Skip to main content
Menu
المواضيع

الاعتقال الإداري

الاعتقال الإداريّ بحُكم تعريفه هو حبس شخص دون محاكمة بدعوى أنّه يعتزم في المستقبل الإقدام على فعل مخالف للقانون، دون أن يكون قد ارتكب بعد أيّة مخالفة. ولأنّ الحديث يجري عمّا يبدو كخطوة وقائية فإنّه لا يوجد وقت محدّد لفترة الاعتقال. يجري الاعتقال الإداري دون محاكمة استنادًا إلى أمر يصدره قائد المنطقة وباعتماد أدلّة وبيّنات سرّية - لا يطّلع عليها حتّى المعتقل نفسه. هذا الإجراء يجعل المعتقل في وضع لا يُحتمَل إذ يقف عاجزًا في مواجهة ادّعاءات لا يعرفها وبالتالي لا يملك طريقة لتفنيدها ودحضها بلا لائحة اتّهام ولا محاكمة وبالتالي دون إدانة ودون أن يعرف متى سيتمّ إطلاق سراحه.


في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) ينظّم الاعتقال الإداري "بأمر بخصوص تعليمات الأمن". هذا الأمر يخوّل قائد قوّات الجيش في الضفة الغربية أو من يخوّله من القادة العسكريّين لهذا الشأن، اعتقال شخص لفترة مدّتها حتى ستّة أشهر كلّ مرّة، إذا كان لديه "أساس معقول ليفترض أنّ دواعي أمن المنطقة أو أمن الجمهور تستوجب التحفّظ على فلان من الناس رهن الاعتقال". وإذا اتّضح للقائد العسكريّ عشيّة انتهاء مدّة التحفّظ أنّه يوجد "أساس معقول للافتراض" بأنّ تلك الدواعي "ما زالت تستوجب التحفّظ عليه رهن الاعتقال" يحقّ له "الإيعاز من حين لحين" بتمديد الأمر الأصلي لمدّة ستّة أشهر إضافيّة. لم تحدَّد في الأمر مدّة تراكميّة قصوى للتحفّظ على شخص رهن الاعتقال الإداري ولذلك يمكن تمديد الاعتقال مرارًا وتكرارًا وحبس فلسطينيّين طيلة سنين دون أن يُدانوا بارتكاب أيّة مخالفة.
خلال ثمانية أيّام من يوم الاعتقال أو يوم تمديد الاعتقال ينبغي جلب المعتقل أمام قاضٍ عسكريّ ذي صلاحية ليصادق على الأمر أو يلغيه أو يقصّر مدّة الاعتقال المحدّدة فيه. يمكن للمعتقل وأيضًا للقائد العسكري الاعتراض على قرار القاضي بتقديم استئناف إلى محكمة الاستئناف العسكرية وبعد ذلك يمكنهم التوجّه إلى محكمة العدل العليا. تُدار مناقشات أمر الاعتقال الإداري في جلسات مغلقة. في هذه المناقشات يُسمح للقاضي بتجاوز قوانين الإثبات العاديّة ويُسمح له بشكل خاصّ "قبول بيّنة حتى دون حضور المعتقل أو وكيله أو دون إظهارها أمامهما" إذا اقتنع أنّ كشف الدليل قد "يمسّ بأمن المنطقة أو بأمن الجمهور".


خلافًا لسكّان الضفة الغربية يجري الاعتقال الإداري لمواطنين وسكّان إسرائيليين بموجب "قانون صلاحيات أوقات الطوارئ (اعتقالات)". على مرّ السنين زجّت إسرائيل في الاعتقال الإداري بعدد من المواطنين الإسرائيليين أيضًا ومنهم مستوطنون. لقد كانت هذه حالات معدودة ومعظم المعتقلين جرى احتجازهم لبضعة أشهر فقط. ولاعتقال أشخاص من سكّان قطاع غزّة إداريًا تستخدم إسرائيل - منذ تطبيق خطّة الانفصال في أيلول 2005 - "قانون حبس مقاتلين غير قانونيّين". حتى اليوم فعلت إسرائيل ذلك في حالات معدودة. بنود هذين القانونين تشبه في جوهرها الأمر العسكري المطبّق في الضفة الغربية.


يشمل "الأمر بخصوص تعليمات الأمن" تعليمات أعدّت ظاهريًّا لحماية المعتقلين الإداريّين ولتبنّي أحكام القانون الدولي ذات الصّلة والتي تسمح لدولة الاحتلال بتنفيذ اعتقالات إدارية بحقّ سكّان المناطق المحتلّة فقط في ظروف استثنائية نادرة. ولكن إسرائيل تستخدم هذه الوسيلة في الأراضي المحتلّة على نحوٍ جارف دون أن تردعها أحكام القانون الدولي المذكورة: تستخدم إسرائيل إجراء الاعتقال الإداري بشكل روتينيّ بحيث اعتقلت على مرّ السنين آلاف الفلسطينيين لفترات طويلة تراوحت بين بضعة أشهر وبضعة سنين، دون أن تقدّمهم للمحاكمة ودون أن تواجههم بالتّهم المنسوبة إليهم ودون أن تسمح لهم أو لمحاميهم بالاطّلاع على الأدلّة. ضمن ذلك اعتقلت إسرائيل أيضًا قاصرين لم يتجاوزوا سنّ الثامنة عشرة.


في سنوات الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية احتجزت إسرائيل مئات الفلسطينيّين رهن الاعتقال الإداري وفي جزء من سنة 2003 (خلال الانتفاضة الثانية) تجاوز عددهم الألف. ولكنّ لجوء إسرائيل الموسّع إلى الاعتقال الإداري لا يقتصر على هذه السنوات ومنذ شهر آذار 2002 لم يمرّ شهر اعتقلت فيه إسرائيل أقلّ مائة فلسطينيّ إداريًا.


علاوة على ذلك في بعض الحالات تستخدم السلطات الاعتقال المنزلي كبديل مريح وسهل من وجهة نظرها لإجراء جنائي وليس لاتّقاء خطر مستقبليّ. إنّها تفعل ذلك غالبًا في الحالات التي لا تملك فيها إثباتات على التهمة أو عندما تكون معنيّة بعدم كشف الأدلّة والبيّنات التي تدّعي أنّها في حوزتها. ممنوع استخدام الاعتقال الإداري بهذا الشكل. إنّ هذا يمحو الفرق بين إجراء إداري غايته وقائيّة و"يستشرف المستقبل" وإجراء جنائي غايته عقابيّة "ينظر إلى الماضي". إضافة إلى هذا تستغلّ إسرائيل الاعتقال الإداري أيضًا لاعتقال فلسطينيّين فقط جرّاء آرائهم السياسية ونشاطهم السياسي غير العُنفيّ.  


كذلك القيد الذي يضعه الأمر على مدّة الاعتقال الإداري لا معنى له لأنّه يمكن تمديد الاعتقال مرّات ومرّات إلى ما لانهاية. وتمديد الاعتقالات الإدارية ليس أمرًا نادرًا أو استثنائيًّا. على سبيل المثال في نهاية شهر أيّار 2017 كانت سلطة السجون تتحفّظ على 475 فلسطينيًّا رهن الاعتقال الإداري في مختلف مرافق سجونها منهم 128 قضوا في المعتقل ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّ اعتقالهم قد جرى تمديده مرّة واحدة على الأقل) و121 قضوا أكثر من سنة (أي أنّ اعتقالهم قد جرى تمديده مرّتين على الأقلّ).
إنّ الأمر العسكري يُلزم السلطات بجلب المعتقلين أمام قاضٍ ولكن هذا لا يكفي لمنع إساءة استخدام هذه الوسيلة والإجراءات القضائية الخاصّة بالاعتقال الإداري هي في الأساس زيف يوهم بإعمال النقد القضائي. في الغالبية الساحقة من الحالات يقبل القضاة موقف النيابة ويصادقون على أوامر الاعتقال الإداري.


تفيد معطيات الناطق بلسان الجيش بأنّه منذ بداية العام 2015 وحتى نهاية تمّوز 2017 صدرت 3,909 أوامر اعتقال إداري، من بينها 2,441 (62.4%) أوامر تمديد اعتقال.
من بين أوامر الاعتقال الـ3,909 فقط 48 أمرًا (1.2%) تمّ إلغاؤها على يد المحكمة العسكرية والبقيّة صادقت عليها هذه المحكمة وفق التفصيل التالي:

  •       2.953 (75.5%) صودق عليها بصيغتها الحرفيّة دون قيد أو شرط.
  • في 390 حالة (9.9%) أوعز القضاة بتقصير مدّة الاعتقال بقدْرٍ ما ولكن دون تقييد إمكانية تمديده ثانية.
  • في 501 حالة (12.8%) صادق القضاة على أمر الاعتقال - بصيغته الحرفيّة أو ضمن تقصير المدّة - ولكنّهم قرّروا بأنّه يمكن تمديده فقط إذا وصلت معلومات جديدة - وهذه أيضًا تبقى سرّية لا يطّلع عليها المعتقل.  

(ملاحظة: الفجوة ما بين عدد الأوامر الإجمالي وعدد قرارات المحكمة تظهر هكذا في الأصل. كذلك ورغم مطالبتنا لم يرسل الناطق بلسان الجيش إلى "بتسيلم" معطيات متعلّقة بقرارات محكمة الاستئناف العسكرية).

علاوة على ذلك: يوافق القضاة دائمًا على طلب النيابة فرض السرّية على الأدلّة والبيّنات التي تعرضها أمامهم "لاعتبارات تتعلّق بأمن الدولة". بذلك يحوّل القضاة الاستثناء الوارد في أمر الاعتقالات الإدارية إلى قاعدة جارفة تحرم المعتقلين من أيّة إمكانية للدفاع عن أنفسهم أمام الادّعاءات الموجّهة ضدّهم. سرّية الأدلّة تمنع المعتقلين ووكلائهم المحامون من فحص جودة المعلومات وصحّتها وراهنيّتها. لم يحاول القضاة العسكريّون وقضاة المحكمة العليا أبدًا الاعتراض على فرض السرّية على هذا النحو الجارف وتقبّلوا وجودها كمعطى. عوضًا عن ذلك فقد قرّروا أنّه مع وجود السرّية عليهم أن يملأوا بأنفسهم الفراغ الناجم وأن يعملوا كمدافعين عن المعتقلين. ولكنّ التظاهُر شيء والواقع شيء آخر: في معظم الحالات لا يطلب القضاة الاطّلاع على المعلومات التي في حوزة الشاباك كما يمتنعون عن استجواب ممثلي النيابة العسكرية بخصوص المعلومات التي جرى الاعتقال على أساسها وينظرون إلى الادّعاءات المطروحة أمامهم على أنّها وقائع.


علاوة على ذلك في قراراتهم التي تناولت الاعتقال الإداري وافق قضاة المحكمة العليا أنّه وسيلة "متطرّفة" وأنّه ينبغي استخدامه بحذر وفي حالات استثنائية فقط؛ هُم وافقوا أيضًا أنّه يجب استخدامه فقط كوسيلة وقائيّة دون استخدامه بتاتًا كوسيلة عقابيّة، وفقط إذا كان الخطر يُنتظَر من الشخص نفسه؛ كذلك وافق القضاة أنّ الاعتقال الإداري كأيّة وسيلة أخرى خاضع لمبدأ التناسُب، ومن هنا لا ينبغي استخدامه إلاّ عندما تنعدم وسيلة أخرى لمنع الخطر - في إجراء جنائيّ أو خطوة إداريّة - تمسّ حقوق الإنسان بدرجة أقلّ. ولكن إلى جانب مواقفهم هذه أقرّ القضاة تقريبًا كلّ أوامر الاعتقال الإداري التي رُفعت إليهم لينظروا فيها.


صلاحية حبس شخص لفترات طويلة وهو لم يُتّهم بشيء وتبعًا لذلك لم يُدَن بشيء وفوق هذا استنادًا إلى "أدلّة" سرّية لا يستطيع الشخص الدفاع عن نفسه أمامها - هي صلاحيّة متطرّفة. تستخدم دولة إسرائيل هذه الصلاحية على نحوٍ دائم وجارف وتعتقل مئات الفلسطينيين كشأنٍ روتينيّ وفي كلّ لحظة. وهي تحرص على تمويه هذه السياسة بغطاء قضائيّ إذ تُلزم المحاكم بالنظر في كلّ أمر اعتقال إداريّ. وفي إطار الإجراءات المنفّذة في المحاكم يمثّل المعتقلين محامون ويحقّ للمعتقلين الاستئناف على قرار القاضي، والمناقشات في جلسات المحكمة تتمّ في إجراء قضائي ووفقًا لقواعد الإثبات. ولكنّ هذا كلّه يتمّ لخلق مظهر يوهم بإعمال النقد القضائي، إذ إنّ المعتقلين يُحرَمون من أيّة فرصة لدفاع معقول أمام المزاعم المطروحة ضدّهم. رغم ذلك تقرّ المحاكم أوامر الاعتقال الإداري كأمر روتيني. في نهاية الأمر الجيش والنيابة العسكرية والنيابة العامّة والقضاة العسكريّون وقضاة المحكمة العليا -  جميعهم مسؤولون عن إنشاء هذا الواقع.

كلمات مفتاحية