التعذيب والتنكيل في تحقيقات

التعذيب والتنكيل من وجهة نظر القانون الدولي

تم النشر في: 
1.1.11

إن القانون الدولي يحظر بصورة تامة التعذيب والمعاملة القاسية، غير الإنسانية أو المذلة (فيما يلي التنكيل). إن هذا الأمر يعني، بخلاف المعايير الهامة الأخرى، بأنه من غير المسموح للدول المس به أو موازنته مع الحقوق أو القيم الأخرى، ولا حتى في حالة الطوارئ. فضلا عن ذلك، لقد تبلور في العالم منذ زمن بعيد إجماع واسع بخصوص المنع المطلق للتعذيب والتنكيل وهو بمثابة قاعدة عرفية، أي أنه ساري المفعول من الناحية القانونية بخصوص كل دولة، منظمة أو شخص حيثما كان، وبخصوص أعمالهم في كل مكان على وجه الأرض، دونما علاقة بسريان أي وثيقة دولية كهذه أو تلك.

إن هذا المنع مقنن في الفرعين الرئيسيين في القانون الدولي اللذان يسريان على إسرائيل بخصوص تعاملها مع المعتقلين الفلسطينيين: القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان الذي يعنى بواجبات الدولة تجاه كل شخص موجود تحت سيطرتها، والقانون الإنساني الدولي الذي يُعنى من ضمن ما يُعنى به بواجبات الدولة تجاه سكان المنطقة المحتلة. الميثاقان الأساسيان في الفرع الأول اللذان يضمان التقنين الخاص بحظر التنكيل هما الميثاق الدولي بخصوص الحقوق المدنية والسياسية والميثاق المناهض للتعذيب والأشكال الأخرى من المعاملة أو العقاب القاسي، غير الإنساني والمُذل. أحد المواثيق الأساسية بخصوص الفرع الثاني هو ميثاق جنيف الرابع (اتفاقية جنيف الرابعة).

إن حظر التعذيب والتنكيل هو مكون أساسي أيضا في فرع آخر من القانون الدولي: القانون الجنائي الدولي. إن انتهاك هذا الحظر في إطار هذا الفرع يعتبر جريمة دولية. إن الأشخاص الضالعين بتنفيذ هذه الجريمة، بما في ذلك الأشخاص الذين أصدروا الأوامر للآخرين بالتعذيب أو التنكيل أو ساعدوا في مثل هذه الأعمال يتحملون المسئولية الجنائية الشخصية عن ذلك. وتنضاف هذه المسئولية إلى المسئولية التي تقع على كاهل الدولة التي يعمل هؤلاء الأشخاص باسمها وهي مسئولية منفصلة وبحد ذاتها. بناء على ذلك، فإن كل دولة أيا كانت ملزمة بتحويل الضلوع في تنفيذ هذه الجرائم إلى مخالفات جنائية في التشريع المحلي الخاص بها وتقديم المشتبه بهم إلى العدالة. إن عدم الإيفاء بهذا الواجب يمنح باقي الدول في العالم صلاحية اعتقال المشتبه بهم في التعذيب أثناء تواجد هؤلاء على أراضيها لغرض تقديمهم للعدالة أو تسليمهم، بغض النظر عن مكان تنفيذ التعذيب، وبغض النظر عن جنسية المشتبه به أو جنسية الضحية.
 
إن التعريف الأكثر قبولا لمصطلح "التعذيب" هو ما يظهر في البند 11 من ميثاق مناهضة التعذيب:

"بخصوص هذا الشأن، فإن مصطلح التعذيب يعني أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث، أو تخويفه أو إرغامه هو أو شخص ثالث على الاعتراف بشيء ما، أو عندما يلحق به هذا الألم أو التعذيب- لأي سبب من الأسباب كالتمييز أياً كان نوعه- أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي، أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. هذا لا يتضمن الألم أو المعاناة النابعة عن عقاب حسب القانون، وما يتبع ذلك أو يتعلق به".

يتضح من هذا التعريف أن هناك أربعة شروط أساسية وتراكمية تجعل من عمل معين بمثابة تعذيب:

أ) يتم عن قصد
ب) يسبب الألم أو المعاناة الشديدة
ج) يتم لغرض تحقيق أحد الأهداف المشمولة في الميثاق، وبضمنها تخليص المعلومات
د) يتم من قبل موظف رسمي أو بموافقته.

من بين الأربعة، فإن البند الثاني هو الذي يثير الصعوبات والخلافات عند محاولة تطبيق التعريف بخصوص وسائل التحقيق عموما، وبخصوص وسائل التحقيق الذكية والمدموجة، على غرار الوسائل التي تستعملها قوات الأمن الإسرائيلية بصورة خاصة. علينا أن نتذكر في هذا السياق أنه نظرا لأن الألم والمعاناة هي مشاعر شخصية بطبيعتها، بخصوص أفعال معينة، لا يمكن التحديد بصورة مبسطة إذا ما كانت المعاناة الواقعة شديدة إلا بالنسبة لإتباعها في حالة معينة وضد أشخاص معينين. هكذا على سبيل المثال، ربما يسبب أسلوب تحقيق معين لدى شخص شاب ومعافى معاناة ملحوظة لكنها ليست خطيرة، بينما لدى شخص بالغ أو مريض قد يسبب معاناة خطيرة؛
 
على النقيض من التعذيب، لا يوجد في أي من المواثيق تعريف رسمي للتنكيل. ويتضح من القرارات القانونية والأدبيات حول هذا الموضوع أن المعيارين الأساسيين اللذان يميّزان ما بين التعذيب والتنكيل هما قوة المعاناة الناتجة عن فعل معين والهدف من وراء هذا الفعل. بناء على ذلك، فإن الفعل الذي يسبب معاناة ملحوظة لكنها ليست شديدة، أو بالتبادل، الذي يسبب معاناة شديدة، لكن ليس لغرض تخليص المعلومات (على سبيل المثال نتيجة تفعيل قوة مبالغ فيها في إطار اعتقال شخص يقاوم الاعتقال) يُعرف على أنه تنكيل وليس تعذيبا.

إن الهيئات الرئيسية شبه الرسمية، وخاصة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، المسئولة عن فحص شكاوى الأفراد بخصوص انتهاك الميثاق بخصوص الحقوق المدنية والسياسية، تُكثر من تناول هذين المحظورين على أنهما محظور واحد، دون الإشارة في الحالات الواقعية إذا ما كانت الأفعال المذكورة تقع في الخانة الأولى أو الثانية. هناك هيئات أخرى، وفي مقدمتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، درجت على التمييز بين الاثنين على الرغم من موقفها المبدئي بخصوص كون المنع في الحالتين مطلقا بقدر متساو. وينطوي تبرير هذا الأمر في رأي المحكمة التي ترى أن مصطلح التعذيب يتضمن "صفة خاصة" يمكن إطلاقها فقط على الأفعال الخطيرة جدا.

Similar videos

warning: htmlspecialchars() expects parameter 1 to be string, array given in /var/www/www.btselem.org/htdocs/includes/bootstrap.inc on line 860.