Skip to main content
Menu
المواضيع

السّجن لمدّة 14 عامًا ونصف؟ في الواقع، 15 عامًا. حتّى هذه اللحظة.

أنهى الأسير الفلسطيني بلال كايد في تاريخ 13/6/2016 حكما بالسجن لمدة 14 عاما ونصف بعد إدانته في عدد من الجرائم، منها انتسابه إلى الجبهة الشعبية ومحاولتين للشروع في القتل. مثل أيّ سجين، أنهى كايد قضاء عقوبته وكان من المفترض أن يُفرج عنه. كان جميع أفراد أسرته ينتظرون عودته. لكن يوم الإفراج، وقبل أن يتمكّن أفراد أسرته من لقائه، وقّع قائد لواء المركز، الجنرال روني نوما، على أمر يقضي باعتقاله الإداري لمدة نصف عام، "لأسباب أمنية قطعيّة" و "وأسباب تتعلّق بأمن المنطقة والأمن العامّ".

رهيبة كايد تحمل ملصقًا يطالب بالإفراج عن ابنها. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 21/7/2016.
رهيبة كايد تحمل ملصقًا يطالب بالإفراج عن ابنها. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 21/7/2016.

في الإفادة التي قدمتها والدته، رهيبة كايد، لباحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي، وصفت الاستعدادات لإطلاق سراحه وتلقي خبر اعتقاله الإداري:

كانت الأشهر الأخيرة طويلة جدا، وكلّما اقترب موعد الافراج عنه شعرت أكثر بأنّ الوقت لا يمرّ. الأسبوع الماضي لم أتمكّن من النوم. طيلة الليالي فكرت في الاستقبال الذي سنعدّه له. اشتريت الهدايا لجميع أفراد العائلة، ولأولاد الحيّ، ليكون الجميع سعداء.

استأجرنا قاعة لاستقبال المهنئين الرجال، واستأجرنا الكراسي البلاستيكية لاستقبال النساء في المنزل. قمنا بتزيين المنزل والحيّ، وعلّقنا صور بلال في كلّ مكان. علق أولاد الحيّ أيضا صورة كبيرة وسط الشارع وكُتِبَ عليها التهاني بمناسبة الإفراج عنه. مكث أفراد العائلة والأصدقاء عندنا في المنزل حتى الساعة 3:00 فجرًا وعند الساعة 7:00 صباحًا بدأ يصل أشخاص اعتزموا السفر معنا إلى جنوب لاستقبال بلال.

لدهشتي، اتصل بي ابني محمود وأبلغني بأنّ بلال سيتأخر بسبب تأخير في عملية الإفراج. شعرت بالخوف مما قد يحدث. كان المنزل يعجّ بالناس الذين جاءوا لاستقبال بلال. عند الساعة 15:00 تقريبًا عاد أولادي إلى المنزل ولكن بلال لم يكن معهم. نزل عليّ الخبر كالصاعقة. أبلغوني بأنّهم أصدروا ضدّ بلال أمر اعتقال إداريّ لمدّة نصف عام. لم أستطع أن أصدق ذلك. كان الجميع مصدومين. تحول الفرح الى حزن ودموع.

لم>

شقيقته سهى حسين، المقيمة في ألمانيا، وصلت إلى الضفة الغربيّة خصيصًا استعدادًا لإطلاق سراحه. هكذا وصفت اللحظات عندما علموا بالاعتقال الإداري:

سهى حسين. تصوير: سلمى الدبعي ، بتسيلم، 21/7/2016.عندما علمتُ أن سلطات السجن أبلغت بلال أنه سيفرج عنه في تاريخ 13/6/2016، اشتريت فورا تذكرة طائرة، على الرغم من أن هذه الفترة هي فترة امتحانات نهاية العام في المدارس، وفترة شهر رمضان. قدمت إلى الضفة الغربيّة في تاريخ 7/6/2016 للمشاركة في تحضيرات استقبال أخي. لم يكن هناك حدّ لفرحتي عندما أعددت الملابس، والمنزل، وقائمة المشتريات للاستقبال ووقت حجزي مكانًا في قاعة الاستقبال. حتى فجر يوم 13/6/2016 هيأنا المنزل واستقبلنا الأقارب والأصدقاء الذين جاءوا لتهنئتنا في المنزل.

في صباح ذلك اليوم، سافرت مع إخواني وغيرهم من الأقارب، كنّا حوالي ثلاثين فردًا، لاستقبال بلال في منطقة الخليل. قالوا لنا انه سيفرج عنه في تمام الساعة 11:00 صباحًا، ولكن عندما وصلنا إلى منطقة الخليل اتّصل شخص من جمعيّة الضّمير بأخي محمود وأبلغه أنّ بلال موجود في سجن عوفر. ظننا بأن الاسرائيليين يريدون فقط مضايقتنا.

عدنا باتجاه سجن عوفر، لكن عندما وصلنا إلى هناك اتّصوا بنا مجددا من جمعيّة الضمير وأبلغونا بأنّه حُكم على بلال بالسجن لمدة ستة أشهر في الاعتقال الإداري. لم نصدّق وظننّا أن الخبر كاذب وأن الإسرائيليين يريدون فقط أن نلغي استقبال بلال. لكن بعد بضع مكالمات أخرى أجراها أشقائي وأعمامي أدركنا أنّ هذه هي الحقيقة، وأن بلال لن يخرج.

بلال كايد مضرب عن الطعام منذ 15/6/2016 ومحتجز في مستشفى بارزيلاي في أشكيلون (عسقلان)، مكبل إلى سريره وتحت حراسة مشددة، على الرغم من تدهور حالته الصحية بسبب الإضراب عن الطعام لفترة طويلة. وقد قدّمت جمعيّة أطباء لحقوق الإنسان التماسًا إلى محكمة الشؤون الإدارية في بئر السبع، مطالبة بازالة الصداف.

توجّه كايد إلى المحكمة العسكرية، مطالبة بإلغاء اعتقاله. في 5/7/2016 صادق القاضي العسكري احتياط رون دلومي على أمر الاعتقال. درس المادة السريّة، وخلص إلى أنه لا يمكن الكشف عنها "خشية أن يضر الأمر بأمن المنطقة أو الأمن العام"، وأقرّ بأنّ هذه المواد "معتمدة وأمينة فيها ما يؤسس الشبكة الوقائعيّة المطلوبة لدراسة تبرير اعتقال المدعى عليه". يشير القاضي العسكري احتياط دلومي أنّه " بعد مراجعة المعلومات السرية بشكل معمّق، اقتنعت بأنّ المعلومات الواردة لا تزال ذات الصلة، وفيها ما يشي بالخطر المستقبلي الذي يشكله المدعى عليه. في ضوء ذلك، وجدت أن أمن المنطقة والأمن العام يستدعيان الاعتقال الإداريّ للمدعى عليه، وأن فترة الاعتقال الإداري التي أٌرّها القائد العسكري في أمر الاعتقال تفي بمتطلبات القانون التناسبيّة ". ويضيف القاضي العسكر احتياط دلومي أنّه لا توجد أي وسائل بديلة لتجنب الخطر الذي يشكّله وأنّ إمكانية التحقيق الجنائي "ليست عمليّة".

بعد صدور الحكم، قدّم كايد استئنافًا إلى محكمة الاستئناف العسكرية. في تاريخ 27/7/2016 أقرّ رئيس المحكمة العقيد نتانيئيل بنيشو، بأنّه درس المعلومات الاستخباراتيّة وعقد جلسة من طرف واحد، استمع خلالها إلى شروح قدّمها ممثّلون عن جهاز الامن العام (الشاباك) "بشأن طبيعة المعلومات وموثوقيّتها، وكذلك فيما يتعلق بتقييم الخطورة". وفق أقواله، "فإنّ سبب الاعتقال الإداري يكمن تمامًا في الخطر الأمنيّ الواضح، الذي يشكّله المستأنف، وهو خطر سيزداد بشكل كبير إذا تمّ الإفراج عنه. يستند هذا الخطر على معلومات محيّنة، ومعتمدة وتتقاطع بمصادر مختلفة، لذلك ليس هناك شك في النتيجة التي تتعلّق بأفعال المستأنف قبل اعتقاله، ونواياه بعد اعتقاله". يشير العقيد بنيشو إلى أنّه درس حقيقة أنّ كايد أطلق سراحه بعد فترة حبس طويلة، لكن، "في نهاية النقاش، خلصت أنا أيضًا إلى نتيجة بأنّه في هذا الوقت، تطغى المصلحة الأمنيّة". وبناء على ما سبق، رفض العقيد بنيشو الاستئناف.

يستند الاعتقال الإداري على الأمر الإداري لقائد لواء المركز فقط. في إطار هذه العملية، لا يتم تقديم لائحة اتهام ضد المعتقل، لا تُعرض أدلّة تثبت أنه مذنب ويمكنها أن يدحضها، ولا يُعطى فيها قرار قضائي يحدد ما إذا كان مذنبًا أو بريئًا. على الرغم من أن المعتقل يمكنه أن يتوجّه إلى المحكمة ويطلب منها تدرس تبرير الاعتقال، ولكن حتى عندها ـ لا ينكشف المعتقل على المواد السرية، والقاضي هو الشخص الوحيد الذي يطّلع عليها.

من الناحية النظرية، يمكن للقضاة أن يكونوا ممثّلين عن المتهم، وأن يطالبوا بتوضيحات من قبل ممثّلي جهاز الامن العام (الشاباك) وحتّى إشراك المعتقل على الأقل بقسم من المواد المتوفرة في القضية، حتى يتمكن من الرد عليها. في الأحكام الصادرة في كايد في الحالتين يشير القضاة العسكريّون إلى أنّهم درسوا جميع الأسئلة المطلوبة لتحديد قانونية اعتقاله، وفقا لقرار المحكمة العليا. هكذا، على سبيل المثال، يشيرون إلى أنّهم درسوا المعلومات بشكل معمّق، لأنه لا توجد وسائل بديلة، لأنّ المعتقل يفي بمتطلبات التناسبيّة ولأنّ المصلحة الأمنيّة تطغى.

لكن، على الرغم من استخدام جميع الكلمات الصحيحة، فإنّ هذا لا ينبغي أن يحجب جوهر العملية: في جهاز القضاء العسكري، القضاة هم جنود رسميّون، هدفهم تطبيق القانون العسكري على السكان المدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم العسكريّ. هم ليسوا محكمين محايدين في الجهاز القضائيّ الإسرائيليّ ـ وإنما يمثّلون مصالح الاحتلال لأنّهم شركاء في إدارته. كلا القرارَين بشأن كايد يعكسان جيدًا هذا الواقع.

معنى "الاعتقال الإداري" هو اعتقال لا يتحدد بالوقت، يتمّ دون محاكمة، دون إدانة، استنادا إلى "أدلّة" سريّة لا يمكن للمعتقل أن يدافع عن نفسه أمامها بتاتا. إسرائيل تستخدم هذا الإجراء الوحشيّ ضد الفلسطينيين كأمر روتينيّ وصحيح لغاية نهاية نيسان عام 2016 اعتقل إداريًا ما يقرب من 700 شخصًا، من بينهم 13 قاصرًا.

ولكن، حتى هذا في الواقع القاسي، فإنّ الاعتقال الإداري لشخص بالضبط في نفس اللحظة التي يُنهي فيها حكما طويلا بالسجن هو خطوة استثنائيّة في شدّتها. السلطات تدع السجين وشأنه وتسمح بإطلاق سراحه وفق رغبتها. ووفق رغبتها تمدّد مدة حبسه بالاعتماد على سرية ومجهولية المعلومات: في هذه المرحلة بعد نصف عام، يعني 15 عامًا، وليس 14 عاما ونصف. وستعود لاحقًا ـ وفق رغبتها ـ وتصدر ضدّه أوامر إداريّة أخرى. على الرغم من ذلك، وبطريقة يسترعي الاندهاش حتى في السياق المتطرّف للمحاكم العسكرية، صادق القضاة العسكريّون ـ منهم رؤساء المحاكم العسكريّة ـ في هذه الحالة أيضًا على أمر الاعتقال.

يجب على السلطات الإفراج عن بلال كايد على الفور والسماح له بالعودة إلى منزله، وإلى عائلته وحياته.