مياه منهوبة: قلّصت إسرائيل هذا الصيف كمّيات المياه التي تخصّصها للفلسطينيين، البعيدة أصلاً عن تلبية احتياجاتهم

تم النشر في: 
27.9.16

في مطلع شهر حزيران، خلال شهر رمضان، قلّصت شركة مكوروت كميّة المياه التي تزوّدها لعدد من البلدات الفلسطينيّة شمال الضفّة. هذه البلدات عانت طيلة أشهر الصّيف، ولا تزال تعاني اليوم أيضًا، من نقص خطير في المياه. تنتهج إسرائيل هذه السياسة كلّ صيف، بدرجات متفاوتة، وتفرض على عشرات آلاف الأشخاص الاكتفاء بكميّة من المياه لا تلبّي احتياجاتهم الأساسيّة. علمًا أنّه حتى قبل التقليص، كانت كميّة المياه التي أتيحَت لهم - ولمعظم سكّان الضفة الفلسطينيين - أقلّ بكثير من التي أتيحت للمواطنين الإسرائيليين، بل وأقلّ من الاستهلاك الموصى به من قبَل منظمة الصحّة العالمية، التابعة لهيئة الأمم المتحدة.

تقليص تزويد البلدات الفلسطينيّة بالمياه، الذي تنتهجه شركة مكوروت كلّ صيف، هو عامل واحد من بين عدّة عوامل لأزمة المياه المتواصلة الذي يعانيها سكّان الضفّة. ومن ضمن العوامل الإضافية، نقل السيطرة على موارد المياه المشتركة إلى أيدي إسرائيل، التقسيم غير العادل لحقوق استخدام تلك الموارد، الصعوبات التي تراكمها إسرائيل أمام الفلسطينيين لعرقلة تطوير بُنى تحتية للمياه، هدم البنى التحتيّة القائمة ومصادرتها، تقييد الوصول أو منع الوصول إلى موارد المياه المحليّة مثل الينابيع و وآبار تجميع مياه الأمطار، ومواصلة سياسة تفضيل المستوطنين في إمداد المياه.

استولت إسرائيل على موارد المياه في المنطقة مع احتلال الضفة الغربية عام 1967 وتديرها منذ ذلك الحين كما يحلو لها. وفقًا لاتفاقية أوسلو ب، بقيت السيطرة على موارد المياه في أيدي إسرائيل؛ وكان يُفترَض أن تسري الاتفاقية لمدة خمس سنوات فقط، ولكنّها ظلّت سارية حتى اليوم. لقد حدّدت الاتفاقيّة قسمة غير عادلة لموارد المياه، بحيث تستخدم إسرائيل %80 منها، ويستخدم الفلسطينيون الـ%20 المتبقّية. كما تقرّر أن تبيع إسرائيل للفلسطينيين 31 مليون كوب إضافيّة سنويًا، لإكمال تلبية احتياجات السكان. كما وحدّدت هذه الاتفاقيات أن يقوم الفلسطينيّون بعمليات تنقيب عن المياه مستقلة وجديدة، ولكنّ ذلك لم يتمّ، إذ من جهة عرقلته إسرائيل بطرق شتّى مثل التعطيل المتواصل والامتناع عن المصادقة على المشاريع، ومن جهة أخرى هناك صعوبات تقنية رغم الدعم الدولي.

ديمغرافيًا، تضاعف المجتمع الفلسطيني (تقريبًا) منذ التوقيع على هذه الاتفاقية، ورغم ذلك فإنّ الفلسطينيين لا يمكنهم استغلال أكثر من %14 من موارد المياه المشتركة (103 مليون متر مكعب سنويًا). ومن ضمن أسباب ذلك: تقديرات مبالغ فيها لكمّية المياه المتوفّرة في الأماكن المخصّصة للفلسطينيين ؛ محدودية مردود المياه من آبار التنقيب القديمة؛ العقبات التي تراكمها إسرائيل أمام تنقيبات جديدة، والنقص في الاستثمارات؛ واستغلال إسرائيل %86 من موارد المياه، أي %6 أكثر من حصّتها المحدّدة في الاتفاقيات. نتيجة لكلّ ما ذُكر، كمية المياه اتي تضطرّ السلطة الفلسطينية إلى شرائها من شركة مكوروت الإسرائيلية أكثر من تلك المحدّدة في الاتفاق بمرّتين ونصف. وفق معطيات سلطة المياه الفلسطينيّة والجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، تشتري السلطة من شركة مكوروت الإسرائيليّة نحو 63 مليون كوب سنويًا، يخصَّص منها لمنطقة الضفة 60 مليون كوب، وتشكّل %36.6 من استهلاك المياه في المناطق الفلسطينيّة ، ويتبقّى نحو 3 مليون كوب يتمّ نقلها إلى قطاع غزة. تزويد البلدات الفلسطينيّة في الضفّة بالمياه يتمّ بواسطة وصلات ثانويّة لبرك المياه المناطقية لشركة مكوروت الموجودة داخل المستوطنات، ومنها إلى برك مياه محليّة. نحو ثلث كمّية المياه التي تصل إلى الضفة يتسرّب ويضيع هباءً، وذلك نظرًا لتردّي حالة بنى تدفّق المياه بين البلدات وحالة شبكات المياه في المدن والقرى الفلسطينيّة؛ ومن ضمن أسباب ذلك رفض إسرائيل المصادقة على مشاريع ترميم الشبكة.

حصّة المياه المزوّدة للبلدات الفلسطينية تظلّ ثابتة ولا ترتفع لتناسب الطّلب، وذلك بعكس المستوطنات، إذ يحصل سكانها على المياه وفقًا للطلب والاستهلاك. بالإضافة إلى ذلك، وكما ذكر أعلاه، تقلّص شركة مكوروت حصّة البلدات الفلسطينية خلال أشهر الصيف عندما يزداد الطلب في المستوطنات، ، كما وُصف في مقالة نُشرت في حزيران في صحيفة "هآرتس". تقليص الإمداد لهذه البلدات يتسبّب في انخفاض كبير في ضغط المياه في الأنابيب، فتضطرّ السلطات المحليّة الفلسطينيّة إلى تقنين استهلاك المياه، بحيث تزوّد حي واحد كلّ يوم ، فيما الأحياء الأخرى تظلّ بلا مياه.

انتهاك حقّ الفلسطينيين في الحصول على المياه، والصرف الصحي والمستوى المعيشيّ اللائق يتّضح بشكل واضح لدى مقارنة معطيات استهلاك المياه عند السكان الفلسطينيين، والسكان الإسرائيليين. وفقا لمعطيات سلطة المياه الفلسطينية، بلغ متوسط استهلاك المياه لأغراض منزليّة وتجارية وصناعية (لا يشمل الزراعة، وبخصم الإهلاك) في الضفة الغربية عام 2014 إلى نحو 79 لترًا في اليوم للفرد الواحد. هذه الكميّة أقل بكثير من الحدّ الأدنى الموصى به من قبَل منظمة الصحة العالمية، وهو 100 لتر في اليوم لكل فرد للاستخدامات الشخصيّة والمنزلية فقط. وحيث يشمل المعطى الاستخدامات التجارية، فإن الاستهلاك الشخصيّ للفرد الواحد هو أقلّ بكثير من 79 لترًا. في المقابل، تفيد معطيات سلطة المياه الإسرائيليّة أنّ متوسط استهلاك المياه في إسرائيل للاستخدامات المنزلية و والتجارية والصناعيّة بلغ عام 2014 ما يقارب أربعة أضعاف الاستهلاك الفلسطيني - نحو 287 لترًا في اليوم للفرد الواحد.

المعطيات الإجماليّة لمتوسط استهلاك المياه في الضفة لا تعطي بالطبع صورة كاملة عن أزمة المياه في الضفة. فهناك تبايُن كبير في حجم تزويد المياه لمختلف المناطق والبلدات في الضفة. فأوّلاً تأتي في الصدارة المدن والبلدات المتطوّرة، حيث تتوفّر شبكة تزوّد المياه للمنازل، على الأقل في جزء من ساعات النهار، وحيث وتوجد طرق معبّدة تتيح نقل المياه في صهاريج من مصادر بديلة مثل الينابيع وآبار التنقيب الفلسطينيّة عندما تقلّص إسرائيل تزويد المياه للبلدات الفلسطينيّة. وتأتي ثانيًا قرى لديها شبكة مياه في الواقع، ولكن نظرًا لتكاليف النقل وظروف الطرق الصعبة، فإنّ نقل المياه إليها – في حال تقليص الحصّة المزوّدة - أمر صعب ومكلف. وتأتي ثالثًا في أسفل الترتيب عشرات البلدات التي لا تسمح إسرائيل بربطها بشبكة المياه، وفي أحيان كثيرة أيضًا تكون طرق الوصول إليها وعرة أو مشوّشة، ممّا يرفع تكلفة المياه المنقولة. بالإضافة إلى ذلك، في قسم كبير من هذه البلدات تمنع إسرائيل الوصول إلى موارد المياه الطبيعية، وتدمّر وتصادر خزّانات جمع مياه الأمطار والمياه المنقولة.

من مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عام 2013، يتبيّن أنّ 180 بلدة في أرجاء الضفة الغربية لم تكن مرتبطة بشبكة المياه، حتى تاريخه. يعيش في هذه البلدات نحو 30 ألف شخص، معظمهم في مناطق معرّفة كمنطقة C. هذه البلدات تعاني ليس فقط مما ذُكر من قيود على تطوير البنى التحتيّة، فهي تعاني أيضًا جرّاء الاستيلاء على موارد المياه الطبيعيّة التي اعتمدت عليها طيلة سنين، ومنعها من الوصول إليها، بما في ذلك آبار المياه وبرك الينابيع. كلّ هذا يحدث في إطار جهود السلطات الإسرائيليّة لطرد سكّان التجمّعات من منازلهم. الآلاف من سكّان هذه التجمّعات يستهلكون بالمعدّل فقط 20 لترًا في اليوم للفرد الواحد. يدفع سكّان هذه التجمّعات مقابل المياه المنقولة في صهاريج حتى %400 من سعر المياه المزوّدة عبر الأنابيب، وفي حالات كثيرة تكون الظروف الصحية في صهاريج نقل المياه متردّية بحيث تصبح المياه غير آمنة للشرب.

يوضّح هذا الواقع مدى سيطرة إسرائيل في جميع أنحاء الضفة الغربية، بدءًا بالمناطق المعرّفة كمنطقة C، حيث تفرض إسرائيل على السكان العيش في ظروف لا تطاق، وذلك من خلال منع تطوير البنى التحتية بذرائع إدارية؛ وانتهاءً بالمدن الكبيرة الخاضعة تمامًا – شكليًا فقط- للسلطة الفلسطينيّة من الناحيتين الأمنيّة والمدنيّة - فحتى هنا تُملي إسرائيل تفاصيل الحياة اليومية من خلال منع الحصول على المياه الكافية للأغراض المنزلية والتجارية والصناعية.

مدينة سلفيت، جنوب نابلس- تقليص بنسبة %60 في تزويد المياه في الصّيف

يعيش في سلفيت نحو 15 ألف شخص. ما يقارب %60من مساحتها، وعمومًا معظم المساحات المبنيّة، صُنّفت في اتفاقيات أوسلو ضمن منطقتَي A وB ، بينما صُنّفت أراضيها الزراعية ومناطقها المفتوحة ضمن منطقة C. نحو %35من القوى العاملة المشغّلة في المدينة تعتاش من مرافق الزراعة والصناعة. طيلة معظم أيّام السنة، تزوّد مكوروت مجمّعات تخزين المياه التابعة لبلدية سلفيت ما يقارب 2500 كوب يوميًا، ويتمّ دفق هذه المياه عبر الشبكة المحلية إلى نحو 3200 منزل ومصلحة في المدينة. في تاريخ 4.6.16 أبلغت سلطة المياه الفلسطينيّة بلدية سلفيت أن شركة مكوروت قد أعلنت عن تقليص كمّية المياه التي ستنقلها للفلسطينيين، نظرًا لارتفاع الطلب في المستوطنات أثناء الصيف. في اليوم نفسه قطعت شركة مكوروت المياه تمامًا عن المدينة، ففرغت المياه من خزّانات البلدية. في اليوم التالي تمّ تجديد تزويد المياه بنسبة %40 تقريبًا من الكميّة العاديّة. في أعقاب ذلك، اضطرّت بلدية سلفيت إلى تقسيم المدينة إلى ثلاثة مناطق تزويد واتّباع نظام المناوبة بينها، بحيث يتمّ في كلّ مرّة تدفيق المياه إلى منطقة واحدة مدّة 24 ساعة، وقطعها تمامًا مدّة يومين عن المنطقتين الأخريين.

يتواصل تقليص تزويد المياه حتّى اليوم. خلال الأشهر الأخيرة تأقلم السّكان مع الواقع وخفضوا استهلاكهم للمياه بشكل كبير ممّا سمح للبلديّة مؤخّرًا إلغاء تزويد المياه بنظام المناوبة. في الإفادات التي أدلوا بها أمام الباحث الميدانيّ في بتسيلم، عبد الكريم السعدي، في 23.6.16، تحدّث سكّان سلفيت حول واقع الحياة الذي فُرض عليهم:

حليمة شتية، تبلغ من العمر 45 عامًا، تعيش في سلفيت مع زوجها وأبنائهما الأربعة، روَت في إفادتها:

منذ مطلع شهر حزيران نعاني من نقص في المياه. في البداية لم نكن مهيّئين للأمر وكنّا نمتلك فقط صهريجًا واحدًا بسعة 500 لتر لتجميع المياه على سطح المنزل. اضطررنا إلى تغيير عادات الاستهلاك لدينا، بما في ذلك غسل الأواني والغسيل وتنظيف المنزل. بدأ زوجي بشراء زجاجات المياه وانتقلنا إلى استخدام الصحون والكؤوس البلاستيكيّة لكي نوفّر لمياه لغسل الأواني. أولادي، أكبرهم في الثانويّة وأصغرهم يبلغ من العمرست سنوات، كانوا معتادين على الاستحمام يوميًا، ولكن في الصّيف بالذات، ورغم الحرّ الشديد، نضطرّ إلى ملاءمة وقت للاستحمام وفقًا لتوفّر المياه، والتي تصل فقط مرّة كلّ يومين. المياه أمرٌ أساسيّ في الحياة، وكلّ نقص أو قطع للمياه يشوّش تمامًا نظام حياة الأسرة كلّها.

جميل شاهين، يبلغ من العمر 47 عامًا، صاحب حظيرة ومصنع ألبان، روى في إفادته:

في تاريخ 4.6.16 أبلغني العمّال في المزرعة أنّ المياه انقطعت فجأة. استوضحتُ الأمر لدى قسم المياه في البلديّة وأبلغوني أنّ شركة مكوروت قطعت المياه عن المدينة. البقر الذي أربّيه يحتاج يوميًا إلىلمياه بكمية تتراوح بين 20 و- 25 كوبًا. بدأنا بشراء المياه من مصادر للمياه خارج المدينة ونقلها في ناقلات. تقسم البلديّة المدينة إلى مناطق، والمنطقة التي توجد فيها المزرعة تحصل على المياه مرّة كلّ يومين. لذلك عليّ أن أشتري المياه طيلة الوقت، والتي يتمّ نقلها في ناقلات. قطع المياه عن المزرعة يضرّ بكميّات الحليب التي ينتجها البقر وبصحّة البقر، خصوصًا في الطقس الحار في الصّيف.

قرية سالم، الواقعة شرقيّ نابلس، تصلها المياه مرّة كلّ 12 يومًا.

تقع قرية سالم شرقيّ مدينة نابلس ويعيش فيها نحو 5000 شخص. جميع منازل القرية مرتبطة بشبكة تزوَّدها بالمياه شركة مكوروت. توفّر مكوروت المياه بضغط منخفض جدًا، ولهذا يضطرّ مجلس القرية إلى توفير المياه بنظام المناوبات. لمجابهة هذا الوضع، يضع غالبيّة سكّان القرية صهاريج لتجميع المياه على أسطح المنازل. حتّى شهر أيّار 2016 حصل كلّ منزل على المياه مرّة في الأسبوع. في شهر أيّار، وقبل تقليص كمّية المياه المزوّدة إلى سلفيت والبلدات الأخرى، قلّصت مكوروت على نحوٍ أشدّ حصّة قرية سالم. منذ ذلك الوقت يحصل كلّ منزل على المياه فقط مرّة كلّ 10 أو 12 يومًا. أمّا المناطق العالية في القرية فلا تصلها المياه على الإطلاق بسبب الضّغط المنخفض.

في إفادات أدلوا بها أمام الباحثة الميدانيّة في بتسيلم، سلمى الدبعي، في تاريخ 30.6.16 روى سكّان من القرية عن حياتهم في ظلّ نقص المياه. سحر جبور، تبلغ من العمر 44 عامًا، تعيش في القرية مع زوجها وأولادهما الثلاثة عشر:

منذ شهر أيّار والمياه تصل إلى المنزل تقريبًا مرّة في الأسبوعين. الكميّة لا تكفي ونضطرّ إلى شراء المياه من الصهاريج بسعر عالٍ يصل إلى 70 شيكل تقريبًا لـ-3 كوب، وهذا يشكّل عبئًا اقتصاديًا ويسبّب صعوبات عمليّة. كلّما زوّدونا بالمياه عبر الأنابيب أمضي الليل كلّه في تعبئة الصهاريج، كي أجمّع أكثر ما يمكن. لدينا صهريج بجانب المنزل نقوم بتعبئته ثمّ ننقل منه بواسطة مضخّة إلى الصهاريج التي على السّطح لأنّ ضغط المياه في الأنابيب ضعيف ولا يصل إلى الأسطح. عندما تفرغ المياه من الصهاريج على الأسطح نضطرّ إلى استخدام زجاجات وصهاريج صغيرة للاستحمام وإنزال المياه في المراحيض . طيلة الوقت أحمل صهاريج المياه وهذا يسبّب لي آلامًا في الظّهر واليدين.

لا أدري كم من الوقت ستطول المسألة. نحن أسرة كبيرة ونحتاج إلى الكثير من المياه لتلبية كافّة احتياجاتنا. نقص المياه أوصلنا إلى وضع لا يمكننا فيه أن نستحمّ. كلّ منّا بالكاد يستحمّ مرّة في الأسبوع. هل يُعقل أن يستحمّ إنسان في هذا الحرّ الشديد مرّة في الأسبوع؟ يجب الاستحمام مرّتين في اليوم وليس مرّة في الأسبوع.

زوجي عامل، ومنذ مطلع الشهر عمل فقط أربعة أيّام مقابل أجرة 400 شيكل. الآن نحن في حيرة من أمرنا، هل نشتري المياه بهذا المبلغ ، أم ندفع فاتورة الكهرباء، أم نشتري الطعام... السلطات الإسرائيليّة تزيد الصعوبات على حياتنا وتعقّدها.

رند عوّاد، تبلغ من العمر 43 عامًا، تعيش في القرية مع زوجها وأولادهما الثلاثة:

لا تقتصر المشكلة على الفترات التي لا يكون فيها ماء؛ فهناك مشكلة أكبر هي ضعف جريان المياه. المياه لا تصل إلى الصهاريج الكبيرة التي على الأسطح، ولهذا نضطرّ إلى تعبئة صهاريج المياه أو الدِّلاء واستخدام المضخات لضخّ المياه إلى هناك. اضطررنا إلى شراء مضخّة بسعر 350 شيكل. في معظم الحالات تصل المياه في ساعات الليل، بعد التاسعة، ونضطرّ إلى البقاء يقظين طيلة الليل لإيصالها إلى الأسطح وتعبئة الصهاريج. لا أفعل شيئًا إلى أن تصل المياه. كلّ شيء ينتظر- الغسيل، شطف الأرضيّة وحتّى الاستحمام نحاول تأجيله. عندما تصل المياه يبدأ الجميع بالتدافع لأنّ الجميع يريد أن يكون أوّل المستحمّين. أطفالي كثيرون وأضطرّ إلى تقييدهم بالوقت حتّى لا تنفد المياه. كلّ فرد يدخل لمدّة عشر دقائق فقط، مرّة كلّ ثلاثة أيام.

في رمضان تزداد الحاجة إلى المياه. نحن نستضيف العديد من الناس، فالعادة أن ندعو أقارب العائلة لتناول وجبة الإفطار. في الأسبوع الماضي استضفنا ضيوفًا ووقت "الإفطار" بالضبط نفدت المياه، فلم أتمكّن من غسل الأواني ولا تنظيف المرحاض وبقيّة المنزل. ظلّ الوضع على هذا النحولمدّة ثلاثة أيّام، إلى أن عادت المياه. رائحة الأواني والمنزل كانت مقرفة. لم تكن هناك مياه حتّى لتحضير الطّعام. لم نستطيع البقاء في المنزل. كلّ يوم، كان الأقارب، الذين لا يسكنون في القرية، يدعوننا لتناول وجبة الإفطار. دار الحديث يوميًا بين الأقارب والأصدقاء عن وضع المياه، هل تتوفّر المياه، متى ستصل المياه وكيف سنتدبّر الأمر بالكميّة الضئيلة التي تصل إلى المنازل.

اضطررنا إلى البدء بشراء المياه من الناقلات، لكنها لا تصل لحظة طلبها. أحيانًا يستغرق الأمر حتى وصولها أكثر من 24 ساعة، بسبب ارتفاع الطلب عليها فكلّ سكّان القرية يعانون من نقص في المياه. في إحدى المرّات، اضطررت إلى إحضار المياه من أقارب يمتلكون بئرًا. حمّلنا الصهريج في السيارة وسافرنا إليهم، سحبنا المياه من بئرهم بواسطة مضخة، وعدنا إلى المنزل. في المنزل سحبنا مجدّدًا ورفعناها إلى خزّان المياه الموجود على السطح. انشغلنا في المسألة لمدّة ثلاث ساعات.

الأسعار العالية للمياه تزيد من أزمتنا. مقابل المياه التي تصلنا من الشبكة ندفع خمسة شواقل للكوب الواحد، ومقابل المياه التي نشتريها من الناقلة ندفع تقريبًا 22 شيكل للكوب. عدا عن ذلك، فإنّ استهلاك الكهرباء يرتفع، لأننا نضطرّ إلى تشغيل المضخة الكهربائيّة. أحيانًا أشعر أنّنا نعمل فقط من أجل تغطية مصاريف الماء والكهرباء.

خربة حمصة، منطقة الأغوار، حظر على الارتباط بشبكة المياه

خربة حُمصة هي تجمّع صغير يشمل نحو عشرين عائلة - وهو واحد من عشرات التجمّعات الصغيرة للرّعاة والمزارعين المنتشرة في كافّة أنحاء الأغوار. خربة حُمصة بعيدة نسبيًا عن البلدات الفلسطينيّة الأخرى، وهي تقع شمال شرق حاجز الحمرة وتبعدمسافة نحو 12 كم عن قرية عين شبلي التي يدرس فيها أولاد التجمّع. الوصول إلى هذا التجمّع صعب بشكل خاصّ ويستلزم السفر مسافة 7 كم تقريبًا في طرق رملية مشوّشة.

على غرار التجمّات الأخرى في منطقة الأغوار وسائر المنطقة المصنّفة C، لا تعترف السلطات الإسرائيلية بخربة حُمصة وتعمل على طرد سكّانها. يحوم فوق الخيام وبيوت الصّفيح التابعة لسكان التجمّع دائمًا خطر الهدم على يد الإدارة المدنيّة. تعرّف السلطات الإسرائيليّة المنطقة التي يعيش فيها سكان خربة حُمصة كمنطقة عسكريّة يُحظر عليهم البناء فيها بل وحتى البقاء فيها. كلّ سنة، يخلي الجيش والإدارة المدنيّة عائلات من خُربة حُمصة بحجّة إجراء التدريبات العسكرية بجوار منازلهم. كجزء من رفض الاعتراف بالتجمّع والسعي لطرد سكّانه تمنع السلطات الإسرائيلية عن خربة حُمصة وتجمّعات شبيهة أخرى الارتباط بشبكة المياه.

يُضطرّ سكّان التجمّع أن يعيشوا ظروف الحرّ الصعبة في منطقة الأغوار، حيث يعتاشون بضيق من الزراعة والرّعي ويعانون من نقص دائم من المياه. لا توجد ينابيع في المنطقة ولكن هناك عدّة آبار حفرها السكان لتجميع مياه الأمطار. أصدرت الإدارة المدنيّة أوامر بهدم هذه الآبار لا تزال معلّقة. يضطرّ سكّان التجمّع إلى نقل المياه في صهاريج تُجرّ جرّا في الطرق الوعرة الموصلة إليه، وفي أثناء ذلك يترصّدهم خطر مصادرة المركبات والصهاريج على يد الإدارة المدنيّة. سياسة هدم آبار المياه هذه، ومصادرة الصّهاريج على يد الإدارة المدنية، يجري تطبيقها في كافّة أرجاء الضفّة.

عفيفة أبو كباش، التي تعيش مع أسرتها في خربة حُمصة، وصفت حياتهم في ظلّ نقص المياه في إفادة التي أدلت بها أمام الباحث الميدانيّ في بتسيلم ، عارف ضراغمة: 

עפיפה אבו כבאש. צילום: עארף דראר'מה, בצלם

قبل نحو 15 عامًا تزوّجت من زوجي كزوجة ثانية، ولنا طفلان مشتركان. لزوجي وزوجته السابقة 13 ولدًا. نعيش كأسرة واحدة في الخيام، التي لا تحمينا من البرد والحرّ. الأضرار المتواصلة التي تتسبّب فيها السلطات الإسرائيليّة تزيد من صعوبة حياتنا. مرّت علينا عدًة عمليّات هدم وإخلاء، كذلك صادروا مواشينا واضطررنا إلى دفع الغرامات لاسترجاعها. شاهدنا كيف تحترق مراعينا ومحاصيلنا بسبب تدريباتهم في مناطق سكننا. ينتهج الجيش سياسة متواصلة منذ سنين لطردنا من المكان. كلّ شيء ينقص هنا، وهذا يصعّب حياتنا أكثر. لا توجد مياه في المنطقة ونضطرّ إلى إحضار المياه بواسطة الشاحنات والصهاريج التي تجرّ جرًا. هذا يكلّفنا أموالاً والخطوات التي تتبعها السلطات تزيد الأمر صعوبة. لإحضار المياه إلينا يضطرّ سائق المركبة الجارّة إلى السفر في طرق صعبة، وفيها مخلّفات التدريبات العسكريّة. جميع الطرق المؤدية إلينا هي طرق صعبة وغير منظّمة. دائمًا نتلقّى نصف صهريج، لأنّ الصهريج الكامل أثقل من أن تتحمّله المركبة في هكذا طرقات. سبق وصادروا لنا بعض الجرّارات والصهاريج المجرورة. إنهم يحاولون طردنا عن طريق التجفيف.

عندما يصلنا صهريج من المياه يبدو الأمر كعُرس أو عيد. نقوم بنقل المياه إلى صهاريج من البلاستيك ونتصرّف بتقنين صارم في الاستهلاك لكَي نحافظ عليها، بعد أن تعبنا كثيرًا في الحصول عليها. نستخدم المياه لمامًا، ونسقي مواشينا فقط ما يكفي ليُبقيها على قيد الحياة. هناك العشرات من نقاط المياه للإسرائيليين، توفّر المياه للمعسكرات وللمستوطنات، والأنابيب تمرّ من أمام منازلنا. نحن نسمع فقط صوت المياه تجري داخل الأنابيب. انظر إلى هناك ناحية المزارع الخضراء للمستوطنين وانظر إلى الجفاف وإلى الصحراء المحيطة بنا. لقد استحوذوا على مياهنا ويتمتّعون بالوفرة بينما نمرّ نحن برحلة من العذابات لنحصل على كوب من الماء لأولادنا.