Skip to main content
Menu
المواضيع

تحقيق الشرطة العسكريّة يُحدد: مقتل فتييْن برصاص حيّ، رغم أنّ الجيش الأسرائيلي يدّعي إطلاقه للرصاص "المطاطيّ" فقط

من اليمين الى اليسار: محمد واسيد قادوس. الصورة بلطف من العائلة.
من اليمين الى اليسار: محمد واسيد قادوس. الصورة بلطف من العائلة.

يوم 25/2/2015 أعلمت النيابة العسكريّة منظمة بتسيلم بإغلاق ملفّ التحقيق المتعلّق بمقتل الفتييْن محمد وأسيْد قادوس في قرية عراق بورين، في آذار 2010. وأتى ذلك بعد تحقوق تواصل خمس سنوات كانت نتائجه عارية عن الصحّة وفقما وردنا من النيابة: فمن جهة دلّ التحقيق على أنّ إطلاق الرصاص الوحيد الذي جرى أثناء الحدث كان لرصاص معدنيّ مغلف بالمطاط، ومن جهة أخرى أكّد التحقيق على أنّ الفتييْن، اللذيْن لا يختلف أحد على أنهما قُتلا برصاص الجيش الاسرائيلي، أصيبا بالرصاص الحيّ. وفي أعقاب هذه التوصيات غير المعقولة، قرّرت النيابة عدم تقديم أحد للمحاكمة. وقد رُفض طلب بتسيلم بالحصول على نسخة من ملفّ التحقيق. وتوجّهت بتسيلم ثانية واعترضت على تسويغات رفض الطلب، ولم تحصل على تصريح مبدئي بالطلب إلّا في نهاية آيار 2015.

قُتل ابنا العمّ محمد قادوس (15) وأسيْد قادوس (17) يوم 20/3/2010 في قرية عراق بورين المجاورة لنابلس. وفي رسالة وجّهها نائب المدّعي العام للشؤون الميدانيّة، الميجور "هارئيل فاينبرج" إلى بتسيلم يوم 25/2/2015، جاء أنّ التحقيق أفضى إلى أنّ إطلاق الرصاص الوحيد الذي جرى أثناء الحادثة تمّ على يد نائب قائد الكتيبة، ضابط برتبة ميجور، والذي أطلق الرصاص صوب "عدّة مُخلّين بالنظام كانوا على بعد 50-60 مترًا منه، والذين رشقوا الحجارة بشكل مكثّف باتجاه الجنود الثلاثة {في القوّة}". وجاء أيضًا أنّ المبرزات الطبيّة دلّت على أنّ ابني العم قادوس أصيبا على ما يبدو بالرصاص الحيّ، إلّا أنّ التحقيق لم ينجح في تثبيت ذلك مع ادّعاء الضابط بأنّه لم يطلق أثناء الحادثة إلّا رصاصًا معدنيًّا مغلّفًا بالمطاط. وتقول النيابة إنّ ملابسات الحادثة هذه كانت مطابقة للأوامر، ولذلك لم تكن هناك حاجة لمحاكمة الضابط. وجاء في النهاية أيضًا أنّ الضابط استلم توبيخًا قياديًّا في أعقاب الحادثة، ولكن بسبب إخفاقات في تصرّفاته بعد إطلاق الرصاص، وليس بسبب إطلاق الرصاص.

وقد استمرّ تحقيق شرطة التحقيقات العسكريّة في الحادثة وفحص النيابة للملفّ واستكمال الشرطة العسكريّة للتحقيق زهاء خمس سنوات. وكانت مبرزات التحقيق شبه متطابقة بتلك التي وردت في استقصاء قائد الأركان، الذي نُشر بعد نحو شهر على وقوع الحادثة. ويثير هذا الأمر أسئلة صعبة بخصوص نجاعة واستقلاليّة عمليّات التحقيق المتواصلة وبخصوص فاعليّتها.

وتجسّد هذه النتائج العارية عن الصحّة، بشكل جيّد، قدرات التحقيق المحدودة لدى الشرطة العسكريّة المحقّقة. فما ورد في بيان النيابة العسكرية بأنّ المبرزات الطبيّة تشير إلى مقتل ابنيِّ العم قادوس بالرصاص الحيّ على ما يبدو، هو أمر صحيح. وعليه، من الجدير إجراء فحص نقديّ ومكثّف لادّعاء القوات الميدانيّة بأنّ الحادثة لم تشتمل إلّا على إطلاق رصاص معدنيّ مغلّف بالمطاط وعلى أنّ إطلاق الرصاص لم يصدر إلّا عن الضابط. زدْ على ذلك أنّ ردّ النيابة يشير إلى أنّ لا خلاف على أنّ الاثنين قُتلا برصاص الجيش الاسرائيلي. وفي ضوء هذه النتائج القاطعة، يبرز بشدّة إخفاق شرطة التحقيقات العسكريّة والنيابة العسكريّة في التعامل مع ادّعاء الضابط الذي أطلق الرصاص بأنّه لم يطلق الرصاص الحيّ.

ينحصر الاستقصاء الذي أجرته بتسيلم في وسائل التحقيق المتاحة لها في المنظمة: جمع إفادات من شهود عيان فلسطينيّين وأجانب، وفحص المستندات الطبّيّة الموجودة لدى عائلات القتيليْن، وما شابه. وفي المقابل، تمتّعت الشرطة العسكريّة المحقّقة بالمناليّة المكفولة لها وفق القانون بالاتصال بأيّ جنديّ كان في الحلبة ومعاينة أيّ سلاح وغيرها من الأمور. وبطبيعة الحال، فإنّ المشتبهين بمخالفة القانون لا يسارعون دائمًا إلى تجريم أنفسهم طواعية أو الكشف عن كلّ المعلومات التي لديهم. وعليه، نحن نتوقّع من هيئة التحقيق أن تكون قادرة على التعامل مع شهادات كاذبة يدلي بها مشتبهون وشهود عيان، والتوصّل إلى الحقيقة، وخصوصًا إذا كانت تملك البيّنات التي تدعم هذا السعي.

صورة الأشعّة لرأس أسيد قادوس.
صورة الأشعّة لرأس أسيد قادوس.

صورة الأشعّة لرأس أسيد قادوس. لم تتلقّ بتسيلم حتى الآن ملفّ التحقيق ولذلك تنقصنا المعلومات المتعلّقة بخطوات التحقيق التي جرت في الملف، ونحن لا نعرف لماذا كانت شرطة التحقيقات العسكريّة والنيابة بحاجة إلى زهاء خمس سنوات للتحقيق في الحادثة، وإجراء استكمالات تحقيق واتخاذ قرار بالملف. بعد تلقينا بيان إغلاق الملف، توجّهت بتسيلم إلى الشرطة العسكريّة المحقّقة مطالبة بالحصول على نسخة منه، من أجل فحص مسألة تقديم استئناف على قرار إغلاق الملف، إلّا أنّ الطلب رُفض بتسويغ أنّ تقرّر بموازاة قرار إغلاق الملف البدء بعمليّة توبيخ قياديّة، وما دامت هذه العمليّة جارية، لن يكون بالإمكان تمرير نسخة من الملف. توجّهت بتسيلم إلى شرطة التحقيقات العسكريّة بهذا الشأن ثانية، ومن ضمن ما ورد في التوجّه أنّ عمليّة التوبيخ القياديّة ليست عمليّة جنائيّة، فيما يُعتبر تمرير الملف لأجل فحص عملية تقديم استئناف أم لا جزءًا من العمليّة الجنائيّة، ومن غير المعقول أن يتواصل إلحاق الضرر بالعمليّة الجنائيّة –التي تضرّرت لفترة طويلة منذ وقوع الحادثة- بسبب عمليّة ليست جنائيّة. ولم تعلم الشرطة العسكريّة المحقّقة بتسيلم بتصديق طلب الحصول على نسخة من الملف إلّا يوم 28/5/2015، بعد أن يخضع الملف للرقابة العسكريّة..

خلفيّة:

بتاريخ 20/3/2010 قتل جنود فتييْن من قرية عراق بورين بالقرب من نابلس. وقد حدد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أنّ الاثنين قتلا جراء إطلاق العيارات المطاطية أثناء مشاركتهما في مظاهرة عنيفة وغير قانونية. إن التحقيق الذي قامت به بتسيلم يتناقض مع هذه التحديدات. بعد مضي بضعة أيام أعلنت النيابة العسكرية الرئيسة، بصورة استثنائية، أنّ شرطة التحقيقات العسكريّة ستبدأ التحقيق لفحص ملابسات الحادث.

في يوم السبت، 20/3/2010، جرت في قرية عراق بورين مواجهات مع شبان من القرية قاموا خلالها برشق الحجارة على الجنود. أصيب محمد قادوس (15) وأسيد قادوس (17)، من سكان القرية، بالرصاص ونُقلا إلى المستشفى في نابلس. توفي محمد متأثرًا بجراحه بعد عدّة دقائق من وصوله إلى المستشفى، أمّا أسيد فتوفي في الغداة.

في يوم الحادث نشر الناطق العسكريّ بيانا جاء فيه أنّ قوات الجيش الإسرائيليّ التي وصلت إلى القرية جوبهت بحشود فلسطينية ألقت تجاهها الحجارة. طبقا للبيان، ردّت القوات بواسطة وسائل تفريق المظاهرات التي تشتمل على إطلاق العيارات المطاطية ورصدت وقوع إصابتين بفلسطينيين اثنين تم إخلاؤهما من المكان. وقد أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي انه لم يتم استعمال الذخيرة الحية وأن المخلين بالنظام أُصيبوا بعيارات مطاطية أطلقت طبقا للتعليمات.

إنّ استقصاء بتسيلم يتناقض تمامًا مع البيان المذكور. فأولا، يشير الاستقصاء إلى أنّ الفتييْن قُتلا وهما يقفان على بعد من الجنود ولم يشكّلا خطرًا يستوجب إطلاق الرصاص المعدنيّ المغلّف بالمطاط. ثانيا، المعطيات الطبية والاستقصاء الميدانيّ تشير هي الأخرى إلى أنّ الاثنين أصيبا بذخيرة حيّة. صورة الأشعة لرأس أسيد قادوس تظهر الرصاصة مستقرة داخل الرأس، وصور مدخل العيار الذي أصاب محمد قادوس، تشيران الشكوك حول أقوال الناطق العسكريّ بخصوص قيام القوات في ذلك اليوم باستعمال العيارات المطاطيّة فقط. بالإضافة إلى ذلك، فقد أبلغ شهود العيان بتسيلم انه خلال المظاهرة أطلقت قوات الأمن الاسرائيلية ذخيرة حية، وسلّموا بتسيلم شريط فيديو صوّره في ذلك اليوم متطوّع أجنبيّ يُسمع فيه بوضوح صوت رصاص حيّ.

في أعقاب هذه المكتشفات اندلع نقاش إعلاميّ حول الحادث. بتاريخ 23.3.2010 أعلن الناطق العسكريّ أنّ المُدّعي العسكريّ العام، الميجور جنرال "أفيحاي مندلبليط"، أصدر أوامره بفتح تحقيق لدى شرطة التحقيقات العسكرية لفحص ملابسات الحادثة. اُعتبر هذا القرار قرارًا استثنائيًّا وقتها، إذ أنه حتى حدوث التغيير في سياسة التحقيقات في نيسان 2011، رفض الجيش الاسرائيلي فتح تحقيق لدى شرطة التحقيقات العسكرية في معظم الحالات التي تقتل فيها قوات الأمن الاسرائيلية فلسطينيّين، وكان يكتفي بالتحقيق الميدانيّ الذي تقوم به الوحدة المسؤولة عن الحادثة.