على مدار سنوات كان التعذيب وسيلة اعتيادية في تحقيقات جهاز الأمن العام
(الشاباك). ومنذ صدور توصيات لجنة لاندوي في عام 1987، يقوم جهاز الأمن العام
بإستعمال التعذيب في التحقيق مع 850 فلسطينياً كل عام. وتشتمل وسائل التحقيقات
على الشدّ والهز العنيف للشخص الخاضع للتحقيق، الربط وشد الوثاق في وضعيات
مؤلمة، تغطية الرأس بكيس ذي رائحة نتنة وكريهة. وقد شاركت جميع مؤسسات السلطة،
بدءاً من الجيش الإسرائيلي وانتهاءاً بالمحكمة العليا، في المصادقة على التعذيب،
وتطوير الوسائل الجديدة والإشراف عليها.
وفي أيلول من عام 1999، حددت محكمة العدل العليا بأن جزء من أساليب التحقيق
التي استعملها جهاز الأمن العام ضد الفلسطينيين الخاضعين للتحقيقات غير قانونية
ومردودة. وقد أدى قرار الحكم هذا الى إحداث تغيير ملحوظ في مدى وحجم استعمال
وسائل التعذيب.
وعلى الرغم من هذا، ومنذ صدور قرار المحكمة العليا،
فقد تجمعت اشارات كثيرة تدل على أن استعمال جهاز الأمن العام للتعذيب لم
يتوقف. على سبيل المثال، وفي تموز 2002، اقتبست صحيفة "هآرتس" عنصراً رفيعاً في جهاز الأمن
العام، والذي أشار الى أنه منذ صدور قرار المحكمة العليا تم تعريف 90 فلسطينياً
على أنهم "قنابل موقوتة" وقد تم اخضاعهم لوسائل "تحقيق شاذة"،
أي التعذيب بكلمات أخرى.
وفي اطار المقابلة التي أجرتها صحيفة "معاريف" مع ثلاثة من محققي
جهاز الأمن العام، الذي نشر في تموز 2004، اعترف أحد المحققين بأن جهاز الأمن
العام يستعمل "جميع الوسائل اليدوية المخفية والممكنة، من الهز والشد
ولغاية الضرب". وقد جمعت اللجنة الشعبية لمكافحة التعذيب العشرات من
التصاريح والإعترافات من الفلسطينيين الذين خضعوا للتحقيق من قبل جهاز
الأمن العام، وذكروا أنهم تعرضوا لوسائل تحقيق عنيفة.
ومنذ صدور قرار الحكم، حاولت العديد من الجهات
العمل على تشريع قانون يتيح استعمال التعذيب من قبل جهاز الأمن العام، وقد
باءت هذه المحاولات بالفشل حتى اليوم. إن كل قانون يمنحُ جهاز الأمن العام
رخصة لإستعمال الضغط البدني أثناء التحقيقات أو التسبب بمعاناة نفسية عن
قصد وتعمد – حتى لو كان الترخيص مقصوراً فقط على انقاذ الحياة، وحتى لو
مُنِعَ من خلاله "استعمال التعذيب" بصورة
واضحة – فإن هذا الترخيص يناقض أحد القواعد الأساسية الأكثر رسوخاً في
القانون الدولي: الحظر المطلق على التعذيب، التعامل أو العقاب القاسي، وغير
الإنساني أو المُذِل.
إن القانون الدولي يتعامل مع التعذيب، على غرار العبودية، على أنه قتل لشعب
وجريمة حرب، وكفعل غير مبرر بأي حال من الأحوال. وقد رفضت المحاكم الدولية
كل محاولة لإحداث فسحة صغيرة من الترخيص أو الإذن، حتى عند محاولة التعلق
بمبرر مكافحة الإرهاب. ولا يسري المنع في القانون الدولي على الوسائل التي
تسبب الألم أو المعاناة الشديدة وحسب، بل يسري على كل وسيلة تحقيق ترتبط بالتسبب،
عن قصد وتعمُّد، بالألم أو المعاناة، سواء كان بدنية أو نفسية، والتي تهدف
الى تحصيل المعلومات أو الإعترافات. وقد تم التعبير عن مثل هذا المنع من خلال
الأحكام الصادرة عن الكثير من الهيئات الدولية.