Skip to main content
سجن مجيدو في شمال إسرائيل. تصوير أمير كوهين، رويرز، 24.7.18
Menu
المواضيع

حين يصبح الحُكم القضائيّ مجرّد توصية: إسرائيل تحول الأسرى الفلسطينيّين إلى الاعتقال الإداري في يوم انتهاء محكوميّتهم

تستخدم إسرائيل نوعين من الإجراءات لزجّ فلسطينيّي الضفة الغربية في السّجون: الإجراء الجنائيّ والإجراء الإداريّ. في بعض الحالات يجري اعتقال شخص بهدف التحقيق معه وفقط عند نهاية التحقيق يصدر القرار بخصوص أيّ من الإجراءين تختار الدولة - هذا إذا اختارت - للمضيّ في إجراءات إدخاله إلى السّجن.

يُفترض أنّ الإجرائين يختلفان تمامًا لكنّ الفرق في الواقع الفعليّ أقلّ من الفرق الشكليّ: في الإجراء الجنائيّ تقدّم الدولة لدى محكمة عسكريّة لائحة اتهام ضدّ المتّهم. ولكن عامّة تكون الأدلّة في هذه القضايا - مهما كانت عُرضة للتشكيك - واهية وتقتصر عادة على اعتراف المتّهم أو بإدانته استنادًا إلى اعتراف شخص آخر ضدّه. لكنّ الأدلة على أيّة حال تكاد لا تلعب دورًا في الإجراء إذ أنّ المحكمة لا تعقد جلسة إثبات للنظر في الأدلّة إلّا في حالات استثنائيّة. ما يحدث عادةً هو أنّ الملفّات تُغلق دون أن تنظر فيها المحكمة حيث تعقد النيابة مع الدّفاع صفقة اعتراف يُتّفق فيها على أن يعترف المتّهم - عادةً، مقابل شطب بعض بنود لائحة الاتّهام - ويقبل عقوبة معيّنة. والحالة هذه، لا يبقى لقضاة المحكمة سوى المصادقة على الصفقة التي تمّت خارج إطار الإجراء القضائيّ ومنحها صفة حُكم قضائيّ. تفيد المعطيات حتّى نهاية شهر آب 2019 أنّ إسرائيل تحتجز 2,851 فلسطينيًّا من سكّان الضفة الغربية يقضون عقوبة السّجن وفقًا لقرار حُكم قضائيّ.

من يوقّع أمر الاعتقال في إجراء الاعتقال الإداريّ هو قائد منطقة المركز وذلك استنادًا إلى أدلّة تبقى محجوبة عن المعتقل، الذي لا يعرف حتى ما التّهمة الموجّهة إليه. لا يتمّ إطلاع المتّهم ولا محاميه على الأدلّة حتى في حالة الاستئناف على أمر الاعتقال، وبالتالي لا يمكنهما حتى محاولة تفنيد الأدلّة. تفيد المعطيات حتى نهاية شهر آب 2019 أنّ إسرائيل تحتجز 413 فلسطينيًا من سكّان الضفة الغربية رهن الاعتقال الإداري.

الفرق الجوهريّ والأساسيّ بين الإجرائين هو موعد الإفراج عن الأسير: في الإجراء الجنائيّ تكون العقوبة نهائيّة بحيث يعرف الأسير أنّه سيُفرج عنه ويعود إلى منزله عند انتهاء فترة محكوميّته. خلافًا لذلك، في إجراء الاعتقال الإداريّ يمكن تمديد أمر الاعتقال مرارًا وتكرارًا دون تحديد عدد المرّات؛ ويمكن القيام بذلك حتى في يوم الإفراج عن المعتقل. من هنا فالمعتقلون الإدرايّون لا يعلمون مطلقًا متى سيتمّ الإفراج عنهم. كلّ ما يعلمونه هو مدّة "الوجبة" الحاليّة من الاعتقال الإداريّ.

في خمسٍ من الحالات التي حقّقت فيها بتسيلم (نأتي لاحقًا على تفصيل أربعة منها) ألغى الجيش حتى هذا الفرق وأوعز باعتقال الأسرى إداريًّا فورَ انتهاء محكوميّتهم التي التي فرضتها المحكمة العسكرية. تمّ تبيلغ الأسير بأنّه معتقل إداريًّا عند موعد الإفراج عنه وهو في خضمّ استعداده للعودة إلى منزله واستعداد أفراد أسرته لاستقباله. يُدخل هذا الأداء الأسرى وأسرتهم في توتّر لا يُطاق وحالة من انعدام اليقين بخصوص موعد الإفراج، ناهيك عن تداعيات ذلك على بقيّة الأسرى الذين باتوا يخشون عدم الإفراج عنهم لدى انتهاء محكوميّتهم.

تتواطأ المحاكم العسكريّة مع هذا الأداء إذ تصادق في جميع الحالات على تحويل الأسرى إلى الاعتقال الإداري بدلًا من الإفراج عنهم. بذلك تؤكّد هذه المحاكم أنّها تندرج ضمن أذرُع نظام الاحتلال الأكثر أذيّة وأنّها ليست سوى جهاز آخر في منظومة إدامة سيطرة إسرائيل على الشعب الفلسطينيّ.

جعفر عز الدين مع ابنته بعد الإفراج عنه. تصوير عبد الكريم السّعدي، بتسيلم، 20.8.19

جعفر عزّ الدين (48 عامًا) من سكّان عرّابة في محافظة جنين:

في يوم الأربعاء الموافق 30.1.19 نحو السّاعة 3:00 فجرًا اقتحم جنود منزل عائلة عزّ الدين في بلدة عرّابة الواقعة جنوب غرب جنين. أجرى الجنود تفتيشًا في المنزل واعتقلوا الوالد - جعفر عزّ الدين البالغ من العمر 48 عامًا وهو عامل بناء وكان قد تمّ الإفراج عنه ضمن "صفقة شاليط".

قدّمت النيابة العسكريّة لائحة اتّهام ضدّ جعفر وفي 27.5.19 صادقت نائب رئيسة المحكمة العسكريّة في سالم، المقدّم أفيشاغ أجامي - مردخاي، على صفقة وقّع عليها جعفر يعترف بموجبها بتهمة بتقديم خدمات لتنظيم محظور ويُحكم عليه بالسّجن الفعليّ لمدّة خمسة أشهر والسّجن لمدّة سنة مع وقف التنفيذ وغرامة ماليّة قدرها 5,000 شيكل. كان ينبغي الإفراج عنه في 16.6.19 في يوم انتهاء محكوميّته، ولكن في ذلك اليوم نفسه جرى تبليغه أنّه قد صدر قبل خمسة أيّام، في 11.6.19، أمر اعتقال إداريّ في حقّه لمدّة ثلاثة أشهر.

في 16.6.19 ابتدأ جعفر عز الدين إضرابًا عن الطّعام ونُقل إلى الحبس الانفراديّ. بعد مضيّ شهر، في 23.7.19، عقدت محكمة عوفر العسكريّة جلسة لبحث قضيّته. وكما في جميع حالات الاعتقال الإدرايّ، رفضت النيابة في هذه المرّة أيضًا أن تُفصح له ولمحاميه عن أسباب اعتقاله وصادق القاضي - المقدّم يحيئيل كاتس - على أمر الاعتقال استنادًا إلى أدلّة سرّية. غير أنّ القاضي أوعز بخفض مدّة الاعتقال إلى شهر بحيث ينتهي في 14.8.19. تمّ في نهاية الأمر الإفراج عن جعفر عز الدين في 8.8.19 بقرار إدرايّ من مصلحة السّجون.

أدناه إفادة الزّوجة، أسماء عزّ الدين (38 عامًا) وهي متزوّجة وأمّ لخمسة أولاد، أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي في 19.6.19، بعد نقل زوجها إلى الاعتقالي الإداريّ ببضعة أيّام:

بالذّات في اليوم الذي كان يُفترض أن يخرج زوجي من سجن مجيدو أبلغنا محاميه أنّه قد صدر في حقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة ثلاثة أشهر. هكذا علمنا بالأمر أنا وأبنائي وبناتي، وزوجته الثانية ناديا (43 عامًا) وهي أمّ لثلاثة أولاد بالغين.

كان ذلك يومًا حزينًا بالنسبة لنا جميعًا. الأولاد صُدموا لدى سماعهم الخبر، وحزنوا كثيرًا لأنّ والدهم أصبح رهن الاعتقال الإدرايّ. لقد انتظروا عودته طيلة خمسة أشهر، وكانوا منفعلين جدًّا مع اقتراب موعد الإفراج عنه وأعدّوا له مفاجآت جميلة. يوسف يبلغ من العمر 8 سنوات، وقدّ رسم لوالده لوحة أراد أن يرفعها عند استقبال والده في حاجز الجلمة، وكان يخطّط أن يهتف "أبي حرّ!"؛ وكذلك نصر البالغ من العمر 7 سنوات استعدّ للحفل الذي خطّطنا لإقامته قبالة المنزل لدى وصول والده، وكان يقول دائمًا "عندما يخرج والدي من السّجن أريد أن أعانقه بقوّة لأنّني اشتقت إليه كثيرًا".

نزل خبر تحويل جعفر للاعتقال الإداري عليّ وعلى ناديا كالصّاعقة. لقد علمنا بذلك ونحن في خضمّ إعداد الأطعمة والحلوى لاستقباله، حين كنّا ننتظر بفارغ الصّبر خروجه من السجن لكي نواصل حياتنا الطبيعيّة.

طوال فترة محكوميّة زوجي لم يرَه أولادي بتاتًا. أنا كنت أراه فقط أثناء جلسات المحكمة ولم يسمحوا لي بالتحدّث إليه. كنت أنظر إليه لا أكثر. حصلنا أنا وناديا على تصريح زيارة ولكنّنا لم نتمكّن من زيارته - كان السبب في المرّة الأولى أنّه نُقل للعلاج في عيادة سجن الرّملة. هو يعاني من مرض السكّري وارتفاع ضغط الدم، والإضرابات السابقة عن الطّعام سبّبت له نقصًا في الفيتامينات. وفي المرّة الثانية لم نذهب لأنّ الصّليب الأحمر أبلغنا أنّ هناك اكتظاظ في الزيارات.

قال لي محاميه ومعتقلون آخرون أنّ زوجي أعلن إضرابًا عن الطعام حين أبلغوه بأمر الاعتقال الإداريّ. جميعنا قلقون ونخشى على صحّته. أولاد ناديا وإخوة جعفر يساعدوننا من الناحية المادّية.

أدناه إفادة جعفر عزّ الدين التي أدلى بها في 20.8.19 عقب الإفراج عنه:

كنت أنتظر يوم الإفراج عنّي على أحرّ من الجمر. كذلك الأمر بالنسبة لأسرتي - زوجتاي وأولادي ووالدتي، وهي امرأة مريضة ومسنّة في الـ85 من عمرها. لم أعلم أنّ رجال "الشاباك" قد أوعزوا بتحويلي من السّجن العاديّ إلى الاعتقال الإداري. عند السّاعة 7:00 في يوم إخلاء سبيلي أبلغني ضابط "الشاباك" في سجن مجيدو أنّه سيتمّ تحويلي إلى الاعتقال الإداري. في اللحظة نفسها أبلغته أنّني أعلن إضرابًا عن الطّعام.

في اليوم التالي حوّلوني إلى الحبس الانفرادي وزجّوا بي في زنزانة ضيّقة مساحتها 2.5م/2م، فيها مرحاض وفرشة من المطّاط. كان الجوّ في الزنزانة حارًّا جدًّا والرّطوبة عالية وكانت رائحتها نتنة. احتجزوني هناك طيلة 22 يومًا حاولوا خلالها استفزازي والضغط عليّ: كانوا يفتّشونني عاريًا، يدخلون الغرفة كثيرًا ويجرون تفتيشات مهينة ويوجّهون إليّ شتائم بذيئة ومهينة. كان السجّانون يصرخون عليّ لكي يمنعوني من النوم وكانوا يأكلون ويشربون قربي لكي يكسروا إضرابي عن الطعام. كنت في معظم الوقت أشرب الماء، ولكن في اليوم الثالث وفي اليوم السّابع عشرتوقّفت عن شرب الماء لمدة ثلاثة أيّام كل مرة. في 9.7.19 نقلوني إلى عيادة سجن الرملة بسبب تدهور وضعي الصحّي. مكثت هناك حتى 25.7.19، بعد أن أوقفت الإضراب - الذي استمرّ 39 يومًا - بعد أن نجح محاميّ في خفض مدّة اعتقالي الإداري إلى شهرين. من بعد ذلك نقلوني إلى سجن عوفر، وبعد عشرة أيّام تقريبًا تمّ الإفراج عنّي قبل انتهاء مدّة الاعتقال بأسبوع.

لقد عانيت كثيرًا خلال الإضراب عن الطعام: أوجاع شديدة وإغماء وقيء. لم أكن قادرًا على الوقوف أو المشي فكنت مستلقيًا طوال الوقت. إضافة إلى ذلك منعوا عنّي الزيارة العائليّة طيلة فترة الإضراب. كان ذلك الاعتقال الإداري السّادس لي منذ عام 2002. في كلّ مرّة كان الاعتقال يستمرّ عدّة أشهر وأحيانًا كانوا يمدّدونه؛ وقد بلغت المدّة الإجماليّة 47 شهرًا في الاعتقال الإداري.

في اليوم التالي لوقف الإضراب عن الطعام زارني في مستشفى سجن الرّملة ابني مؤمن وهو ابني من زوجتي نادية. كانت تلك الزيارة الأولى لأيّ من أفراد أسرتي منذ أن دخلت السّجن. كنت أعاني من الوهن وأجلس في كرسيّ متحرّك. كنت قلقًا جدًّا على زوجتيّ وأولادي لكنّ مؤمن طمأنني أنّهم بخير جميعًا.

مالك أبو عيشة (34 عامًا) من سكّان الخليل:

مالك أبو عيشة مع ابنته. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

في 31.5.18 نحو السّاعة 1:00 ليلًا اقتحم جنود منزل عائلة أبو عيشة في الخليل بهدف اعتقال مالك أبو عيشة، وحين لم يجدوه في المنزل اقتحموا المنزل المجاور، حيث يقيم والده، محمد أبو عيشة البالغ من العمر 60 عامًا. أجرى الجنود تفتيشًا في المنزل أعاثوا خلاله خرابًا وفوضى ثمّ أمروا الأب أن يتّصل بأولاده ويطلب منهم المجيء. حين جاء اثنان منهم - مالك وأخوه عبد الهادي البالغ من العمر 27 عامًا، اعتقل الجنود مالك واقتادوه معهم. بعد الاعتقال قدّمت النيابة العسكريّة لائحة اتّهام اتّهمته فيها بالتحريض ثمّ عُقدت صفقة حُكم بموجبها عليه بالسّجن الفعليّ لمدّة سنة. كان يُفترَض أن يتمّ الإفراج عن مالك في 3.5.19 ولكن في ذلك اليوم أبلغ أبو عيشة أسرته أنّهم قد حوّلوه للاعتقال الإداري.

قدّم مالك استئنافًا على قرار الاعتقال الإداري لكنّ المحكمة ردّته وفي إطار التماس قدّمه إلى محكمة العدل العليا تعهّدت الدولة ألّا تمدّد اعتقاله سوى مرّة واحدة. في 2.9.19 جرى تمديد اعتقاله لمدّة أربعة أشهر أخرى ومن المتوقّع إخلاء سبيله في 1.1.20.

أدناه إفادة الزّوجة، غدير الجعبري (25 عامًا) وهي أمّ لثلاثة أولاد، أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 18.6.19:

خلال محاكمة زوجي في عوفر كنت حاملًا في الشهر السادس بابني معتصم ولم أتمكّن من حضور الجلسات. لم أكن لأقدر على تحمّل عذاب السّفر إلى المحكمة والانتظار الممضّ والإجراءات الأمنيّة التي يُخضعوننا لها هناك. كذلك لم يحضر الجلسات والد زوجي ووالدته (عطاف، 55 عامًا) بسبب وضعهما الصحّي. بعد أن ولدت اكتشفت أنّني "ممنوعة أمنيًّا" ولم يُسمح لي بزيارة مالك. زارته والدته أربع مرّات، وفي حزيران زاره والده وأخذ معه ولديّ الأكبرين (7 أعوام و-4 أعوام). إنّهما يسألان عنه طوال الوقت وعن أحواله ومتى سيُفرج عنه.

كان يُفترض أن يخرج مالك من سجن "كتسيعوت" في يوم الجمعة 3.5.19. لقد انتظرنا بفارغ الصّبر اللحظة التي سنراه فيها أخيرًا. اشترى والداه الحلويات لتقديمها للمهنّئين الذين سوف يتوافدون علينا، وارتدى الأولاد ملابس جديدة وأخذوا ينتظرون قدومه بلهفة. صُعقنا حقًّا عندما في السّاعة 15:00 تقريبًا اتّصل وقال لي أنّه الآن رهن الاعتقال الإداري لمدّة أربعة أشهر. تملّكتني الصّدمة وانهرت تمامًا. صرنا نبكي أنا والأولاد.

من الصّعب جدًّا رعاية ثلاثة أولاد وحدي في غياب والدهم. والد زوجي يعتني بنا ويقدّم لنا كلّ ما نحتاجه من مأكل ومشرب وملابس واحتياجات المنزل، ولكنّني أخجل من طلب نقود أصرفها عندما أحتاج أغراضًا شخصيّة أو عندما يطلب منّي الأولاد شيئًا. والد زوجي لا يعمل الآن وهو يعيش مع زوجته بتقشّف لأنّه يدعم أيضًا عائلة سلفي عبد الهادي (33 عامًا) المعتقل إداريًّا هو الآخر منذ 20.5.19 ولمدّة ستّة أشهر، وله ثلاثة أولاد. وهناك أخ ثالث لزوجي (عبد القادر، 36 عامًا) يقضي حكمًا بالسّجن لمدّة 11 عامًا منذ 20.5.19؛ وله أيضًا يوجد ثلاثة أولاد.

لا توجد لديّ أدنى ثقة بالمحاكم الإسرائيليّة أو قناعة بعدالتها ولذلك لا أعلم إن كان سيُفرَج عن مالك في نهاية فترة الاعتقال الإداريّ. يمكنني فقط أن أدعو الله أن يخلوا سبيله ويعود إليّ وإلى أولاده.

فداء دُعمس (24 عامًا) من سكّان بيت أمّر في محافظة الخليل:

في ساعات الفجر من يوم الثلاثاء الموافق 29.5.18 اقتحم جنود منزل عائلة دُعمس في بيت أمّر شماليّ الخليل بهدف اعتقال إحدى فتيات الأسرة، فداء دُعمس البالغة من العمر 24 عامًا وهي طالبة جامعيّة تدرس المحاسبة. بعد أن أجرى الجنود تفتيشًا في منزل والديها ومنزل شقيقها المجاور، اعتقلوا فداء ثمّ اقتادوها مكبّلة اليدين ومعصوبة العينين. نُقلت فداء دُعمس إلى سجن الشارون وقُدمت ضدّها لائحة اتّهام وبعد شهر ونيف - في 7.8.18 صادق قاضي المحكمة العسكريّة في عوفر، المقدّم دافيد سبرنسكي على إدانتها بتهمة التحريض في إطار صفقة ادّعاء. خلفيّة هذا كلّه "بوسْت" نشرته فداء في الفيسبوك مرفقًا بصورة أحمد جرّار الشابّ الذي قتلته قوّات الأمن في 6.2.18 إثر الاشتباه في تورّطه بمقتل الحاخام رازئيل شيبح في 9.1.18. وفقًا للصفقة حُكم في فداء بالسّجن الفعليّ لمدّة 95 يومًا وبالسّجن لمدّة سبعة أشهر مع وقف التنفيذ.

كان يُفترَض الإفراج عن فداء في 17.8.18 في إطار قرار إداريّ من مصلحة السّجون وعليه فقد جاءت والدتها واثنان من أشقّائها في ذلك اليوم إلى حاجز جبارة جنوبيّ طولكرم لكي يستقبلوها هناك.

أدناه إفادة الوالدة، فاطمة دُعمس، 54 عامًا، أرملة وأمّ لخمسة أولاد، كانت قد أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 29.7.19:

فاطمة دُعمس. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم، 21.8.19

وصلنا إلى الحاجز عند السّاعة 8:30 ولكنّ فداء لم تكن هناك. اتّصلت بالمحامي فقال أنّه سوف يتقصّى الأمر ثمّ عاد وأبلغنا أنّه جرى تحويل فداء إلى الاعتقال الإداريّ لمدّة 6 أشهر.

انتابتنا الصّدمة وعدنا إلى بيت أمّر. كنت أبكي طوال الطريق ولم أفهم ما الذي حدث. قبل ذلك بثلاثة أيّام زرتها في السجن وكانت جدّ سعيدة باقتراب الإفراج عنها. عدت من الزيارة وأخذت أعدّ لاستقبال فداء ودعوت جميع الأقارب والأصدقاء. لاحقًا علمت أنّ إدارة سجن الشارون أخبرت فداء في ليلة الإفراج عنها انّه سيتمّ تحويلها إلى الاعتقال الإداري بسبب ملفّ سرّي. قال محاميها أنّه قدّم استئنافًا لكنّه رُفض وبعد ذلك مدّدوا اعتقال فداء إداريًّا لمدّة أربعة أشهر. رُفض أيضًا الاستئناف على هذا التمديد.

في 14.6.19 مدّدوا الاعتقال الإداريّ لفداء مرّة أخرى لمدّة شهرين حتّى تاريخ 13.8.19. كانت فداء قلقة جدًّا من احتمال الاستمرار في تمديد الاعتقال مرّة تلو الأخرى، وفي زيارتي الأخيرة لها قالت لي أنّها سوف تعلن الإضراب عن الطعام احتجاجًا على تمديد اعتقالها. رجوتها ألّا تفعل ذلك، ولكنّها رغم ذلك أضربت عن الطعام في بداية شهر تمّوز لمدّة 4 أو 5 أيّام، قلقت عليها كثيرًا خلال الإضراب.

أنا متأثرة ومنفعلة كثيرًا بالإفراج القريب عن فداء. آمل أن تعيش معنا بهدوء وطمأنينة. اعتقالها كان أمرًا صعبًا جدًّا بالنسبة لي ولإخوتها وأخواتها. أتمنّى ألّا يصيبنا ذلك مرّة أخرى. فداء لم تفعل شيئًا. كلّ ما هنالك تقديرات من "الشاباك" وتهمة التحريض هذه.

أدناه إفادة فداء دُعمس، أدلت بها في 23.8.19 أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش، بعد الإفراج عنها:

فداء دُعمس. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم، 21.8.19

مع اقتراب موعد الإفراج عنّي كنت سعيدة جدًّا في عودتي أخيرًا إلى منزلي. كذلك والدي وإخوتي كانوا سعداء. قالوا لي أنّهم يزيّنون المنزل بالأعلام استعدادًا لعودتي وأنّهم يعدّون لاستقبال المهنئين. لم يخطر في بالي أنّني سأدخل السجن لمدّة ثلاثة أشهر بسبب تهمة سخيفة مثل نشر صورة على الفيسبوك. يوم أن اعتقلوني ظننت أنّني سأعود إلى المنزل بعد ساعات عدّة.

في اللّيلة التي سبقت الإفراج عنّي لم أذق طعم النوم. ودّعت زميلاتي السّجينات. أحسست وكأنّني قد أصبحت في المنزل، وكنت متأثّرة ومنفعلة لرؤية والدتي وإخوتي في اليوم التالي. في الصّباح كنت على يقين من أنّهم ينتظرونني في الحاجز. ارتديت ملابس جديدة أرسلتها لي أسرتي.

وودّعت زميلاتي للمرّة الأخيرة ثمّ انتظرت أن يستدعيني قائد السّجن، حيث علمت أنّ هذا إجراء روتينيّ يطبّق لدى الإفراج عن أيّ أسير. كنت مصدومة عندما قال لي قائد السّجن أنّه لن يتمّ الإفراج عنّي بسبب قرار بتحويلي إلى الاعتقال الإداري. غضبت جدًّا، ثمّ اكتأبت وتملّكني شعور بالعجز. حاولت أن أستفسر لماذا يحوّلونني للاعتقال الإداري.

عدت إلى زنزانتي وأجهشت بالبكاء. أخذت زميلاتي يواسينني ويهدّئن من روعي. بعد الظهر تلقّيت أمر الاعتقال الإداري، لمدّة ستّة أشهر، فصرت أبكي وأصرخ لماذا؟ لماذا؟ أنا لم أفعل شيئًا يستدعي ذلك! وفقًا لأمر الاعتقال تنتهي المدّة في 15.2.19. قدّمنا استئنافًا لكنّه رُفض.

بعد ثلاثة أشهر نقلوني إلى سجن الدّامون. كان المكوث هناك صعبًا جدًّا. كنت قلقة ومتوتّرة لأنّني لست واثقة أنّهم سوف يفرجون عنّي في 15.2.19. كنت أقضي الوقت في القراءة وكنت أعلّم الرياضيّات للأسيرات اللّواتي في سنّ المرحلة الثانوية.

عندما اقترب موعد انتهاء الاعتقال الإداري ساورتني المخاوف ولكنّني بقيت على أمل أنّني سأعود إلى منزلي، كذلك والدتي تحثّني ألّا أفقد الأمل. ولكن حدث ما كنت أخشاه. قبل موعد إخلاء سبيلي بيومين أو ثلاثة مدّدوا اعتقالي الإداري لمدّة 4 أشهر أخرى. قدّم محاميّ استئنافًا ولكن المحكمة ردّته بحجّة أنّ هناك ملفّ سرّي ومعلوما جديدة لدى "الشاباك". غضبت وأحسست أنّه لا تلوح في الأفق نهاية للحبس التعسّفي الذي فُرض عليّ.

بعد أربعة أشهر في 12.6.19، قبل موعد الإفراج عنّي بيومين تلقّيت مرّة أخرى تبليغًا بتمديد الاعتقال لمدّة شهرين. قدّم محاميّ استئنافًا ولكن بلا جدوى. كنت أشعر أنّني سوف أقضي حياتي معتقلة إداريًّا. كذلك عائلتي كانت قلقة جدًّا. توقّفت والدتي عن حثّي على التفاؤل والتمسّك بالأمل.

كان موعد الإفراج في تاريخ 13.8، ولأنّني لم أكن متأكّدة مما سيحدث أعلنت إضرابًا عن الطعام من 7.7 إلى حين حصولي على تعهّد بخصوص تاريخ الإفراج عنّي. نقلوني إلى الحبس الانفرادي واستمرّ إضرابي عن الطعام أربعة أيّام. كان العزل تجربة قاسية، الوقت لا يمرّ ولا شيء يمكن القيام به سوى تلاوة آيات من القرآن. كنت قلقة ممّا سيحدث لي. التقيت ضابط "الشاباك" فأخذ ينصحني بوقف الإضراب عن الطعام لكنّني رفضت ذلك إلّا بتعهّد بخصوص تاريخ الإفراج عنّي. رفض الضابط أن يعطيني جوابًا على ذلك.

بعد أربعة أيّام وافقت على استراحة يومين وعندها تلقّيت إجابة بأنّه سيتمّ الإفراج عنّي في 13.8.19. أسعدني ذلك كثيرًا، وأخذت أسرتي في الاستعدادات لعودتي واستقبال المهنّئين. كنت لا أزال خائفة ولم أصدّق، وكذلك أسرتي لم تصدّق.

في 8.8.19 فاجأوني حين قالوا لي أنّه سيتمّ الإفراج عنّي قبل الموعد بيومين، بمناسبة عيد الأضحى. عند السّاعة 14:00 خرجت من الٍسّجن. في الحاجز كان في انتظاري والدتي وأخي يوسف (29 عامًا) وأخي مهنّد (27 عامًا)، ثمّ أخذوني إلى المنزل. كان أهالي بيت أمّر ينتظرونني في منزلنا ومن ثمّ أجري لي استقبال كبير.

أنا اليوم سعيدة لأنّني وسط أسرتي ومع والدتي. ما زلت أشعر بالقهر بسبب الظلم الذي لحق بي منهم، ولأنّ ذلك كان اعتقالًا تعسّفيًّا ولا يتناسب مع نشر صورة في صفحتي على الفيسبوك.

ميسون دار حسين مع ابنها خالد. تصوير عبد الكريم السّعدي، بتسيلم، 20.8.19

طارق دار حسين (قعدان) (46 عامًا) من سكّان عرّابة في محافظة جنين:

في يوم الإثنين الموافق 25.2.19 نحو السّاعة 1:30 بعد منتصف الليل، اقتحم جنود منزل عائلة قعدان في عرّابة وصعدوا إلى شقّة طارق دار حسين (46 عامًا) وهو مزارع ومن محرّري "صفقة شاليط" وزوجته ميسون (41 عامًا) وأولادهما الخمسة المتراوحة أعمارهم بين 12-18 عامًا.

في الإفادة التي أدلت بها ميسون لبتسيلم قالت أنّ ضابط مخابرات جاء مع جنود وأبلغ زوجها أنّه معتقل ثمّ أمره بأن يرتدي ملابسه. قالت أيضًا أنّه جرى التحقيق معه طيلة نصف ساعة في حين كانت هي وأولادها محتجزين في غرفة أخرى. بعد ذلك ودّعها وودّع البنات وابنهما البالغ من العمر عشر سنوات ويعاني من ضمور الجهاز العصبي، ثم اقتيد إلى المعتقل في سجن مجيدو.

قدّمت النيابة العسكريّة ضدّ طارق دار حسن لائحة اتّهام وفي 12.3.19 صادقت المحكمة على صفقة أدين بموجبها بالمشاركة في اجتماع نظّمته حركة الجهاد الإسلامي قبل ذلك بعشرة أشهر تضامنًا مع الشيخ خضر عدنان في إضرابه عن الطعام، وحُكم عليه بالسّجن الفعليّ لمدّة شهرين والسجن لمدّة 3 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 3,000 شيكل، بحيث يتمّ الإفراج عنه في يوم10.4.19. في ذلك اليوم بالذّات صدر ضدّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة نصف سنة. قدم استئناف على الاعتقال الإداريّ مرّتين ورُفض الاستئناف في المرّتين. يُفترض أن يتمّ الإفراج عن طارق في 9.10.19. في 30.7.19 أعلن طارق دار حسين إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على اعتقاله الإداريّ ونُقل إلى عيادة سجن الرملة. في 8.10.19 صدر ضدّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة نصف سنة. طارق دار حسن لا يزال مضربًا عن الطعام ويشعر بوهن شديد.

 

 

أدناه إفادة الزّوجة، ميسون دار حسين، أدلت فيها في 20.8.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي:

في 10.4.19 ذهبنا لاستقبال زوجي في حاجز الجلمة - أنا وبناتي، وشقيقا زوجي وشقيقاته الأربع وأخذنا معنا ابني الصغير خالد البالغ من العمر 10 سنوات وهو مقعد في كرسي عجلات. انتظرنا هناك من السّاعة الثامنة صباحًا وحتى الخامسة بعد الظهر.

عند السّاعة الخامسة جاء إلى الحاجز شابّ من سيلة الظهرقد خرج من السّجن. سألناه عن طارق فقال لنا أنّهم قبل عدّة ساعات، أي بعد أن بدأوا في إجراءات الإفراج عنه، أبلغوه بأنّهم يحوّلونه إلى الاعتقال الإداري لمدّة 6 أشهر. لاحقًا في اليوم نفسه أبلغنا محامي طارق الشيء نفسه.

كانت تلك صدمة كبيرة لنا. أجهشت بناتي بالبكاء، وابني خالد أخذ يسأل أين أبي ولماذا لم يخرج من السّجن. كانت لحظات قاسية ومريرة لأنّنا كنّا قد طهونا الطعام وأعددنا القهوة والحلويات كالمعتاد حين يتحرّر الأسرى من السّجن، حيث يجتمع جميع الأقارب في منزل الأسير لكي يستقبلوه.

عدنا إلى المنزل حزانى نجرجر خيبتنا. لم ينطق أحد منّا بكلمة في الطريق من الحاجز إلى المنزل. لم يكن سوى الصّمت وصوت بكاء الأولاد.

زوجي لا ذنب له سوى أنّه يتضامن مع الأسير خضر عدنان. سلطة الاحتلال لا يمكنها أن تحاكمه وتعاقبه على ذلك، لأنّه لم يرتكب جريمة. يبدو أنّ السّلطات الإسرائيليّة لم تكتف بسجنه لمدّة شهرين وفقًا لقرار الحكم فأصدروا ضدّه أمر اعتقال إداريّ دون لائحة اتّهام. ينتقمون منه وينكّلون به وبأولادنا.

عندما كان زوجي في سجن مجيدو لم يسعفنا الوقت للحصول على تصريح زيارة لأنّ ذلك يستغرق وقتًا طويلًا. حصلنا على تصريح زيارة للمرّة الأولى لي ولبناتي فقط بعد تحويله إلى الاعتقال الإداري ونقله إلى سجن "كتسيعوت". في 26.9.19 ذهب لزيارته مع ابنتي زهراء (12 عامَا). خرجنا من المنزل في السّاعة 6:30 وبعد مشقّة السفر ومهانة التفتيش في حاجز الجلمة وصلنا إلى "كتسيعوت" عند السّاعة 14:00 ظهرًا.

جلب السجّانون طارق بعد أن مضيّ 7 دقائق من الزيارة، ومدّتها 45 دقيقة. كانت زهراء تجول بعينيها بين وجوه السجناء الذين خلف النوافذ الزجاجيّة المشبّكة بحثًا عن أبيها، وعندما لم تجده أخذت تبكي. في النهاية رأينا السجّانين قادمين ومعهم طارق. صرنا نسأله عن أحواله وعن صحّته، لكنّه أراد اغتنام كلّ ثانية من الزيارة لكي يسأل عن الأولاد، وخاصّة عن خالد بسبب وضعه الصحّي وعن كربلاء لأنّها تستعدّ لامتحانات التوجيهي. مضت الـ45 دقيقة بسرعة. أنا وزهراء شعرنا أنّها كانت 45 ثانية أو أقلّ حتى. كانت تلك زيارتنا الأولى. التحدّث معه فقط عبر السمّاعة كان أمرًا صعبًا.

لم نذهب إلى الزيارة الثانية لأنّ زوجي طلب ألّا نأتي، لكي يجنّبنا مهانة التفتيش في الحواجز ومشقّة السّفر الطويل.

في أعقاب اعتقال زوجي تدهورت حالتنا المادّية. نحن نعتاش من مخصّصات الأسرى التي تقدّمها السلطة الفلسطينيّة، ولكنّها لا تكفي لاحتياجاتنا. جميعنا نعاني جرّاء اعتقال زوجي. كربلاء في السّابعة عشرة من عمرها وهي طالبة متفوّقة لكنّ علاماتها في امتحانات التوجيهي كانت أدنى من المعتاد. إنّها حزينة وتفتقد الدّعم الذي كانت تلقاه من والدها. في رمضان وفي الأعياد جميعنا نحسّ بأننا وحيدون في غيابه. في 30.7.19 أعلن زوجي الإضراب عن الطعام ونقلوه إلى الحبس الانفراديّ. الآن لا يُسمح بزيارته وأنا قلقة جدًّا عليه.