الإدارة المدنية هدمت مرافق المياه وأبقت مزارعين فلسطينيين بلا مصدر مياه لأسَرهم، لأغنامهم ولمحاصيلهم الزراعيّة

تم النشر في: 
28.2.17

خلال شهرَي كانون الثاني وشباط 2017 هدمت السلطات الإسرائيلية مرافق مياه في منطقتين في الضفة الغربيّة: في جنوب الضفة هدمت سبعة آبار مياه استخدمها مزارعون ومربّو أغنام من منطقة مجاورة لتقوع في محافظة بيت لحم، وبئرًا أخرى في تجمّع خشم الدرج – خشم الكرم، جنوب جبل الخليل. وفي الأغوار هدمت مرّتين أنبوبًا معدًّا لتوصيل المياه إلى ثلاثة تجمّعات يسكنها رعاة أغنام ومزارعون شماليّ منطقة الأغوار. في 20.2.2017 هدمت السلطات مجدّدًا مقطعًا من أنبوب مياه، بعد أن كان السكان قد وصولوه ثانية. تتجاهل إسرائيل أزمة المياه الحادّة التي يعانيها السكان الفلسطينيون، علمًا أنّها تسيطر منذ احتلال الضفة على معظم مصادر المياه. وهي تطوّر مشاريع من شأنها تخفيف معاناة الفلسطينيين فقط إذا كانت هذه المشاريع تسهم في تحسين البنية التحتية في المستوطنات. في المقابل تدمّر إسرائيل أيّة بنية تحتية للمياه يقيمها الفلسطينيون في منطقة C وتفرض عليهم واقعًا لا يُطاق، بهدف دفعهم إلى الرحيل عن المنطقة.

الهدم في تقوع:

في تاريخ 4.1.17 وصلت قوات الجيش والإدارة المدنية إلى منطقة زراعيّة محاذية لقرية تقوع الواقعة في محافظة بيت لحم. في هذه المنطقة يعيش سكان يربّون الأغنام والمحاصيل الزراعية المختلفة. البعض يعيش في المنطقة بشكل مستقرّ، وآخرون يسكنون هناك موسميًا فقط. هذه الأراضي غير موصولة بمنظومة مياه القرية، لأنها تقع في المنطقة (C) حيث لا تسمح إسرائيل بإنشاء مرافق مياه للفلسطينيين. خلال السنوات الأخيرة حفر المزارعون هناك عددًا من الآبار لتجميع مياه الأمطار، وذلك بفضل الدعم المالي المقدّم من منظمة دولية للغوث الإنساني. هدمت القوّات الذي وصلت إلى المكان سبعة آبار وعدّة أكواخ زراعيّة.

في إفادات سجّلها باحثا بتسيلم الميدانيان، نصر نواجعة وموسى أبو هشهش، في 24.1.17، وصف سكّان المكان أعمال الهدم وتأثيرها على حياتهم.

أسامة أبو مفراح، 39 عامًا، متزوج وأب لطفلين، روى:

قبل نحو أربع سنوات تلقيت الدعم المالي لحفر بئر. أضفت 2000 شيكل من مالي الخاصّ ودفعت  لمقاول لكي يحفر البئر. أنا بحاجة إلى بئر لتوفير المياه لأغنامي البالغ عددها 50 رأسًا، ولريّ المحاصيل في الصيف. بعد أن حُفر البئر وتوفرت المياه كنت متفائلاً وزرعت أكثر من مائة شتلة زيتون. قبل ذلك لم تتوفر لدينا المياه على الإطلاق، وفي الصيف كانت الأرض مثل مقبرة. لفترة ما، أقمت هنا بشكل مستقرّ في خيام وعريشة. قبل عامين عدت للسكن في القرية معظم أيام السنة، وللنوم هنا فقط في المواسم الزراعية. في هذه الفترة بالضبط كنت على وشك العودة للسكن هنا لمدة ثلاثة أشهر. هذه الأرض هي مصدر الرزق الوحيد لديّ.

في 4.1.17 أبلغني مزارعون جيران لي أن الجرافات الإسرائيلية بدأت في هدم الآبار والمنشآت الزراعية في منطقتنا. حين وصلت إلى المكان كانوا قد أنهوا عملية الهدم. رأيت بئري مهدّمة تمامًا. كانت ممتلئة بمياه الأمطار منذ شهر كانون الأول. شعرت بيأس شديد. أخاف الآن على أشجار الزيتون التي زرعتها. في سنواتها الأولى تحتاج إلى الكثير من المياه. عدا عن ذلك، أنا أحتاج هذه المياه من أجل عائلتي أيضًا. الآن لا توجد مياه وسوف أضطر إلى شرائها من ناقلي الماء. كل صهريج يكلفني 200 شيكل، وسأحتاج إلى صهريج واحد على الأقل كلّ شهر.

عزيز العبد، 27 عامًا، متزوّج وأب لطفل، روى:

أقيمُ في تقوع مع زوجتي وابني ووالديّ. أعتاش من تربية الأغنام وبيع الحليب، وكذلك تملك عائلتي قطعة أرض مساحتها نحو 70 دونمًا نزرع فيها القمح والشعير والبقوليات. قبل عامين ونصف حفرنا بئر ماء بدعم من أموال مانحين. قبل ذلك كنا نستخدم الماء من بئر قديمة أقيمت بالقرب منها مستوطنة تقوع. قرّرنا أن نحفر البئر الجديدة لأننا عانينا على الدوام من تهديدات واعتداءات المستوطنين كلما أتينا لنشل الماء. وكانوا يعتدون أيضًا على أطفالنا، وكان رجال الأمن يطلقون كلابهم علينا. البئر التي هدموها كان وجودها حيويًّا لمواصلة حياتنا هنا. وقد كانت هي المصدر الرئيسي للمياه عندنا، سواء للشرب أو للأغنام. الآن لديّ خياران، فإمّا أن أجازف بالعودة إلى البئر القديمة أو أشتري صهاريج المياه بتكلفة نحو 1000 شيكل شهريًا.

الهدم في خشم الدرج – خشم الكرم:

في 23.2.2017 وصلت قوّات الإدارة المدنية مزوّدة بجرّافة إلى منطقة تجمّع خشم الدرج – خشم الكرم في جنوب جبل الخليل، على مسافة نحو 2 كم شمال الجدار الفاصل. يدور الحديث عن بضعة مضارب في منطقة "C" يعيش فيها نحو 450 شخصًا. في سنة 2009 أقرّت السلطات الإسرائيلية خريطة هيكلية تحيط بمساحة تقوم عليها مباني سكنية تقع في مضارب التجمّع. المضارب موصولة بشبكة المياه، ولكن تيّار المياه ضعيف، وتزويد المياه في الصيف غير منتظم. إضافة إلى ذلك، تمنع إسرائيل ربط أرض المراعي الواسعة المحيطة بالمضارب بشبكة المياه. هدمت القوّات بئر مياه حُفرت قبل نحو خمس سنوات كان يستخدمها رعاة الأغنام في تلك المنطقة. 

في إفادة سجّلها باحث بتسيلم الميداني، نصر نواجعة، في 28.2.17، روى مصطفى الفقير (46 عامًا، متزوّج وأب لعشرة أولاد) عن الهدم وتأثيره على حياة أسرته:

مصطفى الفقير. تصوير: نصر نواجعة, بتسيلم, 27.2.17

نسكن أنا وزوجتي وأولادي العشرة في أحد مضارب الخيام. أنا مزارع وراعي أغنام ولديّ قطيع مؤلّف من أكثر من 50 رأس غنم أُخرجها للرعي في البريّة المحيطة بالمضارب. قبل نحو خمس سنوات حفرت بالتعاون مع أشقائي بئرًا لتجميع مياه الأمطار في مناطق الرعي الخاصّة بنا. تبعد البئر نحو ثلاثة كيلومترات عن المكان الذي نسكن فيه. أتحدّث عن بئر كبيرة، كانت تحوي أكثر من 200 كوب ماء، وكانت تخدمنا لسقاية أغنامي وأغنام أشقائي الستّة، أي ما مجموعه أكثر من 280 راس غنم. إضافة إلى ذلك، كان جيراننا يستخدمون هذه البئر لسقاية أغنامهم. 

للاستخدام اليومي في البيت، لدينا مياه تصل من شبكة "مكوروت". تيار الماء ضعيف، وفي الصيف كثيرًا ما تنقطع المياه كلّيًا. في مثل هذه الحالات نضطر لاستخدام ميه البئر لاحتياجات المنزل. ولأن هذه منطقة صحراوية ولا تهطل فوقها أمطار كثيرة، لم تكفِ مياه البئر لفترة الصيف فاضطررنا إلى شراء الماء من الصهاريج النقالة. بشكل عامّ نحن نشتري عشرة صهاريج ماء كلّ سنة، بسعر نحو 500 ش.ج للصهريج الواحد.

في 23.2.17، في ساعات الصباح، وصلت السلطات الإسرائيلية وبدأت في هدم البئر.  الجنود ورجال الشرطة الذين كانوا هناك، لم يسمحوا لنا بالاقتراب، وكلّ ما استطعنا فعله هو المشاهدة عن بُعد. كانت البئر ملأى تمامًا. هدمتها الجرافة تمامًا، ومن المكان الذي وقفت فيه استطعت أن أرى المياه تتدفّق خارجًا. شعرت بالحزن والغضب والإحباط. كنت بلا حول ولا قوّة. لم أستطع حتى التعبير عن غضبي والاحتجاج على ما يحدث. قبل الهدم ببضعة أيّام وجدت قرب البئر إخطارًا بالهدم وفيه يعطوننا مهلة 3 أيّام لتقديم اعتراض نهائي على قرار هدم البئر، ولكنّي وجدت الإخطار في اليوم الأخير الذي كان يمكن فيه تقديم اعتراض.

في الوقت الحالي نحن نسقي أغنامنا من بقايا مياه الأمطار التي في الوادي القريب، ولكن مجرى المياه هذا سوف يتوقف قريبًا، وسنضطرّ إلى شراء صهاريج المياه لسقي الأغنام. بدون البئر سوف نتحمّل عبء تكاليف كبيرة جدًا علينا. في السنوات الأخيرة وفّرت علينا البئر أموالاً وجهودًا كبيرة. رعاية الأغنام هي مصدر الرزق الوحيد لنا، نحن أناس بسطاء. إضافة إلى مصدر المياه الذي فقدناه، ذهب هباءً كل الجهد الذي بذلناه في حفر البئر، وكذلك الأموال الكثيرة التي صرفناها لشراء الباطون والحديد لأجل البئر. 

الهدم في منطقة الأغوار:

في تاريخ 10.1.17 هدمت قوّات الإدارة المدنية أنبوبًا كان ينقل المياه من القرية الفلسطينية عاطوف، الواقعة في المنطقة A، إلى ثلاثة تجمّعات صغيرة في المنطقة C غير موصولة بشبكة المياه، يسكنها رعاة ومزارعون، وهي: خربة رأس الأحمر، خربة الحديدية وخربة حمصة، . تمّ تنفيذ أعمال مدّ خط المياه بدعم وتمويل من منظمة دولية للغوث الإنساني، وقسم من هذا العمل قام به مزارعون من التجمّعات المحلية خلال العام الماضي. بعد هدم خط المياه مدّ السكان خطّ مياه آخر، أيضًا بدعم ماليّ من منظمات الغوث الإنساني. في 20.2.17 عادَت قوات الإدارة المدنيّة إلى المكان ترافقها الجرافات وهدمت مرّة أخرى المقطع المخصّص لنقل المياه إلى تجمّعي الحديدية وخربة حمصة. هذه التجمعات تعاني من نقص في الماء وتضطر إلى الاعتماد على المياه المنقولة في صهاريج تجرّها تراكتورات. سعر مياه الصهاريج النقّالة أعلى بثلاثة أضعاف، بل وأكثر، من السعر الذي يدفعه الإسرائيليون المرتبطون بشبكة مياه "مكوروت"، بما في ذلك المستوطنات التي أقيمت على مقربة من هذه التجمّعات. بالإضافة إلى ذلك، تقوم الإدارة المدنية بمصادرة التراكتورات المستخدمة لنقل المياه في هذه المناطق - بادّعاء أن هذه مناطق تدريبات عسكرية ويُحظر الدخول إليها - وتشهد الآونة الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في وتيرة مصادرة هذه التراكتورات.

في الإفادة التي قدّمها لباحث بتسيلم الميداني عارف دراغمه في تاريخ 10.1.17، روى أحمد بني عودة، 67 عامًا، الذي يقيم مع زوجته وابنتيه في تجمع الرأس الأحمر، حول هدم أنبوب المياه: 

أحمد بني عودة. تصوير: عارف دراغمه, بتسيلم, 11.1.17

قبل نحو عام علمنا أن واحدة من منظمات الغوث الإنساني سوف تمدّ خطّ مياه يمرّ أيضًا من عندنا. الخطّ معدّ لخدمة أسَر كثيرة لا يُتاح لها الوصول إلى الماء. بالإضافة إلينا، هنالك تجمّع الحديديّة وتجمّع خربة حمصة. في الأشهر الأخيرة تقدّمت مسألة إنشاء الخط وأكملوا مقطعًا طوله نحو عشرة كيلومترات، بحيث وصل إلينا. عندما وصلت المياه كان ذلك يوم عيد بالنسبة إلينا. كان يمكن لخطّ المياه أن يوفّر عليّ وعلى بقية الأسَر أموالاً كثيرة وجهودًا كبيرة. فحتّى تلك اللحظة، كنّا نضطرّ إلى نقل المياه في صهاريج كبيرة تجرّها تراكتورات، وكان سعر المياه يصل إلى 25 شيكل للكوب. لكن في الفترة الأخيرة لم يكن في مقدورنا حتى أن نأتي بهذه الصهاريج، فلا أحد يمتلك الجرأة ليصل بتراكتوره إلى هنا، خشية أن تقوم الإدارة المدنيّة بمصادرته. كان خطّ المياه بالنسبة لنا بشرى حقيقية، فقد مكّننا من الحصول في قلب التجمّع على مياه جارية طيلة ساعات اليوم، لتلبية احتياجات الأسَر والأغنام. الكلّ فرح، رغم أننا منذ البداية خفنا من الجيش والإدارة المدنية اللذان يجريان دوريات منتظمة في المنطقة.

في تاريخ 10.1.17، زهاء التاسعة التاسعة، رأيت ثلاث جرّافات ترافقها قوّات الجيش والإدارة المدنية. بدأوا في الحفر وإخراج الأنابيب من الأرض، وهدموا خطّ المياه تمامًا. أحدثوا تخريبًا في الأنابيب بحيث لم يُبقوا منها شيئًا. هدمت الجرّافات خط المياه وهدمت معه حلم السكان. هدموا الخطّ كاملاً، وصولاً إلى الحديدة وخربة حمصة. لا أدري كيف سنتدبّر أمورنا هنا، بالكاد بقيت تراكتورات بعد أعمال المصادرة. أصحاب الصهاريج الكبيرة لا يريدون نقل المياه إلى هنا، فهذه مخاطرة كبيرة جدًا وهم يخافون، وبحقّ، على مركباتهم.