خلف ساتر بُنيَ من إطارات وأسلاك لولبيّة كان الفتية قد استولوا عليها خلال مظاهرات سابقة. كنت أقف على بُعد بضع عشرات من الامتار عن ذلك السّاتر. بعض الشباب دحرجوا إطارات نحو مجموعة أخرى من الشبّان، لكي يشعلوها قرب الشريط. 

في تلك اللّحظات، وكانت الساعة 18:50 تقريبًا، كنت انظر نحو السّاتر. سمعت صوت إطلاق نار، ورأيت فتًى كان يقف خلف السّاتر يقع أرضًا. هو لم يفعل شيئًا. تحلّقت حوله مجموعة من الشبّان وهم يصرخون "إسعاف!.. إسعاف!". 

أخلى الشبّان والمسعفون الفتى الجريح على نقّالة إلى سيّارة الإسعاف. ركضت مع المسعفين وكنت أنقل مباشرة عبر كاميرا هاتفي النقّال عمليّة إخلاء الفتى المصاب في رأسه إلى الخيام. بعد أن قدّموا له الإسعافات الأوّليّة، نقلوه بسرعة إلى المستشفى في سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر. 

في إفادة سجّلها الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة، في 1.7.2018، حدّث أحمد القرا (29 عامًا)، من سكّان خزاعة، موظّف في جامعة الأقصى غربيّ خان يونس، عمّا رآه في لحظة إطلاق النيران:

Thumbnail
أحمد القرا. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 1.7.18

نحو الساعة 18:55 رأيت فتية صغارًا، تتراوح أعمارهم بين 12-13 سنة، يختبئون خلف حاوية نفايات وكومة رُكام على بُعد نحو مائة متر من الشريط الفاصل، لأنّ الرّيح كانت غربيّة، وظلّ الفتية الثلاثة خلف الحاوية مع شبّان آخرين. في الوقت نفسه رأيت أحد الجنود على ساتر ترابيّ صغير. نزل الجنديّ عن السّاتر الترابيّ وصعد إلى ساتر أعلى، ثمّ سمعت صوت طلقة واحدة. رأيت أحد الفتية المختبئين خلف الحاوية يخرج ويتّجه نحوي، وكان نُقل الفتى ياسر أبو النجا إلى المستشفى الأوروبي، جونبيّ خان يونس، وهناك توفّي جرّاء إطلاق النار على رأسه. رأيت بضع عشرات من الأشخاص يركضون في اتّجاه الحاوية، والشبّان يحملون أحد الفتية الذين بقوا خلف الحاوية وينقلونه من هناك. 

نُقل الفتى ياسر أبو النجا إلى المستشفى الأوروبي، جونبيّ خان يونس، وهناك توفّي جرّاء إطلاق النار على رأسه.

مقتل عثمان حيلس، 14 عامًا، شرقيّ مدينة غزّة، في 13.7.2018

Thumbnail
عثمان حيلس، 14 عامًا. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الجمعة الموافق 13.7.2018، نحو الساعة 14:00، جاء ثلاثة فتية في الـ14 من عمرهم، من سكّان مدينة غزّة، وهم: عثمان حيلس، عبدالله الأعرج ومؤيد جنديّة، إلى منطقة المظاهرات شرقيّ المدينة. جلس الفتية الثلاثة على بُعد نحو 200-300 متر من الشريط. يزعم الجيش أنّه في ذلك المساء ألقى أحد المشاركين في هذه المظاهرة قنبلة أصابت ضابطًا بجروح متوسّطة.

نحو الساعة 18:00 قرّر الفتية الثلاثة التقدّم نحو الشريط، وكان يقف قربه عدد من الشبّان وامرأتان ترفعان أعلام فلسطين. في شريط فيديو نشرته وسائل التواصل الاجتماعي يظهر حيلس وهو يتقدّم نحو الشريط ثمّ يأخذ في تسلّقه، وعندها تُطلق عليه النيران.

في إفادة سجّلتها الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، في 15.7.2018، حدّث عبد الله الأعرج، صديق الفتى القتيل عمّا جرى:

Thumbnail
عبد الله الأعرج. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 15.7.18

قال لنا عثمان هيّا نتقدّم نحو الشريط العازل لأنّه يريد أن يلمسه. تقدّمنا حتى وصلنا إلى مسافة نحو 20 مترًا عن الشريط، وكان قربه عدد من المتظاهرين الشبّان وشابّتان ترفعان أعلام فلسطين. قال لي عثمان أنّه يريد الوصول إلى حيث الشابّتين لأنّه أقوى وأشجع منهما، وأنّه سوف يلمس الشريط العازل. قلت له أنّ الجيش لا يطلق النار على الشابّات لكنّه سوف يطلق علينا النار لأنّنا ذكور. وتابعت: "لا يا عثمان، هيّا نرجع للخلف، وإلّا فسوف يقنصنا الجيش"، لكنّه لم يستمع إليّ.

مرّت دقيقة، ثمّ توجّه عثمان نحو الشريط، وكنّا أنا ومؤيّد نسير إلى جانبه، حتّى أصبحنا على مسافة صِفْر من الشريط الإلكتروني. قال لي عثمان: "سوف ألمس الشريط ثمّ أعود إلى الخلف، اتركني، لا أريد العودة إلى الخلف". كنت أبعُد عن عثمان مسافة متر واحد تقريبًا. لمس عثمان الشريط وأخذ يتسلّقه، وعندها أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليه، فوقع عثمان على الأرض. حدث عندها إطلاق قنابل غاز ممّا سبّب لي الاختناق فلم أتمكّن من التقدّم إليه ومساعدته. عدت إلى الخلف مذعورًا، وأخذت أصرخ بصوت عالٍ إنّ عثمان سقط شهيدًا، وطلبت أن يحضروا نقّالة لإسعافه. لم أستطع حمله. كان ينزف بشدّة. دخلت الرّصاصة من صدره وخرجت من ظهره.

في إفادة سجّلتها الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، في 24.7.2018، حدّث أحد أقارب عثمان، وائل حيلس (30 عامًا، من سكّان غزّة) يصف ما رآه:

عند الساعة 18:00 كنت على مسافة نحو عشرين مترًا من الشريط العازل. رأيت شابّات يرفعن علم فلسطين قريبًا جدًّا من الشريط. اقترب منهنّ عدد من الشبّان. رأيتهم من الخلف، عن بُعد، ولذلك لم ألاحظ وجود قريبي عثمان معهم. رأيته يتسلّق الشريط وعندها أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليه. سقط عثمان إلى الأرض وظلّ بلا حراك. علمت لاحقًا أنّ الرصاص أصابه في صدره، في منطقة القلب، وخرج من الظهر.
أسرعت إلى هناك، وفي هذه الأثناء قال لي أحد المتظاهرين أنّ الفتى الذي قنصوه قريب لي. اقتربت من عثمان لكنّي لم أستطع الوصول إليه وتقديم المساعدة له، لأنّه كان محاطًا بمتظاهرين كُثر يحاولون إسعافه. رأيت دماء كثيرة هناك ففهمت فورًا أنّه قد استُشهد.

أخلى الشبّان حيلس إلى سيّارة الإسعاف، التي نقلته بدورها إلى مستشفى الشفاء في غزة، حيث أعلن الأطبّاء وفاته.

 في إفادة سجّلتها الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، في 1.8.2018، أدلت والدته، أسمهان حيلس (39 عامًا، متزوّجة وأمّ لستّة أولاد) بما يلي:

عثمان ثالث أولادي. لم يعجبني أنّه يشارك في مسيرات العودة، وكان دائمًا يقول لي "لا تقلقي، أنا أقف بعيدًا عن الشريط". في ذلك المساء، عند الساعة السادسة تمامًا، اتّصل رامي زوجي وقال لي إنّ عثمان قد أصيب في المظاهرة ونُقل إلى مستشفى الشفاء. كنت في زيارة لدى أقاربي، وطلب منّي أن أعود إلى المنزل، فرفضت وذهبت مباشرة إلى المستشفى لكي أطمئن على عثمان. كنت طوال الطريق أدعو الله أن تكون إصابته بسيطة. كان لديّ أمل أن أراه راقدًا في السرير يضحك ويبتسم؛ أن أقول له "أقلقتني عليك يا عثمان. انظُر، ها قد أُصِبْت". عندما وصلت إلى المستشفى سمعت أشخاصًا يقولون إنّ هناك شهيد من عائلة حيلس، ولكن لم أتوقّع أنّ الشهيد عثمان. دخلت إلى غرفة الطوارئ لكي أرى عثمان، ولكن لم يسمحوا لي. تحدّث الحارس مع سِلْفي الذي كان قد وصل إلى هناك. سألت سِلْفي فقال لي إنّ عثمان بخير. 

بعد ذلك، في غرفة الانتظار، سمعت أناسًا يقولون "هناك ولد شهيد اسمُه عثمان حيلس"، فأغمي عليّ. عندما أفقت أخذت في الصراخ والبكاء. طلب منّي سلفي أن أعود إلى المنزل لكنّني رفضت. أردت أن أرى عثمان. ذهبت إلى حيث الثلّاجات في غرفة الموتى ورأيت جثمانه هناك. صرخت وبكيت، قلت لهم "أريد أن أكون إلى جانبه، لا أريده أن يبقى وحيدًا في الثلّاجة". بعد ذلك أغمي عليّ، وعندما أفقت وجدت نفسي في المنزل، ونساء كثيرات حولي، جميعهنّ يبكين ويصرخن. طلبت منهنّ أن يعدن لي عثمان. قلت لهنّ هو لم يمت، إنّه حيّ. قلت "عثمان وحيد داخل الثلّاجة. عثمان يخاف الوحدة. هاتوا لي عثمان، أريد أن أكون إلى جانبه. عثمان ولد صغير. لماذا أطلقوا النار عليه؟ كيف استُشهد؟". 

منذ أن قتلوا عثمان أعود مرّة تلو الأخرى لمشاهدة توثيق الفيديو، وأتساءل "ما الذي يمكن أن يفعله عثمان ليستحقّ ذلك؟". أشاهد الشريط وأبكي بمرارة. أتساءل بيني وبين نفسي، كيف عساه أحسّ بالرّصاصة تخترق جسده؟ هل تألّم صغيري كثيرًا؟ كيف استطاع تحمّل اختراق الرّصاصة عندما أصابت جسده؟

فراق عثمان صعب عليّ جدًّا. بماذا يؤثّر على الجيش أن يلمس ولد صغير الشريط؟ لم يحمل سلاحًا ليواجه به الجيش. لم يحمل حجرًا. لم يكن ملثّمًا. أدعو الله أن يصبّرني. قلبي يوجعني عندما أرى أصدقاءه يلعبون كرة القدم في الشارع، وهو ليس بينهم. لقد سرقوا عمر ابني وطفولته. كذلك زوجي وأولادي لا يستوعبون حتى الآن أنّ عثمان قُتل، أنّه ذهب منّا إلى غير رجعة. زوجي يقول لي إنّه دائمًا يتخيّل كما لو أنّ عثمان بعد لحظة سيفتح الباب ويدخل إلى المنزل. قال لي إنّ المنزل بدون عثمان لا يساوي شيئًا. أدعو ألله أن يصبّرني على فراق ابني، وأدعو له بالرحمة. 

مقتل الفتى أحمد أبو طيور، 16 عامًا، شرقيّ مدينة رفح، في 7.9.2018

Thumbnail
أحمد أبو طيور، 16 عامًا. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في يوم الجمعة، 7.9.2018، نحو الساعة 18:00، أطلق عنصر من قوّات الأمن النار على أحمد أبو طيور، 16 عامًا، من سكّان رفح، حين كان يقف قرب الشريط اللّولبيّ الذي مدّه الجيش على الأرض، على بُعد نحو 10-20 مترًا من الجدار. في شريط فيديو نشرته وسائل التواصل الاجتماعي يظهر أبو طيور يلوّح بعلم أمام جنود يقفون في الجانب الآخر من الشريط، على بُعد نحو عشرة أمتار منه، ثمّ يلتقط حجرًا ويرشقها نحوهم، ثمّ يلوّح لهم بالعلم مجدّدًا، وعندها أطلقوا النار على رجله.  

في إفادة سجّلها الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، في 10.9.2018، حدّث عن ذلك اليوم شقيقه تامر أبو طيور، من سكّان رفح، متزوّج وأب لأربعة أولاد، عن ذلك اليوم:

في يوم الثلاثاء الموافق 7.9.2018، قرابة الساعة 14:00 مشيت نحو شرق رفح. عندما وصلت رأيت بعض الشبّان والفتيان ومعهم أشقّائي هيثم وثائر ومنذر؛ وكان أحمد يوزّع إطارات قرب الشريط لكي تكون جاهزة لدى وصول المتظاهرين في الساعة 16:30-17:00 فيشعلوها. 

وصل المتظاهرون في الساعة الخامسة وأخذوا يشعلون الإطارات ويرشقون الحجارة نحو الجنود، الذي ردّوا بدورهم بإطلاق النار وقنابل الغاز المسيل للدّموع. كان الجنود متمترسين داخل البرج الأحمر وخلف سواتر ترابيّة، وكان بينهم قنّاصة مستعدّون للإطلاق على المتظاهرين. كذلك كانت ثلاثة جيبات عليها جهاز لإطلاق قنابل الغاز. بعض المتظاهرين قصّوا الشريط اللّولبي والشريط الرّئيسي. 

أنا كنت أشعل إطارات، وأحمد أيضًا، إضافة إلى أنّه كان ينقلها. كان على بُعد نحو عشرين مترًا من الشريط. أطلق الجنود النار علينا من البرج الأحمر. كان أحمد يقف قرب الشريط ويداه مرفوعتان إلى أعلى، ويبعد عنّي 25 مترًا تقريبًا - فجأة رأيته يقع على الأرض. تقدّم المسعفون منه فورًا وأخلوه إلى سيارة الإسعاف. حاولت الصعود إلى سيارة الإسعاف لكنّهم لم يسمحوا لي. صعدت بالقوّة إلى سيّارة الإسعاف التي نقلته إلى خيمة العيادة الميدانيّة. قال أحمد إنّه يشعر وكأنّها ضربة كهرباء، وكان ينزف بشدّة من رجله. رأيت ثقب دخول الرصاصة في رجله اليمنى، فوق الركبة. أنزلوه من سيّارة الإسعاف وقدّموا له الإسعاف الأوّلي. جاءت والدتي لتراه. قلت لها إنّ إصابته بسيطة، لكي لا تقلق. 

بعد ذلك نقلوا أحمد إلى المستشفى الأوروبي، وكنّا معه أنا ووالدتي. كنّا نلاطف وجهه ونحاول طمأنته. طلب أحمد أن يشرب ماء. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوه إلى قسم الأشعّة، صوّره. ثمّ أدخلوه إلى غرفة العمليّات، وبقي هناك حتى منتصف اللّيل. بعد ذلك أجروا له جراحة أخرى لترميم الشريان الذي انقطع. انتظرنا خروجه. أعطوه عدّة وجبات دم، بسبب النزيف. ومع كلّ هذا، أعلنوا في اليوم التالي أنّه سقط شهيدًا، كان ذلك يوم السبت، 8.9.2018، عند الساعة 11:00.

 في إفادة سجّلتها الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، في 7.10.2018، حدّثت والدة أحمد - عايدة أبو طيور، 49 عامًا، أمّ لـ11 ولدًا - عمّا حدث في ذلك اليوم: 

Thumbnail
عايدة أبو طيور. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 7.10.18

شارك أحمد في مسيرات العودة منذ أن ابتدأت. كان يذهب إلى هناك كلّ يوم جمعة في الساعة التاسعة صباحًا. حاولت أن أمنعه من الذهاب، لأنّني خفته عليه أن يُصاب، لكنّه لم يستمع إليّ. كان يقول لي أنّه لا يمكنني أن أمنعه من الذهاب إلى هناك. لشدّة قلقي، أصرّيت على الذهاب إلى المسيرات في كل يوم جمعة.

في يوم الجمعة، 7.9.2018، لم أرَ أحمد في الصباح. بات عند صديق له وعاد إلى المنزل في ساعات الصباح بعد أن غادرت المنزل. قالت لي كنّتي أنّه ذهب إلى مسيرات العودة في التاسعة صباحًا. إحساسي كان يقول لي أنّ شيئًا سيّئًا سوف يحدث. كنت أسأل عند أحمد طوال الوقت. قرّرت الذهاب إلى المسيرة، ووصلت إلى هناك في السعة 16:30. سألت أحد الشبّان عن أحمد فقال لي أنّه قرب الشريط وأنّه بخير. لم أستطع التقدّم إذ كانت أعداد كبيرة من المتظاهرين وكانوا يطلقون عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحيّ. دعوت الله أن يعود أحمد سالمًا. قلقت عليه كثيرًا لأنّ إطلاق النار كان كثيفًا جدًّا.
عند الساعة 17:00 تقريبًا، بينما كنت أجلس مع عدد من النساء، جاء شابّ صغير ملثّم وقال لي: "لقد أصيب ابنك أحمد، ونقلوه في سيارة الإسعاف التي مرّت من هنا". أسرعتُ فورًا خلف سيّارة الإسعاف التي كانت متّجهة إلى خيمة العيادة الميدانيّة. وجدت أحمد راقدًا على سرير والأطبّاء يضمّدون رجله. قلت: "الحمد لله أنّ الرّصاصة أصابت أحمد في رجله لا أكثر". كان أحمد يصيح من الألم. قلت له: "الحمد لله يا أحمد. الإصابة بسيطة، في الرّجل فقط. فصرخ قائلًا لي: "أحسّ كأنّ رجلي مكهربة".  

في صباح يوم السبت عدت من المستشفى إلى المنزل لكي آخذ بعض الأغراض لأحمد، لأنّني أحسست أنّه سوف يرقد طويلًا في المستشفى، ثمّ أعود إليه. وإذ بتامر ابني يتّصل ويطلب منّي المجيء إلى المستشفى. سألته "هل أحمد بخير؟"، قال نعم. في المستشفى سألت تامر مرّة أخرى عن وضع أحمد ومجدّدًا قال لي أنّه بخير. قلت له "أنت تخفي شيئًا عنّي، وأحمد ليس بخير". سألت أخاه إياد، فقال لي إنّ أحمد قد توقّف قلبه مرّتين أثناء العمليّة الجراحيّة، وأنّه قد تجمّع ماء في رئته. في اللحظة نفسها سألت أحد الأطبّاء عن وضع أحمد فقال لي أنّهم يحتاجون 30 وجبة دم لأجله، لانّ النزيف قويّ ولم يتوقّف حتى اللحظة. اتّصلت فورًا بأصدقاء أحمد وطلبت منهم أن يأتوا للتبرّع بالدم. 

جلست عند باب غرفة العمليّات على أمل أن أسمع أخبارًا طيّبة. نحو الساعة 11:00 خرج طبيب ونادى "أبو طيور!". تقدّمت مع ولديّ إياد ومنذر، فمنعني الطبيب من دخول الغرفة. خرج ولداي من غرفة العمليّات وهما يصيحان "أحمد استشهد!". أخذت في الصراخ، وقلت للأطبّاء "أرجوكم، اسمحوا لي بالدّخول إلى غرفة العمليات، أريد أن أرى أحمد". دخلت إلى الغرفة ورأيت أحمد يرقد في السرير، وقد اعترى الشحوب وجهه ورجليه. احتضنته وقبّلته في كلّ أنحاء جسده وأنا أبكي. 

كان ذلك أصعب أيّام حياتي. ليتني رأيت أحمد في الصباح قبل ذهابه إلى مسيرة العودة، لكي أقول له: "دير بالك على حالك. لا تقترب من الشريط، أريد أن أراك عندي في المساء أنت وإخوتك، ونتناول العشاء معًا. أريد أن تحدّثني عن المسيرة". لقد تركني للحزن والألم. حتى الآن أنا لا أصدّق أنّ أحمد استُشهد وأنّني لن أراه بعد. في المنزل أحسّ بضحكة أحمد وكأنّه إلى جانبي. كان يحبّ الدّبكة والدّحيّة. منذ أن توفّي أحمد أنا لا أتحمّل سماع أغاني الدّحيّة لأنّها تذكّرني بغيابه. طوال الوقت أشاهد شريط الفيديو الذي يوثّق إصابة أحمد، رغم أنّ ذلك يؤلمني. صراخه وتأوّهاته تؤلمني إلى اليوم. ليتني أصبت بدلًا عنه.
 

المكان