Skip to main content
بانتظار الزيارة في سجن عوفر. تصوير: أورن زيف، أكتيف ستيلز، 29.10.17.
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

لدى إسرائيل الاعتقال الإداري للقاصرين أيضًا

في بداية تشرين الثاني 2021 كان عدد الفلسطينيّين المعتقلين إداريّاً في السجون الإسرائيلية 482 أسيرًا وفقاً لمعطيات تسلّمها مركز الدفاع عن الفرد من سُلطة مصلحة السّجون. ضمن المعتقلين الإداريين هناك أربعة معتقلين قاصرين وفقاً لهيئة شؤون الأسرى في السّلطة الفلسطينيّة. الاعتقال الإداري هو اعتقال بدون محاكمة بذريعة أن من يُعتقل يعتزم ارتكاب مخالفة في المستقبل إنما دون أن يفعل شيئًا بالفعل. لا يعرف المعتقل سبب زجّه في السّجن لأنّه لا يتمّ إطلاعه على مسوّغات اعتقاله التي تستند إلى أدلّة سرّيّة - وهكذا لا يستطيع المعتقل الدّفاع عن نفسه ودحض التهم المنسوبة إليه. إضافة إلى ذلك فإنّ مدة الاعتقال الإداريّ يمكن تمديدها مراراً وتكراراً دون تحديد سقف للمدّة الإجماليّة وذلك خلافاً لعُقوبة السّجن العاديّة حيث يقضي المحكوم عليه بالسّجن مدّة محدّدة. أي أنّ المعتقل إداريّاً لا يعرف متى سوف يُفرج عنه.

تستخدم إسرائيل هذه الوسيلة بشكل روتينيّ بحيث سجنت على مرّ السّنين آلاف الفلسطينيّين لفترات طويلة بعضهم لسنوات. وفقاً للقانون ينظر القضاة في أوامر الاعتقال الإداريّ ويُتاح للمعتقلين التوجّه إلى محكمة العدل العليا لكنّ عين القانون الفاحصة هذه هي فقط مظهر شكليّ، وفيما عدا حالات استثنائيّة جدّاً يصدّق القضاة بالمُجمل على أوامر الاعتقال الإداريّ.

يؤثّر الاعتقال الإداريّ بشكل قاسٍ على عائلات المعتقلين وبالتأكيد حين يكون المعتقلون قاصرين: علاوة على أنّ الأسرة تعاني قلق الانتظار في حالة من اللّايقين طوال أشهُر لأنّها لا تعرف متى سيتمّ الإفراج عن ابنها، تمنع إسرائيل الأسرة من إجراء أيّ اتّصال بالمعتقل فتبقى الأسرة بلا وسيلة لمعرفة أوضاع ابنها الصحيّة والجسديّة والنفسيّة. تفرض إسرائيل قيوداً مشدّدة على زيارة السّجن وحتى من يحظون بتصريح زيارة تكون زياراتهم قصيرة وعلى فترات بعيدة ويلتقون أعزّاءهم خلالها من خلف حاجز زجاجيّ. وإذ تمنع إسرائيل المعتقلين من إجراء محادثات هاتفيّة أو تلقّيها تبقى هذه الزيارات الوسيلة الوحيدة التي تملكها الأسرة للتحدّث مع المعتقل.

سجّل باحثو بتسيلم الميدانيّون إفادات من ذوي ثلاثة من القاصرين المعتقلين إداريّاً في الوقت الحاليّ، وصفت الأسر خلالها خوفها الدّائم على سلامتهم والقلق الذي يلازمها لحظة بلحظة إزاء عدم معرفة موعد الإفراج عنهم.

أدناه يحدّث معمّر نخلة (49 عاماً) من سكّان رام الله كيف تجابه أسرته اعتقال ابنه أمل البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

أمل نخلة, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
أمل نخلة, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

وُلد أمل حين كانت والدته لا تزال في الشهر السّادس من حملها فظلّ موصولاً بجهاز تنفّس وبقي في المستشفى لمدّة ثلاثة أشهر تقريباً. كنّا خائفين أن لا يتمكّن من البقاء حيّاً، وعندما طلبوا أن نُسمّيه أسميناه أمل تيمّناً إذ كنّا نأمل أن تُكتب له الحياة.

في حزيران 2020 بدأ أمل يتقيأ دمًا. كان يعاني صعوبة في التنفّس وفي البلغ. بعد الفحوصات تبيّن أنّ لديه ورم في الرئتين ويحتاج إلى عمليّة يمكن إجراؤها فقط في المستشفى الفرنسيّ في القدس. قدّمنا طلب تصريح لدخول إسرائيل لي وله لكي نتمكّن من المجيء إلى المستشفى وإجراء العمليّة لكنّ الطلب رُفض لأسباب أمنيّة كما قالوا لنا. استدعى جهاز الأمن العامّ (الشاباك) أمل لتحقيق في سجن "عوفر" في 1.7.20 وحين ذهب أمل إلى هناك فحصوا بطاقة هُويّته وبعد انتظار ساعتين قالوا له "عُد إلى المنزل لأنّ المحقّق غير موجود".

بعد أيّام معدودة ساعد بعض أصدقائنا أمل في الوصول إلى المستشفى في القدس "تهريب" وهكذا أجريت له العمليّة وغادر المستشفى بعد مضيّ خمسة أّيّام. بعد مضيّ بضعة أيّام على عودته اتصل شخص من "الشاباك" بنا هاتفيّاً واستدعى أمل مرّة أخرى للتحقيق. إثرَ ذلك توجّهت إلى مؤسسة الضمير لرعاية الأسير ولحقوق الإنسان فتوجّهوا بدورهم إلى السّلطات الإسرائيليّة وأرسلوا إليهم تقارير طبّية تثبت وضع أمل الصحّي لكي يفهموا أنّه مريض. ردّاً على ذلك قالوا إنّهم لن يقوموا باعتقاله حاليّاً. في تشرين الأوّل 2020 تبيّن أنّ أمل يعاني مرضاً نادراً جدّاً يُدعى مياستينيا جرافيس (myasthenia gravis) يسبّب تشنّجات وصعوبات في بلع الطعام. لذلك يحتاج أمل أن يتناول دواءً كلّ أربع ساعات.

في 2.11.20 حين كان أمل في طريقه إلى روابي مع أصدقائه قبض عليه جنود واعتقلوه. آنذاك اعتقلوه لمدّة 38 يوماً وفي 10.12.20 أفرجوا عنه. بعد ذلك استُدعي للمثول في مكاتب المخابرات الفلسطينيّة في يوم الاثنين الموافق 18.1.21 فاحتجزوه في تلك اللّيلة وأفرجوا عنه في اليوم التالي. بات في المنزل ليلة واحدة فقط وفي يوم الأربعاء ليلاً أو فجر يوم الخميس عند السّاعة 3:00، اقتحم منزلنا جنود وعناصر من "الشاباك" وفتّشوا المنزل. بعد ذلك أمروا أمل أن يرتدي ملابسه ويأخذ أدويته ثمّ اعتقلوه. توجّهت فوراً إلى مؤسسة الضمير وطلبت منهم أن يستعلموا إلى أين أخذوه. اتصلوا بي لاحقًا وأخبروني أنّ "الشاباك" نقل أمل إلى سجن "مجيدو" وأنّه رهن الاعتقال الإداريّ.

منذ ذلك الحين مدّدوا اعتقاله ثلاث مرّات وقال لنا المحامي إنّهم قد يمدّدون الاعتقال مرّة رابعة وهذا ممّا يُضاعف قلقنا وتوتّرنا. حياتنا مضطربة إذ لا نحظى بلحظة هدوء واحدة فنحن قلقون عليه طوال الوقت. وضعه الآن مستقرّ ولم يحدُث أيّ تدهوُر ولكنّ استمرار اعتقاله مع مرضه يجعله في خانة الخطر.

في 19.9.21 عندما مدّدوا اعتقال أمل للمرّة الثالثة كان الأمر أصعب وأكثر إيلاماً من المرّات السّابقة لأنّهم وخلافاً للمرّات السّابقة لم يُخبرونا قبل انتهاء مدّة اعتقاله بأسبوع أنّهم عازمون على التمديد، لذلك كان لدينا أمل كبير في أنّهم سيُفرجون عنه. أحسست أنّ كلّ شيء يجري كما في التصوير البطيء. كنت أحسب الوقت وأتخيّل: ها هو أمل يخرج الآن من السّجن، ها هو يصل، يطرق باب منزلنا، ويتمّ اللّقاء - حلم يتحقّق. ولكن هذا كلّه سلبوه منّا في اللّحظة الأخيرة إذ اتّصل محاميه وأخبرنا أنّهم مدّدوا اعتقال أمل لمدّة أربعة أشهر أخرى وقال إنّ هذا حدث تمامًا في اللّحظة التي كان يُفترض أن يُفرج عنه فيها.

منذ اعتقال أمل قدّمنا عدّة مرّات طلبات تصريح لكي نزوره ولكنّهم سمحوا لي ولوالدته بزيارته مرّة واحدة فقط وذلك في نيسان 2021. رأيناه من خلف حاجز زجاجيّ ولم نستطع حتى أن نعانقه. استمرّت الزيارة أربعين دقيقة وبالكاد سألناه كيف حالك واستفسرنا منه عن وضعه الصحّي. كان متعباً وواهناً. قال لنا إنّه يتناول دواءه بشكل منتظم ومع ذلك راودني شعور بأنّه يقول ذلك فقط لكي يطمئننا. منذ تلك الزيارة ونحن نقدّم الطلبات كلّ شهر ولكنّهم رفضوها جميعاً. قالوا إنّ السّبب هو أنّني أسير سابق ولذلك فزوجتي أيضاً ممنوعة من الزيارة. نحن دائبون على تقديم الطلبات كلّ شهر. في إحدى المرّات أبلغونا عبر الصّليب الأحمر أنّه تمّت الموافقة على الزيارة ولكن بعد خمسة أيّام أبلغنا الصّليب الأحمر فجأة أنّ "الشاباك" تراجع وبالتالي ألغيت الموافقة. كان ذلك صعباً علينا جدّاً. قبل خمسة أيّام تلقّينا خبراً بأنّ هناك موافقة وسوف نذهب في زيارة 8.11.21 ولكن الآن أنا ووالدة أمل نعيش في توتّر خشية أن يُلغوا الموافقة مرّة أخرى.

متابعة: في 8.11.21 والد وشقيق أمل نخلة زاراه في السجن.

أدناه صفاء الهريمي (43 عاماً) أمّ لخمسة أبناء من سكّان وادي رحال في محافظة بيت لحم، تحدّث عن اعتقال ابنها سامي البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش:

 سامي الهريمي, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
سامي الهريمي, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

ابني سامي يعمل في إدارة حانوت بقالة صغيرة للعائلة. في 20.9.21 حين كان نائماً في فراشه اقتحم جنود منزلنا. كان سامي يصرخ أنّه لم يفعل شيئاً وأنّه لا يريد الدّخول إلى السّجن. في البداية أخذوه للتحقيق في المسكوبيّة وبعد عشرة أيّام أصدروا بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة أربع أشهر. قال لنا المحامي إنّ الاعتقال كما يبدو متعلّق بتحريض عبر فيسبوك وهذا كل ما يعلمه. في البداية لم نعرف أيضاً إلى أيّ سجن أخذوه إلى أن توجّهنا لمكتب الدفاع عن الفرد "هموكيد" وعلمنا أنّ سامي معتقل في سجن "عوفر".

لا أعرف لماذا اعتقل الجيش ابني. كان يعمل في البقّالة من الصّباح وحتى اللّيل. حياتي صعبة جدّاً في غيابه. أفكّر فيه طوال الوقت، عندما نجتمع لتناوُل الطّعام وعندما أدخل إلى غرفته وأرى سريره فارغاً. أحياناً أبكي. طوال الوقت أتّصل بالمحامي لكي أرى ما إذا وصلته معلومات جديدة وأسأله هل زار سامي. أحاول أن أستوضح هل سيعود إلى المنزل مع إتمام أشهُر الاعتقال الأربعة، ولكن لا أحد يعلم. أنا قلقة كثيراً على سامي فهو ما زال صغيراً ولا يعرف كيف يُجابه مثل هذه التجربة. رأيت بأمّ عيني كم كان خائفاً حين اعتقلوه.

 

أدناه تحدّث سناء منصور (37 عاماً) أمّ لأربعة أبناء من سكّان جنين، عن اعتقال ابنها محمد البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي:

محمد منصور, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
محمد منصور, 17. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

فجرَ يوم 8.4.21 اقتحم جنود منزلنا وهو أمر لم يحدث لنا من قبل. خلعوا الباب فيما كنّا نائمين فاستيقظنا على صُراخ الجنود. اتّجهنا فوراً نحو المدخل لكي نمنع الجنود من اقتحام غرف الأولاد وفي هذه الأثناء استيقظوا بسبب الصّراخ فخرجوا من غرفهم. ثلاثة من أولادنا يعيشون معنا في المنزل: أمل (17 عاماً) وماسة (16 عاماً) ومريم (11 عاماً).

انقضّ الجنود فوراً على محمد. رأيت أحدهم يضربه على رأسه بالبندقيّة. جنديّ آخر كبّل يدي محمد ثمّ أدخلوه إلى إحدى الغرف. بعد مضيّ خمس دقائق تقريباً أخرجوه من المنزل ولم يسمحوا لنا أن تعطيه ملابس أو أن نودّعه ونعانقه. لقد صادروا هاتفه الخلوي أيضاً. حين طلبت منهم أن يسمحوا لي بوداعه أخذوا يصرخون عليّ ولم يتيحوا لي حتى الاقتراب منه. حين أخرجوا محمد من المنزل انتابتني صّدمة من المشهد الذي رأيته - عشرة جنود كانوا يطوّقون المنزل من كلّ الجهات وكان معهم شخص بلباس مدنيّ يغطّي وجهه بلثام.

بعد أن اعتقلوا محمد أخذوه للتحقيق في سجن الجلمة وكان موقوفاً هناك طيلة 28 يوماً. بعد ذلك نقلوه ليقضي الاعتقال الإداريّ في سجن مجيدو. أمر الاعتقال الأوّل كانت مدّته أربعة أشهُر كان يُفترض أن تنتهي في 10.8.21 وعليه فقد توقّعنا أن يُفرجوا عنه غير أنّهم اتّصلوا بنا من السّجن قبل نفاد المدّة بيوم واحد وقالوا لنا أن لا نأتي لاستقباله لأنّه قد جرى تمديد اعتقاله لمدّة ستّة أشهُر أخرى أي حتى 8.2.22. كان أمراً لا يُصدّق.

حتى اليوم لا يزال ينتابُني الهلع كلّما تذكّرت يوم أن أتوا واعتقلوه. قبل اعتقاله بيوم واحد كان لديه امتحان وقد حصل فيه على علامة 100. اعتقاله يحرمه من مُواصلة تعليمه الثانوي ويسلبني فرحة تخرّجه بنجاح. أخشى كثيراً أن يستمرّ اعتقاله لوقت طويل فيدمّروا بذلك حياته ومستقبله. كان أمل محمد أن يسافر ويتعلّم في الخارج بعد تخرّجه من الثانويّة.

منذ أن اعتقلوا محمد سمحوا لنا بزيارته فقط مرّة واحدة وكان ذلك بعد مرور ستّة أشهر وخمسة أيّام على الاعتقال. لا أستطيع أن أصف لكُم كم هُو مُزعزع أن ترى ابنك من خلف الزجاج. تحدّثنا معه طوال 45 دقيقة عبر الهاتف - وهو خلف الزجاج - أمضيناها نبكي أنا ووالده. منذ ذلك الحين لا يستطيع زيارته أحد سوى محاميه.

كلمات مفتاحية