يضطرّ سكان خربة سوسيا الفلسطينيّون، يوميًّا، لمشاهدة البيوت الثابتة والقوية والحصينة في مستوطنة سوسيا، التي أقيمت عام 1983. ورغم أنّ سكان هذه القرية الفلسطينيّة يعيشون في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، إلا أنّ الجيش طردهم من قريتهم الأصليّة، وأعلن أنها "موقع أثريّ"، وهو يحظر عليهم تشييد البيوت في مكان سكنهم الحاليّ. وقد أصدر الجيش، أيضًا، أوامر هدم ضدّ الخيم والمباني العرضية التي شيّدوها. وفيما تهبّ في الخارج عاصفة فإنّ الظلم يشتدّ أكثر من ذي قبل. نصر النواجعة، الباحث الميداني في منطقة جنوب جبال الخليل ومن سكان سوسيا، صور هذه المشاهد في العاصفة الجوية.

تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم. 1/1/2015.

في الفاتح من كانون الثاني، حين كان مراقبو الأرصاد الجويّة قد بدأوا الحديث عن العاصفة الوشيكة، هدم الجيش الإسرائيليّ والإدارة المدنيّة خيمًا تابعة لخمس عائلات في جماعة خربة أم الجمال في غور الأردن، وبعضًا من ممتلكاتها. وقد خلّفت عملية الهدم من ورائها 30 شخصًا، من بينهم 22 قاصرًا، معرّضين لويلات الطقس، إلا أنّ السلطات لم تهتمّ بتوفير أيّ حل بديل لهم. وقد وفر الهلال الأحمر والسلطة الفلسطينيّة خيمًا بديلة للعائلات، إلا أنها لا توفر حماية جيّدة ضدّ الأمطار. وقد تجنّدت منظمة "محسوم ووتش" خلال العاصفة ووفّرت للسكان لفافات نايلون لسدّ الخيم. وفي شباط الماضي كنا كتبنا عن هدم الجيش الإسرائيليّ لكلّ المباني التابعة لهذه الجماعة.

منطقة الزنة شرقيّ خان يونس، 4/12/2014

في الاونة الأخيرة يقوم الباحث الميداني لدى بتسيلم في قطاع غزة، محمد صباح بتوثيق الحياه بين الأنقاض التي احلها القتال. يقول صباح: "في أثناء الحرب في "الجرف الصامد" لم نكن قادرين تقريبًا على التجوّل في شوارع القطاع وتوثيق ما يحدث، بسبب الخطر المحدق بحياتنا. وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة، قمنا أنا وخالد العزايزة ومحمد سعيد، باحثي بتسيلم في قطاع غزة، بالتنقل من حيّ إلى حيّ، ومن بيت إلى آخر، نصوّر ما كان في السابق أحياء نابضة ومبانيَ سكنيّة مكتظّة، وهي اليوم ليست إلا خرابًا، ونلتقي الناس الذين يعيشون معدومين بين الأنقاض. نحن نستمع منهم لمحاولات التغلب على البرد والمطر، ولليأس وانعدام الحيلة. إنّ حجم الدمار هائل جدًا، وهو يشبه الكابوس. الأمل الوحيد يأتي فقط من الأطفال الذين يلعبون بين الأنقاض."

كان العام 2014 عامًا فظيعًا: من أكثر السنوات فتكًا وقساوة في تاريخ الاحتلال. آلاف القتلى الفلسطينيّين في غزة، العشرات في الضفة، وعشرات القتلى الإسرائيليّين في الأراضي المحتلة وإسرائيل، ناهيك بالمصابين والدمار الواسع. إعمار البيوت التي دُمّرت يتطلّب أعوامًا طويلة؛ أمّا الحيوات التي دُمّرت فلا أحد قادر على إحصائها: فلكلّ عائلة معاناتها الخاصة، وكلّ شخص متروكٌ لقواه الذاتيّة. بعد كلّ هذا القتل والدمار والمعاناة والألم، ثمة حاجة إنسانيّة طبيعيّة "للعودة إلى الروتين". إلا أنّ ما يعنيه "الروتين" لملايين الفلسطينيّين الذين يعيشون تحت الاحتلال، هو الحياة المعرّضة للأذى طيلة الوقت، بلا أيّ حماية تقريبًا. هذا روتين قاتل، لا يضمن العدل أو السكينة، وهو لاغٍ أخلاقيًّا. يُحظر علينا العودة إلى الروتين، لأنّ انتهاكات حقوق الإنسان يجب ألا تتحوّل إلى "روتين"، لا بعد 47 عامًا ولا بعد مئة عام.

الجنود والفتى الذي اُعتدي عليه وكلبا الاعتداء في بيت أُمّر. تصوير: محمد عوض، بتسيلم، 23/12/2014

في يوم الثلاثاء، 23/12/2014، تطورت مواجهة بين فلسطينيين وجنود بجوار منطقة الأمن الخاصة المحيطة بمستوطنة كرميه تسور، التي نُهبت أراضيها من سكان بيت أُمّر. رشق فلسطينيون الحجارة على الجنود فردّوا بإطلاق وسائل تفريق المظاهرات. وأثناء الحدث أحضر جنديان كلبي اعتداء إلى الموقع، واعتدى أحد الكلبين على فتى فلسطينيّ في الـ 16 من عمره وعضّه. أخذ الجنود الفتى إلى المشفى وبات فيه ليلة واحدة ومن هناك أُخِذ إلى الاعتقال. هذه ليست المرة الأولى التي توثق فيها بتسيلم استخدام الجيش للكلاب للاعتداء على مدنيّين فلسطينيّين. بتسيلم تكرر مطلبها من الجيش وقف استخدام هذه الوسيلة الفظيعة، إذ أنّ تهويش الكلاب على الناس يشكل وسيلة عمل مثيرة للاشمئزاز وهي لاغية أخلاقيًا وقانونيًا.

الشباك الذي أصيب عبره جوابرة. الجنود وقفوا على السطح الظاهر في الزاوية اليسرى، وعليه صهاريج المياه. تصوير: موسى أبو هشهش، 12/11/2014.

يوم 11/11/2014 أطلق جندي اسرائيلي الرصاص على محمد جوابرة وأرداه قتيلا، فيما كان يمكث في بيته في مخيم العروب للاجئين. كان الجندي الذي أطلق النار يقف بمعيّة جنود آخرين على سطح بيت آخر في المخيم، يُطلّ على المنطقة التي جرت فيها مواجهات ذلك اليوم، بجوار بيت جوابرة. ويشير استقصاء بتسيلم إلى أنّ حيثيات الحادثة لا تبرر إطلاق الرصاص القاتل وثمة اشتباه قويّ بأنّ إطلاق الرصاص على جوابرة لم يكن قانونيا. ويعتبر جوابرة القتيل الفلسطيني الرابع والأربعين في الضفة برصاص قوات الأمن منذ مطلع 2014. وقتلت غالبيتهم الكبيرة في ملابسات لم تكن تبرر اللجوء إلى الأسلحة الفتاكة. إنّ من يتحمل مسؤولية ذلك هم صناع السياسات في الحكومة والجيش والنيابة العسكرية، الذين يمنحون الغطاء لاستمرار هذا الواقع.

الصورة من الفيديو

أكثر من ثلاثة أشهر مرت منذ "عملية الجرف الصامد"، وما زالت عشرات آلاف العائلات في قطاع غزة بلا بيوت. وفقا لبيانات نشرتها الأمم المتحدة في أكتوبر، خلال "عملية الجرف الصامد" دمرت بيوت 20,000 عائلة، بينما تضررت بيوت 80,000 عائلة أخرى. في بلدة خزاعة التي تقع شرقي خان يونس، بالقرب من الحدود الإسرائيلية، دمرت وتضررت مئات البيوت. حتى الصيف الأخير سكن أبناء عائلة القرة في مبنى من خمس طوابق، وقد دمر هذا المبنى تماما أثناء القتال. تعيش العائلة اليوم في خيمتين بالقرب من الأنقاض.

قرية ام الخير امام مستوطنة "كارميل" التي اقيمت بالقرب منه. تصوير: كيرن مانور، اكتيفستيليس.

دعت اليوم الدول الأطراف في إتفاقية جنيف الرابعة، دعت إسرائيل إلى احترام أحكام اتفاقية جنيف في جميع الأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. أشارت الدول إلى واجب الدولة المحتلة بمراعاة حاجات السكان بإدارة منطقتهم، وإلى عدم شرعية المستوطنات والجدار الفاصل، وأعربت عن قلقها العميق إزاء الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة. قريبا سيكون قد مر على الاحتلال، الذي كان ينبغي أن يكون مؤقتا، خمسون عاما، ولا يبدو أن نهايته تلوح في الأفق. على مر السنين انتهكت إسرائيل الاتفاقية بشكل صارخ، في الوقت الذي لا تزال تتمتع بمزايا عديدة لكونها تنتمي إلى "مجموعة" الدول الأطراف في الاتفاقية. على الرغم من أن قرار اللجنة هو إجراء تصريحي لا توجد له آثار قانونية، ولكنه يعكس ليس فقط عدم شرعية الإحتلال المستمر وانتهاكات حقوق الإنسان المرافقة له، وادعاءات اسرائيل الكاذبة بأنها تمتثل لشروط اتفاقية جنيف الرابعة، وإنما يعكس أيضا الوضع الدولي لاسرائيل المتدهور باستمرار طالما بقيت الانتهاكات مستمرة.

من التوثيق بالفيديو. رجل مسن يرغم على العبور من طريق لا تعتبر طريق لان الحاجز مغلق.

حاجز باب الزاوية/شوتير يتحكم بالطريق الرئيسية الممتدة من حي تل الرميدة حتى سوق الخليل ومركز المدينة. الحاجز، مثل بقية معيقات الحركة الخانقة التي يفرضها الجيش الاسرائيلي على الفلسطينيين في الخليل، لا يخدم أية احتياجات أمنية، ويشكل جزءا من سياسات العزل التي يفرضها الجيش في المدينة. إغلاق الحاجز بعد إحراقه كان عقابا جماعيا فرض على مئات الأشخاص بسبب أعمال قام بها أفراد. يتوجب على الجيش إزالة هذا الحاجز وحواجز غير ضرورية أخرى في مركز مدينة الخليل، ووقف هذه المعاملة السيئة لسكان المنطقة. طالما يكون الحاجز موجودا، فمن واجب الجيش السماح للسكان بالمرور بشكل منتظم، والإمتناع عن معاقبة شعب كامل بسبب تصرفات أفراد منه.

الوزير ابو عين في المظاهرة اليوم (10/12/2014) في ترمسعيا. تصوير: محمد توركمان. رويتيريز.

في الساعات الأخيرة، تركّز اهتمام الرأي العام على ظروف موت الوزير الفلسطيني زياد أبو عين. أبو عين توفي اليوم، وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان، بعد مشاركته في فعالية احتجاج سلمية نظّمها مزارعون فلسطينيون من منطقة ترمسعيا، شمال رام الله، ضد منعهم من وصول أراضيهم. ظروف موته لم تتضح بعد، ولكن خلفية الاحتجاج وطريقة تعامل قوات الأمن الاسرائيلية مع الفعاليات الاحتجاجية الفلسطينية معروفة جيدًا. بالنيابة عن الدولة، يسيطر المستوطنون بالقوة على أراض فلسطينية في الضفة، وبالنيابة عن الدولة، مسيرة احتجاجية فلسطينية ضد النهب، تقمع من قبل الجيش بقوة - وبقوة مميتة في بعض الأحيان. هكذا بدا اليوم العالمي لحقوق الإنسان في واقع حياة في ظل الإحتلال، واقع يُمنع فيه حتى الاحتجاج على النهب. هكذا هي الحياة في ظل الإحتلال - الحياة، والموت في بعض الأحيان.

رصيف الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم. كانون ثاني 2014.

اليوم العالمي لحقوق الانسان الذي يصادف هذا اليوم يشكل فرصة لاستعراض السنة التي مرت من خلال مدونة الصور التي قمنا بتدشينها قبل عام. على مدار العام نقوم بنشر تحقيقات، تحديثات، أفلام فيديو وتقارير معمقة حول مختلف الجوانب المتعلقة بحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية. تتيح لنا مدونة الصور النظر الى الحياة في الضفة الغربية وغزة من زاوية أخرى.
الصور التي اخترناها من الصور الكثيرة التي تم عرضها في السنة الماضية تستعرض السنة الماضية كما تجسدت في مدونة الصور.