Skip to main content
Menu
المواضيع

النيابة العسكريّة أغلقت ملف التحقيق بمقتل لبنى الحنش من دون محاكمة الجنديّ الذي أطلق النار عليها أو قائده

لبنى الحنش. الصورة بلطف العائلة.القرار يعكس تعاملاً مستخفًّا مع حياة الفلسطينيّين ويوصل رسالة خطيرة إلى الجنود والقيادة

نشرت النيابة العسكريّة في موقع الانترنت الخاصّ بها بيانًا يفيد بإغلاق ملف التحقيق بشأن مقتل لبنى الحنش برصاص الجيش الإسرائيليّ، من دون تقديم أيّ أحد للمحاكمة. وسُوّغ قرار إغلاق الملف بأنّ الجنديّ الذي أصاب الحنش وقريبتها أطلق الرصاص صوب شخص ألقى قبل ذلك زجاجة حارقة على سيارات إسرائيليّة. ووفقًا للنيابة العسكريّة، فقد "اتضح من التحقيق ظاهريًّا أنّ الجندي مطلق الرصاص لم يرَ المرحومة أثناء إطلاق النار"، وذلك برغم أنها كانت تقف بجوار سبيل فرار المشتبه به الذي أطلِق الرصاص عليه. وتدّعي النيابة أنّ أوامر إطلاق النار تسمح "بإطلاق النار صوب مخرّبين فور الاعتداء، بما في ذلك اعتداء بزجاجة حارقة"، ولذلك فإنّ إطلاق الرصاص لم يخالف المعمول به ولا يشكل مخالفة جنائيّة أيًّا كانت. وأضافت النيابة العسكريّة أنه إلى جانب ذلك، سيتلقى قائد برتبة مقدّم كان مع الجنديّ أثناء الحادثة توبيخًا قياديًّا، لأنه فشل في نقل أوامر إطلاق النار إلى مرؤوسيه، وأضافت أنها لم تجد علاقة سببيّة مباشرة بين هذا الفشل وبين مقتل الحنش.

لا يستوي تسلسل الحدث، كما ورد في بيان النيابة العسكريّة، مع الحقائق التي طرحها استقصاء بتسيلم. ولكن حتى لو سلّمنا برواية النيابة، فإنّ الجنديّ مطلق الرصاص والذي لم يكن يتعرّض لخطر على حياته أثناء إطلاقه الرصاص، كان ملزمًا بالتأكّد من عدم إصابة أيّ عابر سبيل بالرصاص. ليس من المعقول أن تسمح النيابة العسكريّة باستخدام سلاح فتّاك من دون اتخاذ تدابير حذر دُنيا. ولذلك، فإنّ ردّ النيابة القائل بأنّ الجندي مطلق الرصاص لم يرَ لبنى الحنش أثناء إطلاق الرصاص، لا يمكن أن يبرّر البتة إغلاق الملف. أولاً، أشار فحص بتسيلم في موقع الحدث إلى عدم وجود عائق ماديّ يمنع الجندي مطلق الرصاص من رؤية الموقع الذي وقفت فيها لبنى وسعاد جعارة، وحتى إنّ سعاد جعارة قالت لبتسيلم إنها رأت الجنديّ مطلق الرصاص من الموقع الذي تلقت فيه الرصاصة. ثانيًا، حتى إذا كان هذا الادّعاء صحيحًا والجنديّ أطلق الرصاص من دون أن يرى لبنى وسعاد جعارة، فإنّ هذا يعني أنّ مطلق الرصاص لم يتطلّع جيّدًا إلى المنطقة قبل إطلاقه الرصاص، أو أنه أطلق الرصاص برغم أنّ مدى رؤيته كان مسدودًا.

إنّ قرار النيابة العسكريّة يجسّد مرة أخرى كيف أنّ جهاز تطبيق القانون العسكريّ يمتنع وبشكل منهجيّ عن تطبيق القانون على الجنود الذين كانوا ضالعين بالمسّ بفلسطينيّين، وهي بهذا تشجّع التعامل المُستخفّ مع حياة وسلامة أجساد الفلسطينيّين، وتشجّع سهولة إطلاق النار. وتوجّهت بتسيلم إلى الشرطة العسكريّة المحققة للحصول على نسخة من ملف التحقيق بغية تقديم استئناف على قرار إغلاق الملف.

خلفية عن الحادثة:

كانت لبنى الحنش، وهي من سكان بيت لحم، قد بلغت قرابة 22 عامًا من عمرها عند مقتلها. في يوم 23/1/2013 ذهبت في زيارة لقريبة لها وهي سعاد جعارة (38 عامًا وقتها)، من سكان مخيم العروب للاجئين، وتنزّهتا في ممرّات البستان التابع للكلية التكنولوجية المجاورة لمخيم العروب للاجئين، والذي يستخدمه سكان المنطقة كموقع ترفيهيّ. وقرابة الساعة 14:30 مشت الاثنتان باتجاه بوابة الكلية الموجودة عند شارع رقم 60، ومن هناك كان من المفترض أن تعود لبنى إلى بيتها. عندما كانتا على بعد نحو 100 متر من البوابة، أُطلق الرصاص باتجاههما فجأة. في هذه المرحلة رأت سعاد جعارة جنديًا يطلق الرصاص عليهما، وكان يقف إلى جانب الطريق، عبر الجهة الثانية للبوابة. وقد أصيبت لبنى الحنش بالرصاص في رأسها وأصيبت سعاد جعارة في يدها. ثم نُقلت الاثنتان كل على حدة إلى مستشفى الأهلي في الخليل، حيث توفيت لبنى متأثرة بجراحها بعد نحو الساعة.

الباحث الميداني في بتسيلم يفحص الميدان. تصوير: موسى ابو هشهش.23/1/2014
الباحث الميداني في بتسيلم يفحص الميدان. تصوير: موسى ابو هشهش.23/1/2014

في يوم 23/1/2013 وصفت سعاد جعارة أمام الباحث في بتسيلم موسى أبو هشهش، ما حدث:

تجوّلنا في الكلية التي كانت خالية تمامًا من الطلاب والأساتذة لمدة ساعة ونصف تقريبًا. وقرابة الساعة 14:30 ذهبت مع لبنى باتجاه المدخل الجانبيّ المؤدّي إلى شارع رقم 60. رغبت لبنى بانتظار سيارة مسافرة إلى بيت لحم للعودة إلى البيت. عندما سرنا في ممرّ أشجار الصنوبر، سمعت فجأة صوت عدة رصاصات. وفور ذلك رأيت جنديًا ببزة عسكرية يقف وراء بوابة الدخول المغلقة، على بعد نحو 100 متر عنّا. ومن ورائه وقفت سيارة بيضاء توجّهت نحو الخليل. وفي اللحظة التي استدرت كي أهرب شعرتُ بشيء ما يصيبني بيدي اليسرى. أدركت أنني أصبت بالرصاص وبدأت الركض، مُخلّفة لبنى ورائي. اِعتقدت أنها تركض خلفي. ركضت قرابة 50 مترًا حتى رأيت شخصيْن من طاقم الكلية. قام أحدهما بلفّ يدي وذهب الثاني للبحث عن لبنى.

نقلوني من هناك بسيارة خصوصيّة إلى العيادة القريبة، ومن هناك بسيارة إسعاف إلى مستشفى في الخليل. وصلت عائلتي إلى المستشفى ولم تخبرني بحقيقة وضع لبنى. قال لي أخي إنها أصيبت وإنها موجودة في نفس المستشفى ووضعها جيّد. خضعت لعلمية جراحية في يدي لأنّ الرصاصة التي أصابتني مرّت من خلال كفّ يدي وأصابت بعض أوتار إحدى أصابعي. قبل العملية بقليل سمعت من مريضات أخريات في المستشفى أنّ لبنى توفيت. صرخت وشعرت بأنني على وشك أن يُغمى عليّ. لم أصدّق ما حدث. لقد كانت سعيدة جدًا أثناء جولتنا في الكلية. أنا أيضًا كنت سعيدة أثناء زيارتها للمكان- وهي زيارتها الأولى والأخيرة.

في التقرير الذي نشرته صحيفة هآرتس يوم الحادثة، ورد من الناطق العسكريّ أنّ "القوة التي سارت في الطريق هُوجمت بالحجارة والزجاجات الحارقة، وأطلقت الرصاص باتجاه مصدر الحجارة لأنها شعرت بالخطر". فيما بعد وفي نفس اليوم، نُشر أنّ قائدًا في قيادة المركز تحدّث عن وجود كيس فيه عدة زجاجات حارقة في المنطقة، إلا أنّ الناطق العسكريّ رفض الردّ على السّؤال ما إذا كانت المرأتان مستهدفتين بالرصاص. من خلال التقارير التي وردت في الإعلام يتضح أيضًا أنّ الجندييْن الضالعيْن في الحادثة كانا نائب قائد كتيبة يهودا، المقدّم شاحر سفدا، وجنديًا آخر كان بصحبته، وأنّ الاثنين كانا يسيران بسيارة مدنيّة على شارع رقم 60 وبعد أن شاهدا راشقين للحجارة والزجاجات الحارقة قرّرا التوقف والخروج من السيارة، وعندها أطلقا الرصاص وحاولا ملاحقة الراشقين.

لم ينجح تحقيق بتسيلم في تأكيد أو دحض الادّعاء القائل بأنّ إطلاق الرصاص سبقه رشق للحجارة وللزجاجات الحارقة، إلا أنه أشار أنّ سعاد ولبنى الحنش لم يكن لهما أيّ علاقة بما حدث، وأنهما لم تكونا تعيان ما يحدث من حولهما وفق إفادة سعاد. لذلك، لم يكن أيّ تبرير لإطلاق الرصاص صوب الاثنتيْن. ردّ الجيش لا يتطرّق بتاتًا لحقيقة أنّ الرصاص أصاب عابرتيْ سبيل، أو لحقيقة أنّ إطلاق الرصاص الحيّ باتجاه الجزء العلويّ لشخص ما غير مسموح إلا في حال شكّل هذا الشخص خطرًا فوريًا على الجنود أو أشخاص آخرين، وهذا شرط من الواضح أنه لم يُستوفَ في هذه الحالة..