Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

رعاية نظام التصاريح: إسرائيل تمزّق حياة نساء من قطاع غزة وتفصلهن عن أسرهن في الضفة الغربية. قصة أحلام وزياد سالم

أحلام سالم (41 عاماً) في قطاع غزّة وفي العام 1997 تزوّجت من زياد - المقيم في رام الله - وأنجبت خمسة أبناء. في سنوات الزّواج الأولى أقامت الأسرة في الضفة الغربيّة وفي العام 2006 حين سيطرت حركة حماس بحُكم قطاع غزّة كانت أحلام في زيارة لعائلتها هناك. وحيث أغلقت إسرائيل المعابر في أعقاب ذلك تعذّر على أحلام العودة إلى منزلها في رام الله وباءت بالفشل جميع محاولاتها ومحاولات زوجها في هذا الشأن. النتيجة هي أنّ أحلام منفصلة قسريّاً عن زوجها وتقيم مع الأولاد الخمسة في عزبة بيت حانون في قطاع غزّة بينما يقيم الأب في رام الله. عن ذلك تحدّث أحلام: 

أقيم في عزبة بيت حانون في شقّة في أبراج العودة مع أولادي الخمسة وهم أحمد (23 عاماً) ومحمد (20 عاماً) وماريّا (18 عاماً) ومحمود (14 عاماً) وعطا (سنتان). قدّمت طلبات كثيرة للعودة إلى رام الله لكي أتمكّن من السّكن مع زوجي في منزلنا ولكنّني لم أحصل على تصريح في أيّة مرّة. لا يريد زياد العودة إلى القطاع لأنّه عندئذٍ سيفقد عمله في الضفة في حين يصعب جدّاً العثور على عمل في القطاع. هذا إضافة إلى أنّ عائلته في رام الله ناهيك عن أنّ المرأة هي التي تتبع الرّجل وفقاً للتقاليد. قدّمنا طلبات كثيرة لكنّ إسرائيل رفضت قطعيّاً الموافقة عليها وفي النهاية توقّفنا عن تقديم الطلبات. لم يرَ أولادي أباهُم منذ سنين وهذا أمر صعب جدّاً. 

أحلام سالم وأولادها. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 3.3.21

في العام 2010 تمكّن زياد من دخول قطاع غزّة عن طريق معبر رفح وأقام مع أسرته طيلة سنة. وحيث لم يتمكّن من العثور على عمل في القطاع بسبب تدهوُر الوضع الاقتصاديّ نتيجة للحصار الإسرائيليّ اضطرّ أن يفارق أسرته ويعود إلى الضفة الغربيّة. عن ذلك يقول زياد سالم:

عندما التأم شملنا واجتمعنا سويّة فرحت زوجتي والأولاد كثيراً - شعرنا كأنّما هبة هبطت علينا من السّماء. يصعب أن أصف هذا الشعور وأن أشرح ماذا يعني أن تجتمع مرّة أخرى مع أحبّتك بعد فراق طويل وأن تستطيع غمرهم بحبّك أخيراً. لكنّها كانت فرحة ناقصة لأنّني كنت عاطلاً عن العمل ولم أتمكّن من إعالة أسرتي هناك.

بعد مضيّ شهرين قرّرت العودة إلى الضفة الغربيّة ولكن لم أفعل ذلك بسبب إغلاق المعابر بين قطاع غزّة ومصر. كانت أسرة زوجتي متكفّلة بمعيشتنا وأحسست أنّنا أصبحنا عبئاً عليهم وكان هذا يشعرني بالمرارة. ندمت على اليوم الذي عُدت فيه إلى قطاع غزّة. لا يوجد أصعب من الشعور بالعجز عن إعالة أسرتك وإحساسك كأنّك تتلقّى صدقة وكلّ ما كنت أملكه في تلك الأيّام هو كرامتي. بعد مضيّ سنة فُتحت المعابر وتمكّنت من العودة إلى رام الله ولكن حتى هناك تصعّبت في العثور على عمل. عملت بشكل متقطّع وكانت والدتي تدعمني ماليّاً قدر استطاعتها. كان علينا أن نعيل في ذلك الوقت أسرتين في غزة: أسرتي وأسرة أخي.

نهاية المطاف وجدت عملاً في مجال التبريد والتدفئة ومؤخّراً أصبحت مدير قسم وأتلقى راتباً جيّداً. نتيجة لذلك تحسّن وضعنا الاقتصاديّ ولكنّ أسرتنا بقيت مشتّتة وتتواصل فقط عبر الهاتف ووسائل التواصُل الاجتماعيّ. نحن نسعى كلّ الوقت ونبحث عن طرق ليلتئم شمل الأسرة من جديد أو على الأقلّ أن تحصل زوجتي أو أحد الأولاد على تصريح لزيارتي.

في العام 2018 حصلت أحلام على تصريح دخول كمرافقة لوالدتها المريضة حيث تقرّر إجراء عمليّة جراحيّة لها في رام الله. هكذا استطاعت أن تلتقي بزوجها بعد فراق استمرّ ثماني سنوات. أدناه تصف أحلام لقاءها بزوجها:

عادت أمّي إلى قطاع غزّة بعد انتهاء العلاج وبقيت أنا في رام الله طيلة سنة. كنت في غاية السّرور لأنّني اجتمعت أخيراً بزوجي بعد فراق دام ثماني سنوات. عندئذٍ تيقّنت كم تنقصني الحياة الأسريّة وأصبح بمقدوري تخيّل حياة مستقرّة وآمنة ملؤها الفرح مع زوجي والأولاد. لكنّ الأولاد بقوا في قطاع غزّة وشوقي إليهم كان صعباً عليّ فعُدت إلى القطاع ودخلت من جديد في دوّامة المعاناة والاشتياق لزوجي الذي تركته في رام الله. قدّمت مراراً وتكراراً طلبات تصريح ولكنّهم رفضوها أو لم يردّوا عليها. نحن الآن نتواصل فقط عبر الهاتف. 

>هذه القطيعة القسريّة صعبة عليّ جدّاً وأصعب بكثير على الأولاد الذين لم يعودوا يعرفون ما معنى الحياة كأُسرة. أضطرّ لتلبية كلّ احتياجاتهم وحدي وأيضاً أساعدهم على التعامل مع الصعوبات الدراسيّة. أنا بمثابة أمّ وأب لهُم في آن واحد. هذا مُتعب جدّاً. لقد مللت من هذه الحياة. أتمنّى أن تحلّ هذه المشكلة فنتمكّن من العودة إلى رام الله والعيش معاً كأسرة عاديّة. أسرتنا مشتّتة منذ سنوات طويلة وما نريده أمرٌ في غاية البساطة: فقط أن نعيش مثل بقيّة الأسر.

أدناه يتحدّث زياد عن معاناتهما كزوجين في هذه الفترة، وعن قسوة الافتراق مجدّداً: 

زياد سالم. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

خلال السّنة التي قضتها زوجتي معي في رام الله كنّا نخرج في نزهات وقد تجوّلنا كثيراً وزُرنا العائلة والأصدقاء - حاولت أن أعوّضها قدْر الإمكان. كنّا على تواصُل مع أبنائنا وبناتنا وكانوا معظم الأحيان على ما يُرام سوى أنّ الاشتياق كان ينغّص عليهم كثيراً. بعد سنة عادت أحلام لتكون مع الأولاد كما أنّها كانت حاملاً وأرادت ان تلد هناك لتكون عائلتها قربها بعد الولادة. 

دنا إلى الوضع السّابق: فراق وأشواق وتواصُل عبر الهاتف. وُلد ابني عطا بعد عودة زوجتي إلى قطاع غزة وأنا لم أحظ بحمله أو احتضانه ولو مرّة واحدة. هذه حياة يصعب وصفها حتى. إنّها أصعب من حياة الأسير لأنّه يعلم أنّه محكوم عليه العيش هكذا لفترة محدّدة أمّا أنا فلا أعلم كم سيستمرّ هذا الظلم وكم سيدوم شتات أسرتنا وفراقي عن زوجتي وأولادي. 

أنا أتعذّب جرّاء ذلك كلّ يوم من الصّباح وحتى المساء. يصعب عليّ كثيراً أن أرى أبناء جيراننا يعيشون مع آبائهم وأمّهاتهم يلعبون معهم ويخرجون معهم للنّزهة. كلّما رأيت هذا المشهد يخطر أولادي في ذهني وأفكّر كم أنا بعيد عنهم ويطغى عليّ الشوق إليهم. أتمنّى أن أقضي الوقت معهم في الأعياد وأن آخذهم إلى السّوق وأشتري لهم الهدايا ونذهب للتنزّه معاً. كلّ هذه السّنين تمرّ وأنا لا أقدر على رؤية أولادي، كلّ هذا الفراق وهذا البُعد وبيننا سفر أربعين دقيقة فقط. هذا ظلم فاحش.

علاوة على ذلك هُم يقيمون في عزبة بيت حانون وهو موقع محفوف بالأخطار لأنّ إسرائيل تستهدف المنازل هناك بالقصف كلّما شنّت حربًا على القطاع. كلّما سمعت عن قصف أفقد عقلي من شدّة القلق. نحن بالطبع نتواصل هاتفيّاً طوال الوقت ولكنّه وضع مُرعب لا أتمنّاه لأحد. 

لقد تعبت كثيراً من هذا الوضع وأسأل الله أن يفرّج كرْبنا. كلّ مُرادي من هذه الدّنيا أن أجتمع بأفراد أسرتي أن أحتضنهُم وأن نعيش معاً كأيّ أسرة عاديّة.