Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

برعاية نظام التصاريح: إسرائيل تمزّق حياة نساء من قطاع غزة وتفصلهن عن أسرهن في الضفة الغربية. هذه قصة عائشة مصلح وأخواتها:

وُلدت عائشة مصلح في قرية تلّ في محافظة نابلس وانتقلت للعيش في قطاع غزّة بعد أن تزوّجت من شخص مقيم هناك. اليوم وهي في الـ34 من عمرها تتحدّث عائشة عن الصّعوبات التي رافقت زواجها وإقامة عُرسها:

عائشة مصلح (من اليمين) وأختواتها. صورة قدمتها العائلة مشكورة

تعرّفت على غسّان مصلح (48 عاماً) في العام 2004 وكان حينذاك يعمل في إسرائيل. بعد مضيّ خمسة أشهر على خطوبتنا اعتُقل وأعيد إلى قطاع غزّة. في تشرين الأوّل 2004 قدّمت لدى مديريّة التنسيق والارتباط طلبات تصاريح لي ولأبي وأمّي لأجل الدّخول إلى قطاع غزّة وإقامة حفل زواجي من غسّان. وافقوا على طلبي لأنّ لديّ وثيقة تثبت عقد قراني على شخص من قطاع غزّة ولكنّهم رفضوا طلبي والدي ووالدتي. وفقاً للعادات والتقاليد كان يجب أن يكون والداي إلى جانبي في يوم عُرسي ولذلك لم أستخدم التصريح ولم أسافر إلى قطاع غزّة.

مضت سنتان ونصف قضيناها في محاولات الحصول على تصاريح وكلّها باءت بالفشل. اتّفقت مع غسّان على أن نلتقي في مصر ونقيم عرسنا هناك وفعلاً سافر غسّان إلى هناك عبر معبر رفح وسافرت أنا مع والدي عن طريق الأردن. تزوّجنا في مصر وبعد عشرين يوماً عاد والدي إلى الضفة الغربيّة وسافرت أنا إلى قطاع غزّة مع زوجي.

أدناه تحدّث نداء حماد (29عاماً) شقيقة عائشة عن القطيعة المفروضة عليها وعلى أختها والحزن الذي ينتابها جرّاء الفراق المستمرّ - من إفادة أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

عندما تزوّجت شقيقتي الكبرى عائشة كنت طفلة صغيرة وقد حزنت كثيراً لأنّها سوف تنتقل للسّكن في مكان آخر. عائشة كانت بالنسبة لي أكثر من أخت فقد كانت بمثابة أمّ لي لأنّها أختنا الكبرى. نحن ثماني أخوات بنات وليس لنا إخوة. كانت أمّي دائماً مشغولة بأعمال المنزل لأنّنا أسرة كبيرة وكانت عائشة هي المسؤولة عن معظم مسؤوليّات الاعتناء بنا.

لم نتمكّن أنا وأخواتي من المشاركة في حفل زواج عائشة بعدما رفضت إسرائيل أن تمنحنا تصاريح دخول إلى غزّة ووقد تمّ العرس في النهاية في مصر. فقط أبي سافر إلى هناك. عندما كنت أسأل والدتي أين عائشة كانت تقول لي إنّها ستأتي لزيارتنا قريباً ولكنّها لم تأت.

مرّت السّنين وعائشة لم تعُد. عندما كنّا صغيرات أنا وأخواتي كنّا نشتاق لها كثيراً ونتحدّث معها يوميّاً. كنّا نسألها "متى ستأتين لزيارتنا؟" فتقول "قريباً. قدّمت طلباً للتصريح وأنا واثقة هذه المرّة أنّني سأحصل عليه".

 

من اليمين: رشا بنت هناء ورقية ويوسف ابناء عائشة وشيماء بنت هناء خلال زيارتهم في نابلس

منذ أن انتقلت عائشة للسّكن في قطاع غزّة لم تتمكّن من زيارة عائلتها سوى مرّات معدودة وبعد جُهد جهيد بذلته لأجل الحصول على التصاريح:

منذ أن انتقلت للسّكن في قطاع غزّة قدّمت طلبات كثيرة للحصول على تصاريح وزيارة عائلتي في الضفة الغربيّة. طلبات كثيرة رفضوها بحجّة أنّني أصغر من السنّ المطلوب والتصاريح القليلة حصلت على كلّ منها بعد محاولات كثيرة باءت بالفشل طوال أشهر.

نداء (من اليمين) وعائشة خلال زيارة في بيت لحم. الصورة بتفضل العائلة

في العام 2014 قدّمت طلب تصريح لكي أشارك في عُرس شقيقتي وألتقي عائلتي وعندما رفضوا طلبي كالعادة أجّلت العائلة العُرس على أمل أن أحصل على تصريح. ولكن عندما اندلعت الحرب في تلك السّنة أقاموا العُرس لأنّه بات مؤكّداً أنّ هذا لن يحدث. ما فاجأني هو أنّني حصلت على تصريح لزيارة أهلي بعد عُرس شقيقتي بأسبوع واحد.

في العام 2018 تمكّنت عائشة من زيارة والدها ورؤيته قبل وفاته بيوم واحد. في السّنة التي تلتها توفّيت والدتها دون أن تتمكّن من رؤيتها ووداعها. أدناه تحدّث عائشة عن التبعيّة المطلقة لإسرائيل والتي منعتها دائماً من لقاء والديها:

علمت ذات يوم أنّ والدي يرقد في المستشفى وفي اليوم التالي توفّي. لم ترغب عائلتي أن تخبرني هاتفيّاً أنّ والدي في المستشفى وقد علمت ذلك في وقت متأخّر. لم أشأ العودة إلى غزة وترك والدتي في هذه الحالة الصّعبة فبقيت عندها لمدّة ستّة أشهر. كنت حاملاً هذه المرة أيضًا وقد ولدت ابني إبراهيم في نابلس وبعد ذلك عُدت إلى غزّة. 

في العام أصيبت والدتي بمرض السّرطان وكان وضعها صعباً فحصلت على تصريح لمدّة أسبوع. ذهبت لزيارتها وبقيت لمدّة ثلاثة أشهر لكي أعتني بها فقد كانت حالتها سيّئة للغاية. بعد مضيّ أسبوع على عودتي إلى غزّة تدهورت صحّة والدتي وقدّمت طلباً لتصريح جديد ولكنّه رُفض. كانت والدتي ترقد في قسم العناية المكثّفة فأحسست وكأنّ العالم سوف ينهار وأنّني سأفقد والدتي دون أن أودّعها. ندمت كثيراً أنّني عُدت إلى القطاع وكنت قلقة عليها كثيراً.

واصلت محاولات الحصول على تصريح بتدخّل من منظّمات حقوق الإنسان وانتظرت الردّ. في هذه الأثناء هاتفت أخواتي لكي أسأل عن والدتي فسمعت صراخهنّ وهكذا علمت انّ والدتي قد توفّيت فصرت أصرخ بدوري وأبكي. توجّهت فوراً إلى منظّمة "جيشاه" لكي يساعدوني في حضور جنازة والدتي على الأقلّ وإلقاء نظرة أخيرة عليها. ولكن لم تنجح المساعي ودُفنت والدتي دون أن أودّعها وأحتضنها. بقيت والحسرة والألم يعتصران قلبي.

في اليوم التالي حصلت على تصريح لمدّة خمسة أيّام فقمت وسافرت إلى نابلس. لا يمكنني أن أصف لك مدى الحُزن الذي انتابني عندما دخلت إلى غرفة والدتي ونظرت إلى أغراضها. عُدت إلى غزّة بعد خمسة أيّام لأنّني خشيت أن تمنعني إسرائيل من المجيء إلى نابلس إذا بقيت أكثر. كذلك لأنّني جئت مع اثنين فقط من أولادي - محمد وإبراهيم - وتركت بقيّة الأولاد مع زوجي في القطاع. أصعب ما في حياتي اليوم أنّ شقيقتي نداء (27 عاماً) تعيش وحدها في المنزل. منذ أن تركتها وأنا قلقة عليها كثيراً ولكن ماذا نفعل؟ إنّه قضاء الله وقدره.

أدناه تحدّث نداء، شقيقة عائشة الصّغرى، عن صعوبة الفراق عن أختها الكبرى:

عائشة لم تزرنا منذ أن جاءت عقب وفاة والدتي فهُم يُصدرون التصاريح فقط في حالة المرض أو الوفاة. أيّة حياة هذه؟ هل يُعقل أن لا تلتقي الأخوات سوى في حالات المرض والموت في العائلة.

قبل أسبوع ولدت عائشة طفلاً جديداً. كانت في المستشفى وحيدة لا يأتي لزيارتها أحد سوى زوجها وحينذاك كان يبقى أولادهما في المنزل وحدهم. لم ترغب عائشة أن تخبرنا بذلك ولكنّنا علمنا من زوجها. نحن نتحدّث معها كلّ يوم وحين اتّصلنا ردّ زوجها وقال لنا إنّهما في الطريق إلى المستشفى.

نحن هنا سبع أخوات علاقتنا ببعضنا البعض قويّة وهي هناك وحيدة تعيش في غُربة. كانت تأتي إلى نابلس مثل زهرة ذابلة ورُويداً رُويداً تستردّ حيويّتها وتتحسّن حالتها أثناء فترة مكوثها عندنا. لذلك كان المرحوم والدي يصرّ أن تبقى عندنا أطول مدّة ممكنة بغضّ النظر عن مدّة التصريح.

أنا أحبّ زوجها كثيراً رغم أنّني أعرفه فقط عبر الهاتف وأحب أولادها أيضاً. يتألّم قلبي كلّما قدّمت والدتهم طلب تصريح لانّهم يمتلئون بالتوقّعات وبشغف الانتظار. يتحدّثون بانفعال كبير عن اقتراب قدومهم إلى الضفة وعن المشاركة في عُرس خالتهم - ولكن عندما يأتي الرّفض يُصابون بخيبة أمل كبيرة.

كلّ ما أريده وتريده أخواتي الستّ هنا في نابلس هو أن نتمكّن من لقاء شقيقتنا عائشة متى شئنا. غيابها عنّا يجعل كلّ شيء في حياتنا ناقصاً وبلا طعم.