أزمة مياه حادة في محافظة الخليل
منذ بداية الصيف، يعاني عشرات آلاف الفلسطينيين في محافظة الخليل من نقص في المياه للاستعمالات البيتية، وهي من أشد الأزمات خلال السنوات الأخيرة. هذا النقص في المياه محسوس بصورة أكبر في البلدات التي تحصل على المياه عبر أنبوب، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، من شركة مكوروت، ومن بينها بني نعيم (حوالي 20.000 مواطن)، يطا (حوالي 45.000 مواطن)، الظاهرية (حوالي 30.000 مواطن) والسموع (حوالي 20.000 مواطن).
ينبع هذا النقص لسببين أساسيين. أولا، إن سياسة تزويد المياه التي تتبعها شركة مكوروت في الضفة الغربية كانت دائما تعتمد على التمييز الفظ على خلفية قومية ما بين الفلسطينيين والمستوطنين. وفي الوقت الذي تعاني معظم البلدات الفلسطينية المربوطة فقط بشبكة المياه التابعة لشركة مكوروت من النقص الثابت في المياه، فإن المستوطنات تحصل على كميات من المياه تتيح لسكان المستوطنات استهلاك المياه دون تقييد للاستهلاك البيتي والبلدي، كما هو دارج في البلدات الواقعة داخل إسرائيل. علاوة على ذلك، في الحالات التي تكون فيها البلدات الفلسطينية والمستوطنات مربوطة بنفس خط المياه، تقوم شركة مكوروت بتقليل كمية المياه التي تصل إلى البلدات الفلسطينية في أشهر الصيف من أجل الوفاء بالاستهلاك الزائد للمياه في المستوطنات. هكذا على سبيل المثال، في حالة بلدة يطا والقرى المجاورة التي تحصل على المياه من خط شركة مكوروت الذي يزود مستوطنة بني حيفر.

مواطنة من سكان بلدة الظاهرية في محافظة الخليل تحتفظ بالمياه التي استعملتها للغسيل لاحتياجات اخرى. تصوير: موسى ابو هشهش، بتسيلم. 29.10.07.
ثانيا: خلال الصيف الأخير تفاقمت ظاهرة الارتباط غير القانوني بخطوط المياه من قبل المزارعين الفلسطينيين. وفي حالة بلدة بني نعيم، على سبيل المثال، أدت هذه الظاهرة إلى فقد ما نسبته حوالي 100% من المياه التي تتزود بها. وتتم معظم عمليات الارتباط المذكورة في المناطق الزراعية الواقعة في منطقة C الذي تتحمل فيه إسرائيل، طبقا لاتفاقيات أوسلو، مسئولية مباشرة عن فرض القانون. وعلى الرغم من هذا، وعلى النقيض من السياسة المتبعة بخصوص المخالفات المرتكبة بحق الإسرائيليين، تمتنع سلطات الأمن عن تطبيق القانون بصورة حازمة ضد سارقي المياه. إضافة إلى ذلك، ومن خلال الفحص الذي قامت به بتسيلم، يتضح أن ممثلي الشرطة الفلسطينية في محافظة الخليل توجهوا عدة مرات إلى الإدارة المدنية بطلب التنسيق من أجل دخول رجال الشرطة الفلسطينيين إلى مناطق C بغرض معالجة عمليات الارتباط غير القانونية بشبكة المياه، غير أن جميع هذه الطلبات رُفضت لغاية الآن.
على ضوء النقص الحاد في المياه، تضطر الكثير من البلديات والمجالس المحلية في محافظ الخليل إلى تقسيم البلدات إلى عدد من المناطق وتزويدها بالمياه بالتبادل. في السموع، على سبيل المثال، يحصل كل بيت على تزويد المياه على مدار ثلاثة أيام من كل شهر؛ في يطا، يحصل كل مواطن على المياه لمدة يوم واحد كل أسبوعين.
تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى البلدات التي تعاني من التقليص في تزويد المياه خلال أشهر الصيف، توجد في محافظة الخليل حوالي 90 قرية صغيرة يعيش فيها حوالي 40.000 مواطن غير مرتبطين إطلاقا بشبكة المياه ويعانون من أزمة ثابتة في تزويد المياه.
إن النقص في المياه المُزودة عن طريق الأنابيب يٌرغم السكان على شراء المياه من التجار المستقلين الذين يبيعون المياه بواسطة الصهاريج. لكن، في الوقت الذي يتراوح سعر الكوب الواحد (سم مكعب) ما بين 3- 5 شيكل من المياه التي يتم تزويدها بواسطة الشبكة المركزية، فإن سعر المياه المُباعة بالصهاريج يتراوح ما بين 15- 30 شيكل للكوب، طبقا للمزود وموقع البلدة. نتيجة لذلك، وعلى خلفية الحقيقة بأن أكثر من 40% من سكان الضفة الغربية يعيشون تحت خط الفقر وأن حوالي 23% من القوة العاملة عاطلة عن العمل، تتحول المصاريف الخاصة بالمياه إلى عبئ اقتصادي ثقيل بالنسبة لشريحة واسعة من سكان الضفة الغربية. ويتضح من التحقيق الذي أجرته بتسيلم أن العائلات الفقيرة التي لا تستطيع شراء صهاريج المياه تقوم باستهلاك المياه من مصادر لا تخضع للرقابة، مثل الينابيع والآبار الزراعية، وهي مصادر يشتبه كثيرا بأنها ملوثة.

استخراج المياه من بئر لتخزين مياه الامطار في بلدة الظاهرية . تصوير: موسى ابو هشهش، بتسيلم. 29.10.07.
تعود جذور ضائقة المياه في الضفة الغربية إلى التوزيع غير العادل للموارد المالية المشتركة لإسرائيل والفلسطينيين. أحد هذه الموارد هو حوض الجبل المكون من عدة مستودعات من المياه الجوفية التي تتقاطع في المنطقة الحدودية ما بين إسرائيل والضفة الغربية. رغم أن هذا المورد هو مصدر المياه الأساسي الذي يستعمله سكان الضفة الغربية اليوم، إلا أن إسرائيل تستغل حوالي 80% منه (معظم الكمية تستعمل داخل إسرائيل ذاتها) بينما يستغل الفلسطينيون الـ20% الباقية. طبقا لاتفاقيات أوسلو، لا يسمح للسلطة الفلسطينية بحفر آبار مياه جديدة دون الحصول على موافقة إسرائيل، ولا حتى في مناطق A التي تُدار من قبل السلطة الفلسطينية.
إن هذا التوزيع غير العادل للموارد المشتركة وسياسة التمييز التي تطبقها شركة مكوروت في الضفة الغربية، هي من بين الأسباب الأساسية للهوة العميقة في استهلاك المياه ما بين الإسرائيليين (بما في ذلك المستوطنين) والفلسطينيين من سكان الضفة الغربية. وفي الوقت الذي يصل فيه معدك استهلاك المياه من قبل الإسرائيلي للأغراض البيتية والبلدية إلى حوالي 280 لترا في اليوم، فإن معدل استهلاك الفلسطيني لنفس الأغراض يصل إلى حوالي 65 لترا في اليوم. وقد حددت منظمة الصحة العالمية أن التزويد الموصى به يوميا للفرد لأغراض الاستعمال البيتي والبلدي هو 100 لتر يوميا.